من دياب إلى ميقاتي أين أصبحت خطط التعافي؟

سابين عويس – النهار

في أواخر نيسان ٢٠٢٠، وبعد نحو ٣ أشهر على تشكيلها، أقرّت حكومة #حسان دياب خطة الإنقاذ الاقتصادي تحت مسمّى التعافي الاقتصادي، بعدما قرّرت إعلان التخلف عن سداد الديون السيادية، والاستعداد للدخول في برنامج مع صندوق النقد الدولي. لكن تلك الخطة التي تعرضت لانتقادات واسعة نتيجة مقاربتها لمسألة إعادة هيكلة الدين وتحديد الفجوة المالية سقطت بعد ١٧ جولة تفاوضية تمهيدية مع الصندوق، واضعة لبنان على الطريق السريع نحو الانهيار.




لا تبدو حكومة #نجيب ميقاتي أحسن حالاً. فالانهيار حصل وجاءت الحكومة الميقاتية لتلملم فتات ما بقي، بعدما أُهدرت أموال اللبنانيين على دعم غير مجدٍ، وغابت كلياً المعالجات الطارئة والفورية التي كان يمكن الحكومة اللجوء إليها، مستفيدة من سرعة تشكيلها بعد أشهر عصيبة أمضاها سعد الحريري في مربّع التكليف، عاجزاً عن الانتقال بحكومة فاعلة الى السرايا.

دخلت حكومة ميقاتي حالة الشلل بعد نحو شهر على تأليفها، ففشلت في إطلاق مسار التعافي. وبقيت البلاد من نيسان ٢٠٢٠ حتى اليوم، أي لـ٢٢ شهراً تتخبّط في مسارات اقتصادية ومالية غير واضحة المعالم، ولكن واضحة الأهداف والخلفيات، لم تؤدّ إلا الى مزيد من الانهيار، واستنزاف مقدّرات اللبنانيين ومدّخراتهم وقدراتهم الشرائية.

لم يخرج ميقاتي عن خيار البرنامج مع الصندوق، وهو لهذه الغاية، عمد الى تشكيل وفد لإدارة التفاوض، ولكن ليس من حيث وصلت المفاوضات التمهيدية لحكومة دياب، بسبب اختلاف المقاربة التي سيعتمدها مع الصندوق في ما يتعلق بتحديد الخسائر وتوزيعها، بل من خلال مقاربة جديدة لا تزال موضع نقاش وتحفّظ من قبل الصندوق.

حرص الوفد على تذليل أول عقبة مع بعثة المؤسسة الدولية من خلال توحيد أرقام الخسائر المالية للمصرف المركزي والقطاع المصرفي بين مختلف الإدارات المعنية المنضوية ضمن الفريق اللبناني المفاوض. ولم يكن الأمر صعباً في ظلّ التناغم القائم بين رئيس الحكومة ووزير المال وحاكم المصرف المركزي حول السياسات والمقاربات الاقتصادية. والمفارقة أن الأرقام التي توصلت إليها حكومة ميقاتي وأعلنها رئيس الوفد المفاوض نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي، هي تقريباً ذاتها التي كانت قد حدّدتها حكومة دياب، رغم مرور أكثر من عام ونصف شهد القطاع المالي فيه تدهوراً دراماتيكياً، لم تزد فيه خسائر المركزي أو المصارف؟!

قد تكون الأرقام عينها، ولكن ما سُرِّب عن آليات توزيع الخسائر، فجّر قنبلة في أوساط المودعين بعدما بيّنت التسريبات أن خطة التعافي تقضي بتحميل المودعين ٥٥ في المئة من الخسائر. لم تعمد أيّ جهة رسمية الى نفي التسريبات، الى أن خرج ميقاتي نفسه بعد جلسة إقرار مشروع موازنة ٢٠٢٢ لينفي، من دون أن يقدّم كشفاً بما تعتزم الحكومة القيام به. اكتفى بالقول إن ما سُرِّب لا يمثل الحقيقة، بل اقتراح من اقتراحات طُرحت، من دون أن يتم التوافق عليها. فيما حمّلت أوساط قريبة منه مسألة التسريب لدوائر قصر بعبدا، غير المرتاحة أصلاً الى المناقشات الجارية مع الصندوق، وإلى دور حاكم المصرف المركزي الموجود ضمن عداد الفريق اللبناني، والمتهم أساساً من بعبدا بعمليات اختلاس واحتيال، تلاحقه القاضية غادة عون بموجبها.

