“حين انهار كل شيء”.. الأزمة اللبنانية تحول طلاب لبنان إلى عمال

أسرار شبارو – الحرة

“لطالما حلمت بالحصول على شهادة جامعية تكون سلاحي في هذه الحياة، درست واجتهدت، وعندما بدأت أولى خطواتي الجدية بدخول الجامعة كطالب في قسم هندسة الاتصالات انهار كل شيء، حيث حالت الأزمة الاقتصادية من دون تمكن والدي من دفع الأقساط المترتبة عليّ، لأجد نفسي موظفاً في أحد المطاعم”.. هي قصة حسام ابن البقاع اللبناني التي تتشابه مع آلاف القصص لشبان وشابات منعتهم الظروف من اكمال دراستهم.




بحسب تقييم صادر عن مكتب اليونيسف في لبنان الشهر الماضي، دفعت الأزمة في البلاد 4 من كل 10 شباب وشابات إلى تخفيض الإنفاق على التعليم في سبيل شراء المستلزمات الأساسية من غذاء ودواء ومواد أساسية أخرى، وانقطع 3 من كل 10 عن التعليم كليا.

التقييم الذي صدر تحت عنوان “البحث عن الأمل” يشير إلى أن 31  بالمئة من الشباب والشابات خارج دائرة العمل أو التعليم أو التدريب (NEET)، وأن نسبة الالتحاق بالمؤسسات التعليمية انخفضت من 60 بالمئة في 2020-2021 إلى 43 بالمئة في السنة الدراسية الحالية.

لم تستثن الأزمة الاقتصادية التي عصفت بلبنان منذ صيف 2019 قطاع  التعليم الذي ناله نصيب كبير من انعكاساتها السلبية، فمع ازدياد نسبة الفقر لم يعد بمقدور عدد كبير من الأهالي تسجيل أولادهم سواء في الجامعات أو في المدارس، حتى الرسمية منها، فحتى كلفة نقل أبنائهم تحتاج إلى ميزانية ليس باستطاعتهم تأمينها، لاسيما مع ارتفاع أسعار المحروقات التي وصلت إلى حدود خيالية، عدا عن المستلزمات الدراسية من قرطاسية وغيرها، والحاجات اللوجستية (كهرباء وانترنت).

ظروف قاهرة

مع ارتفاع سعر صرف الدولار عجز والد حسام العسكري المتقاعد في الجيش اللبناني عن دفع أقساط الجامعة الخاصة لابنه، لاسيما وأن لديه ثلاثة أبناء آخرين، فلم يجد أمامه سوى اطلاعه على القرار المصيري المتمثل بحرمانه من التسجيل في السنة الجامعية الثانية.

حسام قال لموقع “الحرة” “شعرت أن الزمن توقف في ذلك اليوم، وأن المستقبل أمامي بات قاتما، وبأني أضعف من أن أحقق أحلامي، فالأمر لا يقتصر على قسط الجامعة بل على التنقلات والكتب والحاجيات الأخرى فمن أين لنا كل ذلك”.

كذلك حال تلاميذ المدارس الذين يعانون أيضاً، ويجبرون على التوقف عن تلقي تعليمهم. هناء بارودي واحدة من الأمهات التي لا تملك المال لدفع تنقلات أولادها الأربعة من وإلى المدرسة، الأمر الذي اضطرها إلى إبقائهم في المنزل.

وقالت لموقع “الحرة” “هم مسجلون في مدرسة رسمية، أي أني لم أدفع أي قسط، لكن المشكلة أن بدل تعرفة النقل ارتفعت من 80 ألف ليرة إلى 400 ألف ليرة عن كل ولد، وعندما فتحت المدرسة أبوابها بداية السنة استدنت مبلغاُ مالياً لذلك، وإذ اتفاجأ بتوقيف التعليم بعد أيام ورفض السائق اعادة ما أخذه من مال لايصالهم”.

تخشى هناء من أن يتكرر الأمر معها، بمعنى أن تستدين وتعاود المدرسة اغلاق أبوابها، مشيرة إلى أن راتب زوجها مليونين و200 ألف ليرة، لا يكفي لدفع ايجار المنزل ومتطلبات العائلة “أوقفت اشتراك مولد الكهرباء والإنترنت، نعيش في وضع صعب جدا، قلبي يعتصر ألما على أولادي، وفي ذات الوقت ليس في يدي حيلة لفعل شيء لهم”.

في تشرين الثاني الماضي سلط استطلاع لليونيسف الضوء على وضع الأطفال الذي يزداد سوءا، في ظل تدهور فظيع، طال مختلف ظروف العيش، اذ ظهر أن نحو 12 بالمئة من الأسر، أرسلت أطفالها إلى العمل في أيلول الماضي، مقارنة بنحو 9 بالمئة في نيسان.

