خريطة الغضب الدولي ضد روسيا.. قائمة الدول وحجم العقوبات وتأثيرها المحتمل على أزمة أوكرانيا

فرضت الدول الغربية عقوبات اقتصادية على أفراد وبنوك وشركات في روسيا، بعد الاعتراف بجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الانفصاليتين في أوكرانيا، فما تفاصيل تلك العقوبات، وهل يكون لها أي تأثير على قرارات بوتين؟

كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد وقَّع مساء الإثنين، 21 فبراير/شباط، مرسوماً يعترف باستقلال المنطقتين الانفصاليتين في شرق أوكرانيا، وفي نفس اللحظة مباشرة وقّع اتفاقيات تعاون وصداقة، بينما جلس مقابله زعيما المنطقتين المدعومتين من روسيا، جمهورية دونيتسك الشعبية، وجمهورية لوغانسك الشعبية.




وتلا ذلك إعلان روسي بأن موسكو لا يمكن أن تسمح بوقوع “حمامات دم” في شرق أوكرانيا، وبالتالي فإن الحل الوحيد هو إرسال قوات روسية إلى إقليم دونباس بغرض “حفظ السلام”، فيما يمثل تكراراً لنفس السيناريو الذي طبقه الرئيس الروسي في شبه جزيرة القرم الأوكرانية عام 2014.

الخطوات الروسية التصعيدية في أوكرانيا أثارت، كما كان متوقعاً، تنديد العواصم الغربية على الفور، وتوعّدت تلك العواصم جميعاً بفرض عقوبات على روسيا، وهو ما تم الإعلان عنه بالفعل تدريجياً، رغم أن ما صدر عن البعض كان أكثر حدة من البعض الآخر، وعلى أية حال إليكم تفاصيل تلك العقوبات.

ما الدول التي فرضت عقوبات على روسيا؟

الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والاتحاد الأوروبي وكندا واليابان وأستراليا أعلنت بالفعل فرض عقوبات على روسيا، على خلفية الاعتراف بدونيتسك ولوغانسك، ولكن تفاوتت تلك العقوبات بين دولة وأخرى، وإن كان هناك اتفاق عام على أن العقوبات مجرد “حزمة أولى”، ستتبعها حزمات أخرى إذا ما اتخذت موسكو خطوات عدوانية أخرى تجاه أوكرانيا.

ونبدأ خريطة تلك العقوبات من واشنطن، حيث أصدر الرئيس جو بايدن أمراً تنفيذياً يحظر التجارة والاستثمار بين الأمريكيين والمنطقتين الانفصاليتين في دونباس، واستيراد أي سلع أو خدمات أو تكنولوجيا من هناك، وكان ذلك مساء الإثنين، كردّ فعل مباشر على قرارات بوتين.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي في بيان، إن هناك تدابير (تقصد عقوبات) يتم إعدادها رداً على مرسوم بوتين الاعتراف بدونيتسك ولوغانسك، مضيفة أن تلك التدابير “منفصلة” عن العقوبات التي جهزتها الولايات المتحدة وحلفاؤها في حالة الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.

وبالفعل أعلن بايدن مساء الثلاثاء 22 فبراير/شباط، بعد فترة من الصمت المريب، حزمة عقوبات ضد روسيا. وقال ساكن البيت الأبيض إن العقوبات الأمريكية ستُطبق على بنك في.إي.بي وبنك الجيش الروسي، برومسفياز، الذي يبرم صفقات دفاعية. واعتباراً من يوم الثلاثاء يبدأ تطبيق عقوبات على أفراد من النخبة الروسية وأسرهم.

كما أعلنت الإدارة الأمريكية أنها قيدت التعاملات في السوق الثانوية على السندات السيادية الروسية، التي تصدر بعد الأول من مارس/آذار.

وفي كندا، قال رئيس الوزراء جاستن ترودو، في تصريح صحفي، الأربعاء 23 فبراير/شباط، إن بلاده ستفرض عقوبات اقتصادية على روسيا، وأضاف أن المرحلة الأولى من العقوبات الاقتصادية ستكون بمنع الكنديين من التعامل المالي مع منطقتي دونيتسك ولوغانسك، اللتين اعترفت موسكو باستقلالهما.

كما أن العقوبات ستستهدف أيضاً أعضاء البرلمان الروسي، الذين صوّتوا للاعتراف باستقلال المناطق الانفصالية، بالإضافة إلى منع الكنديين من شراء السندات الحكومية الروسية.

ومن أمريكا الشمالية إلى آسيا، حيث أعلنت اليابان اتخاذ الخطوة نفسها، وفرضت عقوبات على الأفراد أنفسهم والبنوك والهيئات الروسية، في استنساخ تام للعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وكندا، ينم عن تنسيق المواقف بين الحلفاء الثلاثة. وعلى نفس المنوال جاءت العقوبات الأسترالية على روسيا.

