الارتباك السنّي: استظلال المسيرة الحريرية

روزانا بومنصف – النهار

خلّف تعليق الرئيس #سعد الحريري العمل السياسي وعدم المشاركة في #الانتخابات النيابية فراغاً وارتباكاً كبيرين ومدوّيين على مستوى الطائفة السنية خاصّةً ولكن أيضاً على مستوى لبنان ككل، وكذلك الحلفاء السابقون في قوى ١٤ آذار، بحيث يمكن تلمّس مدى الارتباك في صياغة تحالفات انتخابية في غالبية المناطق ولا سيما حيث الوجود القوي للسنّة. ولعل خطوة الحريري رمت من بين جملة أسباب دفعته الى تعليق العمل السياسي، الى تظهير مدى الفراغ الذي يمكن أن يتركه وقوفه جانباً وعدم المشاركة، الذي لم يكن محبّذاً من أفرقاء كثيرين، الى جانب تظهير محوريته ومدى الحاجة إليه، لا على الصعيد السنّي فحسب بل على الصعيد الدرزي والمسيحي وحتى الشيعي، بعدما خذله كثر من هؤلاء في محطات مربكة من بينها محاولة تأليف حكومته الأخيرة في ظل محاربته من قوى ٨ آذار.




هناك مكابرة لدى بعض الحلفاء السابقين كما من الخصوم في الإقرار بذلك في ظلّ اعتقاد أو اقتناع بأن من الممكن النفاذ الى الساحة السنية والاستثمار فيها في ظل غياب الحريري، فيما عواصم عدة أربكها انسحاب الحريري في ضوء قراءاتها للنتائج المحتملة على الانتخابات النيابية وفقدان ركيزة أساسية للتوافق الوطني من جهة ولتحفيز الناخبين على الاقتراع بما يلبّي تطلعات اللبنانيين من جهة أخرى، رغبت الى القيادات السنية عدم ترك الساحة للفراغ الذي يخلفه غياب الحريري والذي سيتردّد صداه على مستويات متعدّدة ولمدى طويل جداً.

هناك تطوران برزا أخيراً، أحدهما إصدار دار الفتوى بياناً تعلن فيه عدم تدخلها في الانتخابات، وإعلان الرئيس السابق للحكومة فؤاد السنيورة ضرورة المشاركة في الانتخابات وعدم مقاطعتها، وصدور تغريدة فورية للأمين العام ل#تيار المستقبل أحمد الحريري بدت معارضة لما ذهب إليه السنيورة. في بيان دار الفتوى كان ثمّة عتب لدى معنيين على موقف ليس ضرورياً من حيث المبدأ فيما الحاجة كبيرة في هذه المرحلة لقيادتها مرحلة مربكة قد تسمح بتشرذم كبير ضمن الطائفة إذا بقيت بعيدة ولم تتدخل عند الضرورة. وتردّد أن اتصالات وزيارات حصلت الى دار الفتوى على هذه الخلفية ومن بينها زيارة للسنيورة للمفتي عبد اللطيف دريان في الساعات الأخيرة. أما رد فعل أحمد الحريري على موقف السنيورة فدحض على الأقل فكرة أن الرئيس الحريري خرج من الباب ليدخل من النافذة، ولكن رد الفعل ترك سلبيات يُخشى أن تنعكس بقوة في الساحة السنية على رغم أن الرئيس الحريري لم يدعُ الى مقاطعة الانتخابات النيابية وترك الحرّية لمن يرغب في الترشح من خارج تيار المستقبل أو الاستقالة منه. وسبق لرؤساء الحكومات اللقاء مع المفتي دريان بهدف تنسيق الموقف في شأن الانتخابات النيابية وكيف يمكن تخفيف تداعيات ارتدادات موقف الحريري. فثمة مأزق يتمثل في أنه بين الحاجة الى إدراك أهمّية فقدان الموقع السني المعتدل والمنفتح الذي مثله الحريري وتالياً ترك المجال للفراغ السياسي في غيابه ما قد يضغط على كل القوى السياسية فيما لو أن ثمة سعياً حقيقياً الى المحافظة على الصيغة السياسية في البلد وترجمة هذا الواقع عملانياً مساحة كبيرة سيملأها “حزب الله” وسواه، ما قد يرسي أمراً واقعاً قد تصعب إعادته الى الوراء بسهولة باعتبار أن تخريب البلد قائم على قدم وساق. ففي عام 92 أصر النظام السوري على انتخابات قاطعها المسيحيون من دون أن يمنعه ذلك من تعبئة الفراغ نتيجة المقاطعة بمن لم يمانع أن يكون نائباً في تلك الظروف، ولكن ذلك أدى الى واقع مسيحي خطير لا تزال تداعياته الى اليوم بطريقة أو بأخرى. وهو أمر يرجّح أن ينطبق على السلطة الراهنة لجهة حساباتها الانتخابية ما لم تر أن الانتخابات ستقضي على ما تملكه من أوراق لا نتيجة لتعليق الحريري عمله السياسي كمكوّن سنّي أساسي لا غنى عنه.

يقارب سياسيون إعلان السنيورة من هذه الزاوية بالذات وكذلك الامر بالنسبة الى تشجيع مستقبليين على الاستقالة من التيار والترشح للانتخابات من أجل عدم ترك الساحة للطامعين وليس للطامحين ولا سيما في ظل المخاوف من مقاطعة شعبية عامة للانتخابات لا فقط لدى السنة، تؤدي الى فوز كثيرين بأصوات من حضر، إذ إن لهؤلاء شعبيتهم وحضورهم ولا خيانة للتيار المستقبلي بل تأمين ضمان بذور استمراريته وتلبية تطلعات اللبنانيين، فيما لا إحراج للتيار ولا تبنّي منه على نحو مباشر أو غير مباشر.

بهذا المعنى تُقرأ مبادرة السنيورة منعاً لتفلت غير مسبوق في الترشيحات وضياع في الاتجاهات الواجب توجيهها على الاقل في قنوات محدّدة بدت صريحة وواضحة من حيث التمسّك باتفاق الطائف وبمسيرة الحريري الابن وتحديده المشكلة الكبرى للبنان راهناً وهي النفوذ الإيراني وما يمثله عبر سلاح “حزب الله” بما يتلاقى أو يترجم كذلك جوهر المبرّرات المعلنة لتعليق الحريري عمله السياسي. ولكن هناك محاولة لمعرفة صدى ما أعلنه إيجاباً أو سلباً في الداخل والخارج ولا سيما لدى جمهور المستقبل كما ردود الفعل العربية غير المعلنة التي قد لا تظهر بسرعة في ظلّ انشغالات العالم بالحرب في أوكرانيا.

قبيل اغتيال الرئيس رفيق الحريري ببضعة أيام، وكان قد شارك في لقاء البريستول لمعارضة الوجود السوري، ما أدى الى جنون المسؤولين السوريين آنذاك، أقر الحريري الأب بأنه قد وصله رد الفعل ذاك لأنه قاد المعارضة التي كان جوهرها آنذاك لقاء قرنة شهوان الى مستوى أعلى ومتقدّم جداً حين جلس الى الطاولة مع اللقاء في البريستول.

لا تستوي راهناً معارضة النفوذ الإيراني ولا سلاح الحزب من دون ثقل سني يتلاقى مع الاتجاهات الأخرى ولو من دون القدرة على التوافق على مقاربة واحدة أو استراتيجية محددة أو جبهة موحدة. مسيرة رفيق الحريري بهذا المعنى لا تنتهي.