إذا كانت هناء تعجز عن دفع تنقلات أبنائها إلى المدرسة، فهناك من أجبرتهم الظروف الاقتصادية إلى عدم تسجيل أبنائهم ودفعهم إلى سوق العمل، منهم اياد الوالد لثلاثة أبناء، الذي صرف من عمله سنة 2020 فلم يجد أمامه سوى الطلب من ابنه محمد أن يتوقف عن متابعة تعليمه بعدما وصل إلى صف البكالوريا القسم الأول، والبحث عن عمل لمساعدته في تأمين مصروف البيت.

من مقاعد الدراسة إلى دليفيري لتوصيل الطلبيات في أحد الأفران، انقلب حياة  ابن السادسة عشر ربيعاً، وقال “نحن في بلد يدمّر طموحات شبابه، آخر ما كنت أتوقعه أن ينتزع مني حقي في التعليم من أجل أن لا نمد يدنا للغير لتأمين الطعام، لدي شقيقان لا يزالان على مقاعد الدراسة، أخشى عليهما من أن يواجهان المصير نفسه، فمن أجل راتب لا يصل إلى مليون ونصف المليون ليرة أدفع ثمن أزمة لا علاقة لي بها”.

منسق الشؤون التربوية في إتحاد لجان الأهل نعمة نعمة أشار إلى  تقرير لمنظمة Save the children جاء فيه أن” أكثر من 737 ألف تلميذ من أصل مليونين من اللبنانيين والأطفال اللاجئين، لم يلتحقوا بالمدرسة عن عام 2020 – 2021 ، أي ما يعادل ثلث عدد الأطفال في سنّ الدراسة”.

وشرح في حديث لموقع “الحرة” “قبل سنة 2019 شهد لبنان تسرباً مدرسياً لا علاقة له بالظروف الاقتصادية، فبحسب احصاءات المركز التربوي يدخل إلى المدرسة في الصف الأول حوالي الـ 90 ألف تلميذ، يتخرج منهم في الصف الرابع متوسط 48 ألف تلميذ، بمعنى أقل من نصف العدد، في حين يجتاز 42 ألف تلميذ البكالوريا، وهذا مؤشر لمدى الثغرة في اكمال مراحل الدراسة، مع العلم أن القانون اللبناني ينص على الزامية التعليم للمرحلة الابتدائية التي تنتهي بالمبدأ في صف الرابع متوسط”.

وأضاف “بسبب الأزمة الاقتصادية لم يلتحق عدد من التلاميذ بالمدرسة، وبحسب تقديرات البنك الدولي، ما يقارب من 40 ألف عائلة لم تسجل أبناءها، واذا كان لدى كل عائلة ولدين يعني أن 80 ألف ولد بقوا خارج مقاعد الدراسة”.

على شفا الانهيار

المدير العام لوزارة التربية ورئيس مصلحة التعليم الخاص، عماد الأشقر، عزا الوضع الذي يشهده القطاع التربوي إلى “الأزمة الاقتصادية اضافة إلى جائحة كورونا التي فرضت الاغلاق التام، ما انعكس سلبا على المؤسسات التربوية، كما أن الاضرابات التي طالت المدارس الرسمية هذه السنة كان لها اثرا سلبيا، أدت إلى تسرب من المدارس الرسمية إلى المدارس الخاصة، حيث ننتظر تقديم اللوائح الرسمية نهاية الشهر الحالي لنكون على بينة من الأرقام التي تشير إلى مدى التسرب المدرسي”.

أما رئيس رابطة التعليم الأساسي، حسين جواد، فكان له رأي آخر حيث قال “انخفض عدد الطلاب في المدارس الرسمية بنحو 20 بالمئة، وقد قدرت احصاءات وزارة التربية العدد بـ  40 ألف تلميذا، ربعهم توقف نهائيا عن التعليم وتسرب إلى العمل”.

كلام جواد أكده نعمه الذي أشار إلى أن “الاقساط في المدارس الخاصة ارتفعت بين 50 و200 بالمئة، عدا عن فرض بعض المدارس على الأهالي الدفع بالدولار، وإن كان ذلك مخالفا للقانون، والكارثة الأكبر أن ما لا يقل عن 6 آلاف إلى 8 الاف أستاذ هاجروا البلد، وهم من الكوادر الذين لديهم خبرات وتدريب عالي في البكالوريا الدولية والفرنسية وغيرهما”.

وأضاف “يشير تقرير ادارة الاحصاء المركزي، إلى أن 72 الف تلميذ نزحوا من المدارس الخاصة إلى المدارس الرسمية السنة الماضية، وهذه السنة عدد كبير لم يتسجلوا في أي منهما، والحديث عن نزوح معاكس هذا العام أي من الرسمي الى الخاص غير دقيق، الأمر يقتصر على بعض تلاميذ الشهادات الرسمية، فمن الأهل من يضغطون على أنفسهم لتعليم ابنائهم وإن اضطروا إلى الاستدانة”.

