الانتخابات في موعدها… إلّا في حالٍ واحدة!

سركيس نعوم – النهار

لم يعُد اللبنانيّون متأكّدين من أنّ الانتخابات النيابيّة المُقرّرة في الخامس عشر من شهر أيار المقبل ستُجرى في موعدها. فالفئات السياسيّة والحزبيّة والطائفيّة والمذهبيّة والمناطقيّة تتبادل الاتّهامات بالعمل لخلق أجواء تجعل الانتخابات متعذّرة الحصول. فأخصام فريقَي “تفاهم مار مخايل” أي “#حزب الله” و”التيار الوطني الحر” يتّهمونهما بالعمل الجادّ من أجل توفير بيئة سياسيّة وشعبيّة وأمنيّة غير ملائمة للانتخابات. والفريقان المذكوران يردّان على متّهميهما بالتهمة نفسها. وينتظر هؤلاء اللبنانيّون من “جلسات” مجلس النوّاب التي بدأت أمس، ويُفترض أن تستمرّ يومين، أن تكشف الفريق الراغب ضمناً في التعطيل وهو “التيار الوطني الحرّ” في رأي أخصامه بل أعدائه، ومعهم “الحزب”. لذلك فإنّهم ينتظرون أن يُنفّذ نوّاب الأوّل التزامهم تقديم مشروع قانون أو اقتراح قانون لإلغاء التعديل الذي أدخلته غالبيّة مجلس النوّاب قبل أشهر على قانون الانتخاب وذلك لجهة إرجاء حقّ المغتربين اللبنانيّين في انتخاب نوّاب منهم في الدائرة “السادسة عشرة”. وعدد هؤلاء النوّاب ستّة وتقتصر دائرتهم على جغرافية الانتشار اللبناني في القارات الست. يعني ذلك إلغاء حق المنتشرين في التصويت من الدول التي يعيشون فيها للمرشّحين للنيابة في الدوائر الخمس عشرة في لبنان. وإذا حصل ذلك فإنّ الوقت الضيّق أساساً لن يسمح بتطبيق قانون الانتخاب المُعدّل ثانيةً، الأمر الذي يفترض حُكماً صدور قرارٍ من مجلس الوزراء بإرجاء الانتخابات. من شأن ذلك إمّا دفع النوّاب بتوافق قياداتهم السياسيّة أو غالبيّة هذه القيادات إلى التمديد لمجلس النوّاب، وإمّا العجز عن ذلك فتقع السلطة التشريعيّة في الفراغ. الإثنان أي التمديد والفراغ سيّئان إذ إنّ لبنان يحتاج إلى تجديد مجلس النوّاب بعد المُتغيّرات السلبيّة والجذريّة التي حوّلته دولة فاشلة ورسّخت انقسام طوائفه والمذاهب وقضت على نظامه المصرفي و”هوَّرت” اقتصاده وعملته الوطنيّة وجعلت الفساد يعمّ كلّ المؤسّسات والمواقع والقطاعات في البلاد ومعها الشعب ومعظم قادته. ومن دون مجلس نوّاب سيتعذّر انتخاب رئيس للجمهوريّة قبل 31 تشرين الأول موعد انتهاء ولاية الرئيس الحالي.




إلى ذلك يعتمد “الراغبون” في تأجيل الانتخابات على اقتراح رئيس الجمهوريّة ميشال عون و”تيّاره الوطني الحرّ” تنفيذ “الميغاسنتر” الوارد في قانون الانتخاب، لكن الذي طاله تعديلٌ أرجأ تنفيذ هذا الاقتراح إلى الانتخابات المقبلة بذريعة أنّ الوقت الضيّق لا يُتيح إنجازه ونجاحه، علماً بأنّ أهمّيته تكمن في الإفساح في المجال أمام انتخاب اللبنانيّين من أمكنة إقامتهم دونما حاجة إلى الذهاب إلى دوائرهم الانتخابيّة وتكبُّد مصاريف كبيرة في هذه الظروف الصعبة، فضلاً عن أنّ التعديل يُقلّص “رشوة النقل” التي يُقدّمها المرشّحون للناخبين والتي قد تؤثّر هذه المرّة في النتائج أكثر من السابق من جرّاء الفقر الذي أصاب غالبيّة المواطنين.

