“رئاسة” سليمان فرنجية بين “حزب الله” وأسد سوريا؟

سركيس نعوم – النهار

لا يستطيع المُتابعون الجديّون للأطراف السياسيّين في #لبنان الجزم بوصول رئيس “#تنظيم المردة” النائب السابق #سليمان فرنجية إلى رئاسة الجمهوريّة بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون أو بعدم وصوله إليها. السبب أنّ حظوظه في الحصول عليها ليست مُنعدمة لكنّها مُتغيّرة في استمرار إذ تضعف حيناً وتقوى حيناً، علماً بأنّ هناك سبباً آخر لذلك هو أنّ تمثيله المسيحي ثابت لكنّه محصور في بقعة جغرافيّة مُعيّنة لأسباب متنوّعة قد يكون هو مسؤولاً عن بعضها والتيّارات والأحزاب السياسيّة المسيحيّة مسؤولة عن بعضها الآخر. فضلاً عن أنّ قوة تنظيمه وسِعة تمثيله الشعبي المسيحي ليستا بسعة وقوّة تمثيل الفريقين الأقوى اليوم على الساحة المسيحيّة أي “حزب القوات اللبنانيّة” و”التيّار الوطني الحر”. طبعاً ليس العامل المسيحي السبب الوحيد لتأرجح الحظوظ الرئاسيّة لفرنجية بين الضعف والقوّة. فالسُنّة، أو بالأحرى الطرف الأقوى داخل هذه الطائفة أو “الشعب” أي “تيّار المستقبل” كان معه بقوّة قبل اتفاقه و”القوّات اللبنانيّة” و”التيّار الوطني الحر” على إيصال العماد عون إلى سدّة الرئاسة. الدروز كانوا معه أيضاً في تلك المرحلة، ومعهم “حركة أمل” ورئيسها نبيه برّي. كما كانت معه جهات إقليميّة ودوليّة مثل المملكة العربيّة السعوديّة وفرنسا والفاتيكان وعلى نحوٍ غير مباشر أميركا. طبعاً كان يُفترض أن يكون مع فرنجية “حزب الله” أيضاً بوصفه حليفاً مزمناً له ولسوريا الأسدَيْن التي رعته منذ “الكارثة” التي أصابت عائلته عام 1978 وحمته ووفّرت له ظروف الاستمرار في العمل السياسي ومن موقع قوّة. لكنّ ذلك لم يحصل لسببين مهمّين. الأوّل حاجة “الحزب” إلى حليفٍ يتمتّع بتأييدٍ مسيحي كان الأوسع في حينه، إذ كان يخوض صراعاً مُحتدماً ومتنوّعاً مع الجهات المُعادية له داخليّاً وفيها غالبيّة السُنّة والدروز وقسمٌ مهمٌّ من المسيحيّين. أمّا الثاني فكان شعور “الحزب”، رغم استمرار ثقته بفرنجية وتأكّده من رفضه الانقلاب عليه في أيّ ظرفٍ ومهما تكن المغريات، وأهمّها بالنسبة إليه كان عدم معرفته الكثير عن حملة ترشيح حليفه فرنجية، وخشيته أن تكون هناك لعبة ما في غير مصلحته يُنفذّها أعداؤه من دون اشتراك الحليف فرنجية فيها أو علمه بها. طبعاً قدّر “الحزب” لفرنجية في حينه ثباته على تأييده له وامتناعه عن تنفيذ خطوات داخل مجلس النوّاب وخارجه كان من شأنها إلحاق الأذى به. لكنّ الأولويّات عنده كانت لمصلحته الاستراتيجيّة التي يؤمّنها وصول عون إلى قصر بعبدا.




السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل تساءل “الحزب” بعد إيصاله عون إلى قصر بعبدا عمّا إن كان فرنجية سيكون أفضل له في مكانه؟ طبعاً لا يُجيب كبار هذا “الحزب” عن هذا السؤال لكنّ ثبات فرنجية على مواقفه منه ومن سوريا الأسد وإحراج من أوصله إلى الرئاسة أي عون ووليّ عهده له في أكثر من مرحلة، كان يُمكن أن يكوِّن شعوراً بالندم عنده. إلّا أنّ القوّة التي يتمتّع بها داخل شعبه الشيعي وفي بعض أوساط الشعوب الأخرى وحاجة عون و”تيّاره” المُستمرّة إلى دعمه بل إلى حمايته أبعدت “الحزب” من شعور الندم وقوّت في الوقت نفسه حذره وتركته مُنفتحاً على خيارات مسيحيّة عدّة ولا سيّما في موضوع الرئاسة، وسليمان فرنجية أحدها.

