هذه ليست حرب اللبنانيين ولكنها حرب عليهم

فاروق يوسف – العرب

يجوع اللبنانيون فيما يهدد حزب الله بحرب لا تبقي ولا تذر. هل في إمكان الجائع أن يحارب أو حتى أن يفكر في أن يحارب؟




بيد حسن نصرالله وحده قرار الحرب. غير أن السلام ليس بيده وإن جاء فإنه سيجيء مسموما. فلبنان لا يعيش في حالة سلام في ظل سلاح حزب الله. وهو لن يُحارب إذا ما قرر الحزب أن يجعله يدفع ثمن تكلفة تلك الحرب. وهو ثمن قد لا يستطيع هذه المرة أن يدفعه.

لقد تغيّر لبنان وتغيّر محيطه.

إذا ما عدنا إلى آخر حروب حزب الله وهي الحرب التي وقعت عام 2006 فإن جزءا كبيرا من هزيمته غطى عليها موقف اللبنانيين الإيجابي يوم كان في إمكانهم أن يكونوا إيجابيين بما يعني القدرة على تحمل الأذى. اليوم فقد اللبنانيون كل طاقاتهم الكامنة وصاروا عراة أمام العالم. أما المحيط العربي فإنه بين يائس لا يملك أي أمل في لبنان أو ضائع يبحث عن بصيص ضوء يقوده إلى طريق ما. ذلك هو حال سوريا التي سبق لها وأن أوت عام 2006 كل مهجري الحرب. لقد اختفت المدن السورية التي آوت ضحايا تلك الحرب.

◙ اللبنانيون هذه المرة لن يحاربوا. سيتركون حزب الله يحارب وحده. وهم يعرفون أنه يكذب. فهو لن يحارب من غير أن يعرضهم للجنون الإسرائيلي

ثم مَن قال إن إسرائيل التي استعرضت طيرانها في سماء لبنان ردا على ما قيل إنها طائرة مسيرة حلقت في سماء أرض فلسطين المحتلة سيكون ردها مثلما حدث عام 2006؟

إسرائيل هي الأخرى تغيرت.

اليوم إسرائيل هي أخرى. لقد تغير وضعها الإقليمي بعد اتفاقات السلام مع جزء مهم من العالم العربي، كان في ما مضى يدعم لبنان ويعوضه خسائره ويمول هزائمه ويغض الطرف عن أخطائه، غير أنه اليوم لا يغفر له انخراطه في المشروع الإيراني بعد أن خضعت دولته لنفوذ حزب الله ولم يعد قادرا على تنفس هواء إلا ذلك الهواء الملّوث المسموم بالعداء للعروبة. لبنان الذي خسر العرب خسر نفسه أولا.

وإذا ما قلنا إن حزب الله يهرب إلى الحرب من مستحقات نفوذه التي أدت إلى خراب لبنان وتجويع شعبه، فإن ذلك الكلام جزء مهم من الحقيقة غير أنه ليس الحقيقة كلها. يطلق لبنان واحدة من الطلقات الأخيرة في حرب إيران ضد العالم في ما يتعلق بالاتفاق النووي. تلك هي حرب استعراضية يؤكد من خلالها الإيرانيون أن الاتفاق، أي اتفاق سيكون لصالحهم وأنه لن يؤثر قيد شعرة على سياستهم في المنطقة وهي سياسة قائمة على شن حروب بالوكالة عن طريق الميليشيات التابعة للحرس الثوري مثلما هو حال حزب الله في لبنان.

هناك صواريخ وطائرات مسيّرة أطلقها الحوثيون من الجنوب والميليشيات العراقية من الشمال على دولة الإمارات العربية المتحدة. تلك نذر حرب إيرانية أخرى. وهي حرب لن تنتهي إذا ما حصلت إيران على كل ما تريد من الاتفاق النووي الجديد الذي يرغب الرئيس الأميركي جو بايدن في أن يكون أشبه برسالة اعتذار من النظام الإيراني بالرغم من أن إسرائيل تسعى للحصول على ضمانات تخفف من شعورها بالانزعاج خشية أن يكون الاتفاق بداية لطلوع دولة نووية في المنطقة.

◙ إذا ما عدنا إلى آخر حروب حزب الله وهي الحرب التي وقعت عام 2006 فإن جزءا كبيرا من هزيمته غطى عليها موقف اللبنانيين الإيجابي

حرب حزب الله القادمة هي حرب إيرانية بامتياز. لا علاقة لها بأرض لبنانية محتلة أو أسرى لبنانيين أو مصالح لبنانية منتهكة. لقد اُخترع حزب الله ليحارب. فقط من أجل أن يحارب. أما حين طُلب منه أن يحتل لبنان لم تكن الوسائل العسكرية ممكنة فزحف سياسيا بحماية السلاح إلى أن تمكن من الاستيلاء كليّا على كل السلطات بحيث أنه حين عصى قاض هو طارق بيطار أوامره قلب الدنيا من أجل إقالته. ولكن ولايته السياسية على لبنان والتي أدت إلى الانهيار المالي المريع الذي فتح الباب على المجاعة الكبرى لم تنس الحزب مهمته الأولى التي هي سبب وجوده. لقد تم اختراعه من أجل أن يحارب.

ولكنّ اللبنانيين هذه المرة لن يحاربوا. سيتركون حزب الله يحارب وحده. وهم يعرفون أنه يكذب. فهو لن يحارب من غير أن يعرضهم للجنون الإسرائيلي. ما لم تتحقق حساباته من أن تلك الحرب ستلحق الأذى بالشعب اللبناني فإنه لن يحض عليها ولن يكون مبتهجا بها. ذلك ما يمكن أن يوضحه اللبنانيون للعالم. فتلك الحرب ليست حربهم وهي إن قامت فينبغي عليهم أن يعلنوا موقفهم منها للعالم كما يجب على إسرائيل أن تفصل بين الشعب اللبناني وحزب الله وأن تساعد اللبنانيين من خلال الحرب على التخلص من جزء من آلة الحزب الحربية.

ولكن هل هذا ما تفعله إسرائيل؟ أشك في ذلك.