في تشرين الأول 2021 أشار تقرير لـ “هيومن رايتس ووتش” إلى إن “نظام التعليم في لبنان على شفا الانهيار مع تبعات وخيمة على الأطفال. معتبرة أن  تقاعس السلطات الفادح عن التخطيط تسبب في تفاقم تأثير الأزمة المالية وتفشي فيروس كورونا في البلاد، وزاد احتمال أن يفوت مئات آلاف الأطفال تعليمهم للعام الثالث على التوالي”.

وأضاف التقرير “يتعرض أولياء الأمور والطلاب أيضا لضغوط هائلة، إذ دفعت أزمات لبنان 80 بالمئة  من الأسر إلى الفقر، ما جعل التكاليف المتعلقة بالمدرسة، مثل النقل، فوق طاقة الكثيرين. قبل الأزمة، كان أكثر من 60% من الطلاب في لبنان يرتادون مدارس خاصة، لكن تقدر الأمم المتحدة انتقال 100 إلى 120 ألف طفل إلى المدراس الحكومية بين 2019 و2021، جراء عجز أسرهم عن تحمل تكاليف المدارس الخاصة، ما يزيد الضغط على قطاع يعاني أصلا من شح الموارد”.

صورة قاتمة

“يعزز التعليم التوظيف والدخل والصحة والحد من الفقر، وعلى الصعيد العالمي، هناك زيادة بنسبة 9 بالمئة في الأجر مقابل كل عام إضافي من التعليم المدرسي، وبالنسبة للمجتمعات المحلية، فإنه يدفع النمو الاقتصادي على المدى الطويل، ويحفز الابتكار ويدعم المؤسسات ويعزز التماسك الاجتماعي” بحسب ما ذكره تقرير للبنك الدولي.

أما التسرب المدرسي فله آثار سلبية على مستوى التطوير المجتمعي، بحسب ما قالته الأستاذة الجامعية والباحثة الاجتماعية البروفيسورة وديعة الأميوني، شارحة لموقع “الحرة”  “الشباب هم القوة الانتاجية للابداع والابتكار، هم من يواكبون تطورات العصر ويضيفون إليها، لكن للأسف شبابنا اليوم ضائع، وهو ما ينعكس سلباً على مستوى كل الوطن، كون الحركة الاقتصادية تتعثر والمستويات التعليمية تتدهور”.

ما يعيشه الشباب في هذه المرحلة يؤثر بحسب البروفيسورة الأميوني “على مستوياتهم النفسية والفكرية والاجتماعية، كثر منهم يلجأون للأسف لبدائل سيئة وغير سليمة كنوع من الاستسلام وردة فعل على الضغوطات، كالمخدرات، والسرقات والارهاب مقابل المال والعنف والقتل وهذا الأمر ينعكس على الأمن الاجتماعي كما التنمية المجتمعية”.

في كانون الثاني 2021 وافق مجلس المديرين التنفيذيين لمجموعة البنك الدولي على مشروع بقيمة 246 مليون دولار أميركي لتقديم تحويلات نقدية طارئة وتيسير الحصول على الخدمات الاجتماعية لحوالي 786,000 لبناني فقير يرزح تحت وطأة ضغوط الأزمة الاقتصادية وجائحة فيروس كورونا، وسيُقدِّم المشروع الطارئ لدعم شبكة الأمان الاجتماعي الذي يموله البنك الدولي تحويلات نقدية تكميلية إلى 87 ألف طفل في الصفوف الدراسية من السابع إلى الثاني عشر، المعرضين لخطر التسرب من المدارس الحكومية.

وكان البنك الدولي، خصص في كانون الأول الماضي، 37 مليون دولار كحوافز مالية لمعلمي المدارس الرسمية في لبنان الذين خسروا قسماً كبيراً من رواتبهم، وتمت الموافقة على هذه المنحة وفق البنك الدولي “على أساس استثنائي ولعام دراسي واحد فقط 2021-2022، وذلك من أجل ضمان قدرتهم على شراء الوقود للتنقل إلى مراكز عملهم”.

خلال افتتاح “اللقاء التشاوري الوطني لإنقاذ وتعافي قطاع التربية والتعليم العالي في لبنان” الذي نظمته وزارة التربية في السابع من شباط في السرايا الحكومي، أكد رئيس الوزراء نجيب ميقاتي “أننا لا نحمل عصا سحرية لمعالجة المشاكل التربوية دفعة واحدة، لكننا بالتأكيد نملك الإرادة والعزم والتصميم على المحاولة، ونتطلع إلى تفهم الجسم التعليمي من أساتذة واداريين لوضع الحكومة والامكانات المحدودة والى صبرهم وصبر أهالي الطلاب”.