هل “حزب الله” هو الناخب اللبناني الأقوى أو الأوّل أو الوحيد لرئيس جمهوريّة لبنان؟ وهل راعيته بل مؤسِّسته إيران الإسلاميّة هي الناخب الإقليمي الوحيد للرئيس اللبناني في هذه المرحلة؟ وهل يتجاهل الاثنان دوراً رئاسيّاً ما لسوريا بشّار الأسد في أهمّ استحقاق سياسي داخلي في لبنان هو انتخاب رئيس له؟ علماً بأنّهما يعرفان أنّ نموّ دور كلٍّ منهما في لبنان وعلى النحو القويّ الذي يراه أبناؤه وشعوبه ودول المنطقة والعالم يسَّرته سوريا المذكورة يوم كانت صاحبة الوجود العسكري الكبير والوحيد فيه، وصاحبة الدور السياسي الأوّل في مشكلاته وقضاياه واستحقاقاته الرئاسيّة والحكوميّة والنيابيّة، كما يوم لم تجد سوى في الشيعة المؤيّدين لها أوّلاً ولإيران ثانياً من يُمكن أن يحمي دورها في لبنان سواء بقيت فيه عسكريّاً وسياسيّاً أو اضطرّت إلى الخروج منه عسكريّاً وسياسيّاً لأسباب دوليّة خارجة عن إرادتها. طبعاً لا أجوبة نهائيّة عن هذه الأسئلة. لكنّ مُسارعة إيران الإسلاميّة و”حزب الله” إلى الانخراط في مواجهة الثورة السوريّة على الأسد عام 2011 ولا سيّما بعد تحوّلها عسكريّة لأسباب متنوّعة ليس الآن مجال ذكرها والتوسُّع فيها ثمّ حرباً “تكفيريّة” ونجاحهما وحدهما في منع انهياره بضع سنوات، ثمّ مع روسيا بوتين التي حوّلتها قاعدة عسكريّة مُهمّة نجحت في المحافظة على النظام برغم الكلفة الباهظة بشريّاً وتدميريّاً.

الأجوبة عن الأسئلة المطروحة أعلاه وأخرى كثيرة غيرها ليست سلبيّة إذ إنّها تُثبت التعاون بين إيران واستطراداً “الحزب” من جهة، وسوريا الأسد من جهة أخرى. وفي موضوع رئاسة سليمان فرنجية فإنّها لا تُخفي تعاطفها معه ومع طموحه وعلاقة رئيسها بشّار به متينة وعميقة بدليل اللقاءات شبه الدوريّة بينهما على غداء عمل كما بزيارات عددٍ من القريبين من الأسد لبنشعي مقرّ إقامة فرنجية وتداولهم معه في موضوعات عدّة يبدو أنّ أهمّها في هذه المرحلة الاستحقاق الرئاسيّ في لبنان.

لكنّ السؤال الذي يُطرح على هذا الصعيد هو: هل وعد الرئيس الأسد فرنجية بالرئاسة وبإقناع حلفائه في لبنان بدعمه؟ أم سيُكرِّر ما فعله قبل قرار “حزب الله” المُشترك مع الأسد ترئيس عون للبنان، ويوم كانت حظوظ فرنجية الرئاسيّة محليّاً ودوليّاً وإقليميّاً كبيرة، وكان في حينه دعوة فرنجية إلى البحث في هذا الموضوع مع “السيد حسن” نصرالله الأمين العام لـ”حزب الله”؟ الأجوبة عن هذه الأسئلة أو بعضها قد يتضمّنها “الموقف هذا النهار” غداً ومعها مستقبل التعاون التحالفي بين سوريا الأسد وبين “حزب الله” في لبنان بكلّ استحقاقاته. كما سيتضمّن بحثاً جديّاً في احتمال أن ترسو الرئاسة الأولى على قائد الجيش العماد جوزف عون.