العقوبات الأوروبية على روسيا

أوروبا، حيث تقع الأزمة الأوكرانية، لم تتأخر بطبيعة الحال، وفرضت أيضاً عقوبات على روسيا، بدأتها ألمانيا الثلاثاء بإعلان المستشار أولاف شولتس تعليق خط أنابيب نورد ستريم2، لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر ألمانيا، وهذا الإعلان يعتبر أقوى عقوبة تُفرض حتى الآن على موسكو.

فخط أنابيب الغاز نورد ستريم2، تم الإعلان عنه لأول مرة عام 2015، واكتمل تشييده في ديسمبر/كانون الأول الماضي، ويمتد بطول 1200 كلم بين روسيا وألمانيا، وبلغت تكلفته 11 مليار يورو، وينتظر التصريح بضخ الغاز الروسي إلى أوروبا عبر ألمانيا. ومنذ اللحظة الأولى للإعلان عنه عارضته الولايات المتحدة وبريطانيا وأوكرانيا بصورة شرسة.

لكن ألمانيا، ومنذ عهد المستشارة أنجيلا ميركل وحتى اليوم كان موقفها صارماً في رفض الضغوط الأمريكية الهادفة إلى قتل مشروع نورد ستريم2، ورفض فكرة أن الغاز قد يصبح سلاحاً استراتيجياً في يد بوتين. والأسبوع الماضي عندما زار المستشار أولاف شولتز واشنطن، وأعلن بايدن أن نورد ستريم2 سيتم وقفه إذا غزت روسيا أوكرانيا، لم يؤكد شولتس ما أعلنه مضيفه الأمريكي.

وكان من المنتظر لخط الأنابيب الذي ينتظر موافقة ألمانيا أن يخفف الضغوط على المستهلكين الأوروبيين الذين يواجهون ارتفاعات قياسية في أسعار الطاقة، وحذر وزير الاقتصاد الألماني من أن أسعار الغاز في أوروبا سترتفع على الأرجح في المدى القصير.

لكن وزير خارجية أوكرانيا دميترو كوليبا أشاد بالإجراء الألماني، وقال “هذه خطوة صائبة أخلاقياً وسياسياً وعملياً في ظل الظروف الراهنة”. وأضاف “القيادة الحقيقية تعني اتخاذ قرارات صعبة في الأوقات الصعبة، خطوة ألمانيا تثبت ذلك تماماً”.

ومن جانبه قال الكرملين إنه يأمل أن يكون التأجيل مؤقتاً، وقال بوتين إن روسيا تهدف إلى مواصلة إمدادات الطاقة إلى العالم دون انقطاع.

الاتحاد الأوروبي أيضاً وافق على عقوبات جديدة تُفرض على المزيد من الساسة وأعضاء البرلمان والمسؤولين في القائمة السوداء، وتحظر تعامل مستثمري الاتحاد الأوروبي مع سندات الدولة الروسية، وتستهدف واردات وصادرات الكيانات الانفصالية.

وشملت عقوبات الاتحاد الأوروبي أيضاً حظر تداول السندات الحكومية الروسية من أجل زيادة صعوبة إعادة التمويل على الدولة الروسية، بالإضافة إلى إدراج عدة مئات من الأشخاص والشركات في قائمة عقوبات الاتحاد الأوروبي.

العقوبات البريطانية لها طبيعة خاصة

ربما تكون بريطانيا أكثر دولة أوروبية في وضع يسمح لها بفرض عقوبات “مؤلمة” حقاً على روسيا كدولة وكأفراد وهيئات، بسبب حجم الأموال الروسية الموجودة في المملكة المتحدة، لدرجة أن منطقة في لندن يطلق عليها “موسكو على نهر التايمز”، بحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

ومنذ تسعينات القرن الماضي قامت الشركات الروسية المدرجة في بورصة موسكو بالتسجيل في بورصة لندن، من خلال ما يُعرف بالتسجيل الفرعي، وهذه الشركات منها ما هو مدعوم من الحكومة الروسية مثل شركات روزنيفت وغازبروم وبنوك مملوكة للكرملين مثل سيبربنك وفي.تي.بي، أو شركات خاصة كشركات التعدين التي لا تملك فيها الحكومة أسهماً.

وإجمالاً يوجد حالياً 31 شركة روسية مدرجة في بورصة لندن تبلغ قيمتها السوقية 468 مليار جنيه إسترليني، وهذه الشركات لا تلعب فقط دوراً جوهرياً في الاقتصاد الروسي، بل تقدم تمويلاً مباشراً للحكومة في صورة الضرائب التي تسددها، فقد دفعت تلك الشركات للكرملين 39 مليار جنيه إسترليني ضرائب عن عام 2020، بحسب تقرير الغارديان.