وخلال المحطة الثالثة لـ”اللقاء التشاوري الوطني لإنقاذ وتعافي قطاع التربية والتعليم العالي في لبنان” الذي عقد في الأمس، أشار وزير التربية عباس الحلبي إلى ما تعانيه الجامعة اللبنانية من مشكلات كبرى، قائلاً “هي جامعة كل اللبنانيين التي تحتضن 86 ألف طالب وطالبة من كل الطوائف والمذاهب والأطياف”.

وأكد دعمه “للجامعة كي تنهض مجددا وتتحمل المسؤولية في احتضان الأكثرية الساحقة من الطلاب وتؤدي دورها التعليمي والبحثي على أكمل وجه، حيث تواجه الكثير من الصعوبات، من موازنتها إلى وضع اساتذتها وهيكليتها”.

يصف نعمه المشهد التربوي بالكارثي، “لا رؤية مستقبلية، الأمر يختصر بسياسات آنية غير عميقة وغير حقيقية” معتبراً أن “الحل يكمن بوضع خطة تعويض علاجية على مدى خمس سنوات، لاستدراك المعارف التي خسرها التلاميذ خلال الثلاث سنوات الماضية، فقبل الأزمة كانت فعالية التعليم في لبنان  متأخرة 3 سنوات عن المستوى الدولي في المدارس الخاصة، و4 سنوات في المدارس الرسمية، أضيف اليها 3 سنوات منذ سنة 2019، أي عملياً نتحدث عن ست سنوات تأخير عن المستوى الدولي”.

أما الأشقر فوصف المشهد التربوي “بالموت البطيء”، متوقعاً أن يسوء الوضع أكثر في السنة القادمة مع واقع زيادة الاقساط المدرسية في المدارس الخاصة، ومع ذلك كما قال “لدى الوزارة خططها، حيث تنسق مع الجهات المانحة للحد من التسرب، وعودة الطلاب الى النظام التعليمي”، لافتاً إلى تقرير للبنك الدولي تطرق خلاله إلى “زيادة فقر التعلُّم – أي نسبة الأطفال في سن العاشرة الذين لا يستطيعون قراءة نص بسيط – إلى نحو 70% في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل”.

في حين اعتبر جواد  أن التسرب المدرسي يشكل “خطورة كبيرة على مستقبل لبنان فبعد أن كان بلد النور والعلم سنصبح بلد الجهل وقلة المعرفة، لن يتمكن شبابنا من الحصول على فرص عمل متقدمة، لاسيما في المجال الرقمي الذي له علاقة بالتكنولوجيا لعدم متابعتهم تعليمهم، وسنصل إلى وقت نضطر فيه إلى استيراد بعض اليد العاملة التقنية او التكنولوجية”.

وأضاف “لن يكون أمام شباب لبنان سوى العمل بحِرف وأعمال حرة إذا تمكنوا من ذلك، ومع هذا لن تكفي هذه الأعمال لتأمين لقمة عيش كريمة لهم، كما أن نسب البطالة سترتفع، كذلك تداعياتها على المستوى الاجتماعي، فقلة المعرفة والحاجة تقودان إلى مختلف أنواع الجرائم”.

وفي وقت دعا فيه الأشقر إلى ضرورة تكاتف المؤسسات التربوية من أهل ومعلمين وادارات لانقاذ الطلاب، “كي لا نصل إلى جيل من دون شهادات، وبالتالي نخسر رأسمال الوطن الأول والأخير” رأى جواد أن “الحل يكمن في أن تضع وزارة التربية خطة لدعم المدارس الرسمية التي هي أم الفقير، بالتشاور مع مدراء المدارس وروابط المعلمين، من خلالها تستطيع استقطاب جميع الناس الذين لا يمكنهم التسجيل في المدارس الخاصة، كي لا نصل إلى مرحلة يقتصر فيه التعليم على الميسورين فقط”.

أما البروفيسورة الأميوني فقالت “الأوضاع في لبنان سلسلة حلقات متكاملة ومترابطة ببعضها البعض، أي خلل في أي متغير سيؤدي حتماً إلى خلل في البناء الاجتماعي ككل، الوضع اليوم خطير جداً، واذا ما لم تحصل اصلاحات أساسية، بنيوية وسريعة قد نصل إلى فلتان أمني وتدهور أخلاقي واقتصادي وعصيان مدني”.

وختمت “طالما أن الفئات الشابة المتعلمة تهاجر، ومن على مقاعد الدراسة تتسرب من التعليم، وبالتالي لا تتثقف للوصول الى وعي في التفكير وفي العلاقات، لن نؤسس  لبناء مجتمع ووطن أفضل في المستقبل”.