ألبير منصور الى التقاعد بعد مسيرة حافلة ومتعرّجة… لمن “يمنح” المقعد الكاثوليكي في البقاع الشمالي؟

ابراهيم بيرم – النهار

إذا رجحت كفة المعلومات الرائجة عن أن النائب الحالي #ألبير منصور، أحد أبرز المرشحين للخروج من النيابة، فمعنى ذلك أن هذا الحامل شهادة عليا في الإدارة العامة والاقتصاد والذي وصل الى المجلس النيابي للمرة الأولى في انتخابات عام 1972 قد أوشك ان ينهي مسيرة سياسية طويلة اتسمت بالتعرّج وبالتعثّر، ممتدة منذ ذلك “الزمن الجميل” الى يومنا هذا.




الكاثوليكي ابن بلدة رأس بعلبك القصيّة الطرفية، والمشهور بالهدوء وسعة المعرفة السياسية وصاحب التجربة الاكاديمية وذو الخبرة في إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصحي، انطلق في رحلته السياسية مرشحاً في آخر انتخابات جرت قبل الحرب، مرشحاً على لائحة الرئيس السابق الراحل لمجلس النواب صبري بك حمادة، التي قُيّض لها في ذلك الزمن أن تكتسح أغلبية المقاعد النيابية المخصّصة للبقاع الشمالي (بعلبك ‒ الهرمل)، ومن أبرز رموزها الى حمادة الرئيس حسين الحسيني والدكتور حسن الرفاعي وطارق حبشي ومنصور.

ولكن ذاك الاكاديمي ما لبث أن اختطّ لنفسه خطاً ومسيرة متميزين إذ سرعان ما آثر الالتحاق بالركب اليساري والقومي والتقدّمي الذي كان موغلاً في الصعود في مطلع عقد السبعينيات. ومنها انتقل، مع إرهاصات الحرب الأهلية، الى فناء الزعيم الاشتراكي الراحل كمال جنبلاط الذي نجح حينها في استقطاب حزمة من المثقفين والمتنوّرين، فأصبح منصور من المداومين في محفله العامر ومن العاملين في الفريق الواسع الذي اختار الانزياح الى هذا الفضاء الفوّار.

وعلى هذا الجسر الوطيد عبر ألبير منصور الى منظومة المجلس السياسي والتنفيذي لـ”الحركة الوطنية” التي بدأت تبلور نفسها وتفرض وجودها إطاراً فضفاضاً يضمّ قوى وشخصيات يسارية الهوى تقدّمية الانتماء. وقد ولي مسؤوليات ومهمات عدة في تلك الحركة التي ولدت على يد جنبلاط الأب في أواسط عقد السبعينيات، وتم حلها على يد نجله ووريثه وليد بعيد الاجتياح الإسرائيلي الواسع للأراضي اللبنانية في صيف عام 1982. وقيل إنه كان واحداً من الفريق الذي صاغ ما عُرف لاحقاً بالبيان المرحلي للحركة الوطنية، فضلاً عن أداء دور الناطق بلسان تلك الحركة والمعبّر عن مواقفها.

بعد احتجاب تلك التجربة (الحركة الوطنية) دخل منصور في احتجاب نسبي عن الفعل والأنظار الى أن ظهر فجأة بعيد عام 1988 في القسم الشرقي من العاصمة. وقيل إنه عبر خطوط التماس يومها موفداً من بيروت الغربية لأداء مهمّة محدّدة وهي الجلوس الى جانب الجنرال ميشال عون ليكون لاحقاً واسطة العقد بين هذا الضابط الصاعد نجمه متحدّياً سطوة “القوات اللبنانية” وبين السوريين من جهة ورفاقه القدامى في مناخات “الحركة الوطنية” أو بقاياها.

ولكن بعد اتفاق الطائف عام 1989 الذي شارك في إنجازه بفاعلية، عاد منصور الى قواعده الأصل في المنطقة الغربية ليُولّى وزارة الدفاع في حكومة الرئيس سليم الحص الأولى بعد الطائف، وهي الحكومة التي غطّت الهجوم على قصر بعبدا، ثم عُيّن وزيراً للإعلام في أول حكومة تلت مغادرة عون القصر الرئاسي.