ويعتقد وجود ذهب روسي في لندن أكثر مما يوجد في أي مدينة أخرى على الأرض، وهذا الذهب لا يوجد فقط بين جدران القصور الروسية المنتشرة في منطقة تشيلسي بالعاصمة البريطانية، والتي يطلق عليها “موسكو على نهر التايمز”، لكن أيضاً توجد كميات ضخمة من الذهب الروسي في بورصة لندن.

والثلاثاء أعلن رئيس مجلس الوزراء بوريس جونسون أمام البرلمان عن فرض الحكومة البريطانية عقوبات على 5 بنوك روسية، وثلاثة رجال أعمال روس، منهم جينادي تيمتشنكو، وهو صديق مقرب للرئيس الروسي، مضيفاً أن تلك هي “الحزمة الأولى” من العقوبات، وستليها عقوبات أشد إذا أقدمت روسيا على “غزو شامل” لأوكرانيا.

والأربعاء، قالت وزيرة الخارجية ليز تراس، إن بريطانيا ستمنع روسيا من بيع ديون سيادية في لندن، تماشياً مع الإجراءات التي اتخذتها الدول الغربية، وقالت تراس لشبكة سكاي “لقد كنا واضحين للغاية في أننا سنحد من وصول روسيا إلى الأسواق البريطانية… سنمنع الحكومة الروسية من جمع ديون سيادية في المملكة المتحدة”.

وأضافت أنه ستكون هناك “عقوبات أكثر صرامة على رجال الأعمال المقربين من السلطة، وعلى مؤسسات رئيسية في روسيا، ما يحد من وصول روسيا إلى أسواق المال إذا ما حدث غزو واسع لأوكرانيا”، بحسب رويترز.

ما مدى تأثير تلك العقوبات على روسيا؟

حتى الآن أحجمت الدول الغربية عن فرض عقوبات شديدة على روسيا، في محاولة لتجنب هجوم روسي أكبر في أوكرانيا. وقال مسؤول أمريكي كبير في رويترز إن بنكي سبيربنك وفي.تي.بي سيواجهان عقوبات إذا مضت روسيا قدماً في غزو أوكرانيا. وأضاف “نحن مستعدون تماماً مع عدد كبير جداً من الدول في جميع أنحاء العالم لفرض إجراءات لتقييد الصادرات”.

فالبنوك التي استهدفها الاتحاد الأوروبي وبريطانيا بالعقوبات بشكل أساسي هي بنوك صغيرة، واستهدفت العقوبات فقط قدرة تلك البنوك على العمل دولياً، ومن المرجح أن يكون تأثير ذلك ضئيلاً.

ونظراً لأن روسيا تملك رابع أكبر احتياطي من العملات الأجنبية في العالم يزيد عن 630 مليار دولار، ومع اقتراب خام برنت من 97 دولاراً للبرميل، فمن غير المرجح أن تحتاج موسكو إلى بيع كميات كبيرة من الديون المقومة بالعملات الأجنبية في المستقبل القريب.

واتخذت الدول الغربية قراراً يبدو أنه منسق بوقف اللقاءات التي كانت مقررة مع الجانب الروسي، فقد أعلن وزير الخارجية الفرنسي لودريان عن إلغاء اجتماع كان مقرراً مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، اليوم الأربعاء، كما أعلن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن عن إلغاء اجتماعه مع لافروف، الذي كان مقرراً الخميس 24 فبراير/شباط.

وأعلن البيت الأبيض أيضاً أن لقاء بين بايدن وبوتين، بوساطة فرنسية “ليس ضمن الخطط بالتأكيد” في الوقت الحالي، بينما قال المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف، لوكالات أنباء روسية، إن بوتين لم يتابع خطاب نظيره الأمريكي بايدن، وإن روسيا ستنظر فيما أعلنته الولايات المتحدة قبل أن ترد.

وقال بوتين إنه منفتح دوماً على البحث عن حلول دبلوماسية، لكن “مصالح روسيا وأمن مواطنينا لا يخضعان لشروط بالنسبة لنا”. وتطالب موسكو بضمانات أمنية، منها وعد بعدم انضمام أوكرانيا إلى حلف الأطلسي أبداً، بينما تعرض الولايات المتحدة وحلفاؤها على بوتين خطوات لبناء الثقة والحد من التسلح لنزع فتيل الأزمة.

الخلاصة هنا هي أن ما تم الإعلان عن فرضه من عقوبات على روسيا من جانب الغرب لا يتوقع أن يكون له أي تأثير على قرارات بوتين المتخذة حتى الآن، ومع توقف اللقاءات الدبلوماسية على الأرجح تتجه الأزمة لمزيد من التصعيد.