تحرص هذه الأوساط على التأكيد أن ميقاتي يسعى الى ردّ الجزء الأكبر من الودائع بقيمتها الحقيقية ومن دون أي اقتطاع لكل وديعة تصل الى ٢٠٠ ألف دولار، من أجل عدم تحميل صغار المودعين أيّ عملية اقتطاع لودائعهم، وهي تشكل ما نسبته ٩٢ في المئة من مجموع الودائع. لكن هذا الأمر دونه عقبات، بحسب الأوساط، من قبل الصندوق الذي يقترح مقاربة ترمي الى تصفية الخسائر على غرار ما كان مقترحاً في حكومة دياب. وهذا الأمر لم يُبتّ بعد، خصوصاً أن الدولة لا تملك الأموال للقيام بذلك وإن كان في تقسيط على مدة زمنية لن تقل عن ١٥ سنة، علماً بأن الأوساط تؤكد قدرة الدولة على سداد هذه الودائع من خلال الأصول التي تملكها والتي يمكن اللجوء الى استثمارها بمجالات متعدّدة من دون اللجوء الى بيعها، بما يؤمّن الأموال المطلوبة على مدى السنوات الـ١٥ المقبلة.

حتى الآن، لم تفصح الحكومة عن خطتها، ولا تبدو في وارد القيام بذلك في المدى القريب. فالخطة لم تنته بعد، وإن كان بعض محاورها قد أنجز. فالخطّة موزعة على أربعة محاور كما يفصح أحد العاملين على إعدادها، أحدها يتصل بالتعامل مع الفجوة المالية القائمة كأولوية أساسية لوقف النزف الحاصل. أما المحاور الأخرى فترمي الى إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وضع برنامج للتعافي الاقتصادي وإرساء الإصلاحات القطاعية المطلوبة. لكن المصدر يكشف أن من المبكر الحديث عن إنجاز هذه الخطة خصوصاً أن الفريق اللبناني يفاوض فريق الصندوق حول الإجراءات التي ستقترحها للتوافق عليها قبل عرضها على مجلس الوزراء، لأن من غير المفيد أن تقرّ الحكومة برنامجاً لن يوافق عليه الصندوق في ما بعد. وهذه المرحلة تُعرف بالاتفاق الأولي على المستوى التقني.

ثمّة اختلافات عدّة في المقاربة الإصلاحية ما بين خطة ميقاتي وخطة دياب. فخطة دياب كانت قد اقترحت رزمة من الإجراءات التي تطال القطاع العام بهدف تقليص حجمه وكلفته، مثل تقليص عدد المتعاقدين بنسبة ٥ في المئة، وتجميد أيّ زيادات في الرواتب على مدى خمس سنوات، وإعادة النظر في التقديمات للأسلاك العسكرية، فضلاً عن توحيد أنظمة التقاعد.

ليس واضحاً حتى اليوم ما هي مقاربة الحكومة للإصلاحات المطلوبة في القطاع العام أو في قطاعات الخدمات مثل الكهرباء في الدرجة الأولى والاتصالات، وكانت خطة الكهرباء المطروحة على مجلس الوزراء الأسبوع الماضي مؤشراً واضحاً للخلافات والتباينات السائدة بين أركان الحكم على مقاربة هذا الملف، تماماً كما هي الحال بالنسبة الى قطاع الاتصالات، أو إعادة هيكلة القطاع المالي، في ظلّ الاقتطاعات المرتقبة، خصوصاً إذا صحّت التسريبات، ولم يكن نفي ميقاتي في محله.

لكن الثابت حتى الآن أن الخطة لن تكون جاهزة قريباً ولن تُرفع الى مجلس الوزراء قبل أن يبدأ المجلس النيابي درس وإقرار موازنة ٢٠٢٢، التي ستسهم في رسم خريطة طريق بالنسبة الى المسارات المطلوبة في معالجة مسألة العجز المالي، والإيرادات، خصوصاً أن المشروع المقترح يرفع الدولار الجمركي الى سعر منصّة صيرفة، وهذا الأمر سينسحب على فواتير الاتصالات والإنترنت، فضلاً عن ترقب رفع فواتير واشتراكات الكهرباء.

لكن السؤال: هل تجرؤ السلطة على طرح الإجراءات الصعبة في موسم انتخابي بامتياز؟