لكن الانتخابات الاولى التي جرت بعد الطائف عام 1992 كانت نقطة تحوّل في المسيرة السياسية لمنصور. فبعد سقوطه المدوّي في تلك الانتخابات مع غالبية رفاقه في لائحة الرئيس الحسيني، انتقل منصور الى معسكر مضادّ والى فضاء مغاير تماماً من باب الهجوم على الوصاية السورية. وتحدّث في كتابين أصدرهما في تلك الحقبة أخذا مداهما من الانتشار والالتفات، عن انقلاب دُبّر في ليل على الطائف جوّفه من مضمونه الأصل وأفقده روحه ولم يبق منه إلا الشكل الذي استُغلّ لغايات معروفة.

وبعدها وعلى مدى أكثر من عقد قرّر منصور التغريد منفرداً ومتحدّياً خارج السرب فدخل في صدامات ومواجهات اتسمت بالحدّة والشراسة مع السوريين والفريق الذي والاهم، ما حال دون عودته الى النيابة أو شغله أيّ منصب وزاري. وصار في ذلك الحين مقصداً لكل من يريد الحديث عن سوء تطبيق الطائف إما من خلال الاستشهاد بكتابيه وإما من خلال دفعه الى بوح الكلام.

وظلّ منصور يدرج في عداد الفريق المشاكس والمعارض لعهد الوصاية السورية مقدّماً نفسه على أساس أنه إحدى ضحاياها الى أن ورد اسمه فجاة وزير دولة في حكومة الرئيس عمر كرامي الثانية عام 2005. حينها برّر الرجل انعطافته تلك بالقول: إنني أفضّل الخسارة مع سوريا على الربح مع خصومها وأعدائها، مذكّراً بانتمائه التاريخي القومي والعروبي والتقدمي.

ظلّ الرجل على هذه القناعة مترجماً إيّاها بالظهور الإعلامي الى أن ظهر مرشّحاً عن المقعد الكاثوليكي في دائرة بعلبك ‒ الهرمل في الانتخابات الاخيرة (عام 2018) على لائحة “حزب الله” ولكن على أساس أنه مرشح الحزب السوري القومي الاجتماعي.

المعلوم أنه كان لهذا الحزب في 3 دورات متتالية مرشح حزبي معروف هو النائب السابق الدكتور مروان فارس، ولكن لأسباب متعدّدة قرّر فارس أن يتقاعد ويتفرّغ لمشروع كتابي. ورغم أن منصور لم يكن يوماً من معتنقي عقيدة أنطون سعادة تم اختياره على أساس اعتبارات أخرى منها أنه نقطة تقاطع بين سوريا و”حزب الله” وأنه ينتمي الى فضاء فكري ليس غريباً عن الحزب القومي الذي ارتضى أن يكون محسوباً عليه بعدما حالت تناقضات الحزب دون تسمية مرشح حزبي صرف.

وهكذا تطابقت رغبة المحور السياسي المسيطر على تلك الدائرة في أن يختم منصور مسيرته السياسية من حيث بدأها قبل أكثر من 55 عاماً، فتكون بذا عودته عودة الابن الذي ضلّ لبعض الوقت الى بيئته الأصل وحضنه الأم.

ومهما يكن من أمر فالواضح أن الرجل في السنوات الأربع التي أمضاها نائباً تجنّب الظهور أمام الأضواء ولم يصدر عنه نشاط ملحوظ واكتفى بمرافقة رئيس كتلة القومي أسعد حردان في الاستشارات النيابية لتأليف الحكومات أو جلسات الثقة…

ربما كان هذا مصدر راحة لأنه شاء أن يتوّج مسيرته السياسية الطويلة بهذه الخاتمة وقد دخل عقد الثمانينيات من العمر وآن له أن يرتاح ويتقاعد. ويبقى السؤال: من سيسمّي المحور نفسه خلفاً لمنصور، ولمن سيهب “حزب الله” هذا المقعد المقدور عليه، هل لأحد جناحي الحزب القومي وربما جناح المركز في الروشة أم للتيّار الوطني الحرّ؟

وما زال النقاش مستمراً.