النقد الذاتي المطلوب في تونس – محمد كريشان – القدس العربي

كلام رصين وعاقل عن تونس لكن العقبة الكأداء تكمن في ما ورد في نهايته.

يقول نورالدين الطبوبي الأمين العام للمركزية النقابية الكبرى «الاتحاد العام التونسي للشغل» إنه لا بد من «طمأنة الشعب التونسي فكلنا اليوم نعيش تحت أوضاع مزرية وتحت ضغط نفسي بسبب الخوف على مستقبل بلادنا وأبنائنا» داعيا كل الأطراف إلى «أن تثوب إلى رشدها وتقدم المصلحة العليا للوطن».




ويرى الطبوبي في تصريح لموقع «الصباح نيوز» بعد إعادة انتخابه على رأس الاتحاد أن الوصول إلى ذلك يقتضي «ضرورة تنقية المناخ السياسي والجلوس إلى طاولة الحوار وعدم الانفراد بالقرارات المصيرية». لكن الأهم يبقى هو ما ختم به كلامه حين قال إن «تونس تتسع لكل أبنائها وبناتها لكن لابد قبل كل شيء أن تقوم هذه الأطراف بنقد ذاتي فتونس أكبر منا وتنادي للجميع».

نقد ذاتي من الجميع؟ ممتاز، هذا هو المطلوب، شرط أن يكون بكل شفافية وصراحة، حتى تكون الانطلاقة صلبة يمكن البناء عليها حقيقة، ولهذا لا بد أن نبدأ من اتحاد الشغل نفسه أولا، طالما هو من ينادي به.

النقد الذاتي من اتحاد الشغل يتطلب منه الحسم بشكل واضح ونهائي في هويته، بمعنى هل هو هيكل نقابي يدافع عن «العاملين بالفكر والساعد» أم هو حزب سياسي يتقلب باستمرار، وأحيانا بانتهازية بين الموالاة والمعارضة؟ للاتحاد خصوصية ودور نحتهما عبر التاريخ، هذا لا شك فيه، وكان طوال سنوات ملجأ المناضلين من كل المشارب زمن غياب الأحزاب لكن هذا يحتاج اليوم إلى مراجعة جريئة خاصة وقد تحول مع السنوات إلى جهاز بيروقراطي ضخم له مصالحه وارتباطاته السليم منها والمشبوه، ثم كيف للاتحاد وقد كان قريبا من كل الحكومات المتعاقبة بعد الثورة، بشكل أو بآخر، أن ينفض يديه اليوم من كل مسؤولية في العشرية الماضية؟! ثم ألا يتحمّل الاتحاد جزءا مما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية بعد أن شن طوال السنوات الماضية الإضراب تلو الآخر رغم وعيه بالوضع المالي الرث للبلاد؟

النقد الذاتي من الأحزاب فصل طويل ومعقد هو الآخر، لكن لا مفر من أن يبدأ من حركة «النهضة» التي تحمّلت مسؤولية الحكم في البداية ثم المشاركة فيه ثم الابتعاد عنه قبل العودة إليه دون أن تكون جاهزة لذلك، ودون أن تملك مشروعا واضحا للحكم، بل هي انصرفت لقضايا هامشية وبات حرصها الأكبر هو البقاء في دائرة صنع القرار بأي ثمن، حتى ولو تبنت نفس ممارسات الحزب الحاكم السابق الذي ثار ضده التونسيون، فكان أن خسرت شعبيتها وتهاوت مرجعيتها الأخلاقية التي رفعتها. وما زاد الطين بلة أن رئيسها راشد الغنوشي لم يدرك متى وكيف يغادر قيادة الحركة أوالساحة السياسية لفتح آفاق أرحب أمام الجميع.

أما النقد الذاتي المطلوب من الأحزاب القومية واليسارية فلا يقل قسوة بعد ما كشفت، في معظمها، ومعها ذلك الحزب الذي يدّعي تمثيل إرث الزعيم الحبيب بورقيبة، عن وجه إقصائي إستئصالي مخيف لم يعد يرى من هدف سوى القضاء على حركة النهضة بعد أن عجز عن منازلتها انتخابيا، حتى ولو احترقت البلاد بأكملها. أما ما تعرف بـ«الأحزاب الوسطية» أو «الاجتماعية» فلم تفلح في أن تفتك جمهورا مؤثرا فباتت شبه تائهة بين الجميع، لا سيما بعد تراجعها الانتخابي الكبير، رغم اعتدال خطابها ورصيد قيادييها.

هناك نقد ذاتي مطلوب كذلك من كثير من منظمات المجتمع المدني، وقد تكاثرت بشكل رهيب لكنها لم تنجح، في غالبيتها، في أن تنأى بنفسها عن الحسابات السياسية المقيتة والاصطفاف الأكثر مقتا. قطاع الإعلام بدوره مطالب بنقد ذاتي قاس للغاية وهو من ساهم في محطات كثيرة في تأجيج الشارع أو تمييعه أو تضليله، ارتباطا أحيانا بمراكز قوى، معروفة أو خفية، فضاعت المهنية تقريبا فضلا عن رغبة الجميع في توظيفه لخدمته. أما ما يوصف عادة بـ«النخبة» في البلاد من جامعيين ومفكرين وكتاب ومحامين وقضاة وأطباء، فلم يصدح منها مذكّرا بالمبادئ الكبرى إلا القليل بينما آثر الكثير الابتعاد، أو انتظار انقشاع غبار المعركة بسلبية قاتلة، فيما أصيبت أسماء بارزة بلوثة انتهازية عجيبة.

ونصل في النهاية إلى النقد الذاتي المطلوب من رئيس الدولة، وهو النقد الذي يُخشى أن يكون مستحيلا لأن معضلة الرجل، القادم دون خبرة سياسية ولا ماض نضالي ضد الاستبداد، أنه يتصرف كإمام معصوم، مكتفيا بتقريع الجميع دون رؤية واضحة ولا مقنعة. لقد كان قيس سعيّد جزءا أساسيا في تعقيد الحياة السياسية، ثم في تعفينها بعد انقلابه على الدستور واستئثاره بكل السلطات بلا حسيب ولا رقيب، ومع ذلك فتراجعه قد يساهم بلا شك في تنفيس الانسداد الحالي.

لا مخرج لتونس من مأزقها سوى بالحوار الذي لا يقصي أحدا، وليكن النقد الذاتي شعار الجميع والخطوة الأولى في هذا الاتجاه، فالكل أخطأ بدرجات مختلفة، ولكن من الذي سيتجرأ ويقدم على خطوة جبارة كهذه؟