في أيّ حال، يستبعد المُتابعون أوّلاً إقرار التعديلين المذكورين أعلاه. ويستبعدون ثانياً إرجاء الانتخابات النيابيّة، إذ باستثناء “التيّار الوطني الحرّ” يبدو حليفه “حزب الله” مُتمسّكاً بإجرائها في موعدها ومعه حليفه أو شقيقه أو شريكه في “الثنائيّة الشيعيّة” الرئيس نبيه برّي و”حركة أمل” التي يقود منذ عقود. يبدو أيضاً أن “تيّار المستقبل”، رغم تعليق رئيسه سعد الحريري اشتراكه في الانتخابات، لن يذهب في اتّجاه العمل لتأجيلها، إذ إنّه لم يدعُ أبناء الطائفة السنيّة إلى عدم التصويت، واكتفى بدعوة المُنتسبين إليه من سياسيّين إلى عدم ترشيح أنفسهم تاركاً حريّة الترشُّح للحلفاء ولكن من دون استعمال “التيّار” والحريريّة وأيّ شيء يمتّ إليهما بصلة في المعركة الانتخابيّة. و”اللقاء الديموقراطي” بقيادة الحزب التقدّمي الاشتراكي ليس في وارد المقاطعة، وكذلك الفئات الدرزية الأخرى. والأمر نفسه ينطبق على جهات سياسيّة سنيّة متنوّعة وعلى المسيحيّين المعارضين لعون وحليفه “حزب الله” مثل “القوّات اللبنانيّة” و”الكتائب” و”حركة الاستقلال” الزغرتاويّة، كما على معارضي عون دون حليفه “الحزب” مثل “تنظيم المردة” الزغرتاوي.

في اختصار، تؤكّد جهات تُتابع بجديّة الأطياف اللبنانيّة المتنوّعة والمتناقضة، أنّ الانتخابات ستُجرى، ويُراهنون على ذلك معتبرين أنّ نسبة إجرائها تبلغ مئة في المئة زائداً واحداً. وتؤكّد أنّ الماكينات الانتخابيّة لكلّ الأفرقاء في لبنان بدأت العمل الفعلي تحضيراً للانتخابات سواء فرديّاً أو بالتنسيق مع الحلفاء الموثوقين، ومنها ماكينتا “حزب الله” و”التيّار الوطني الحرّ” و”حركة أمل” برغم التناقضات الانتخابيّة وغير الانتخابيّة التي تتزايد بينهما.

هل الجزم بإجراء الانتخابات النيابيّة نهائي؟ تُجيب جهة جديّة جدّاً معنيّة مباشرة بالانتخابات ومتحمّسة لإجرائها، أنّ إرجاءها يرتبط بحالة واحدة فقط لا غير هي موافقة المُعترضين على إحالة “المتّهمين” أو المظنون بهم في انفجار مرفأ بيروت أو تفجيره في آب 2020 من النوّاب والوزراء وحتّى الرؤساء إلى المحكمة المُكلّفة مُحاسبة هؤلاء التي ينصّ عليها الدستور رغم رفضهم ذلك حتّى الآن. علماً بأن هذه المحكمة لم تتألّف بعد رغم انقضاء نحو 43 سنة على ورودها في الدستور. وهي أيضاً نزع ملفّ التفجير أو الانفجار المذكور من القاضي طارق البيطار والتفاهم على طريقة أخرى يُتابَع بموجبها التحقيق… وبذلك تسقط كلّ الاتهامات الرسميّة الموجّهة حتّى الآن إلى نوّاب ووزراء وربّما لاحقاً إلى رؤساء، فضلاً عن موظّفين وعسكريّين و… ثمّ يُعيّن قاضٍ جديد لغير النوّاب والوزراء والرؤساء أي للموظّفين والعسكريّين ولغيرهم. هل يحصل ذلك؟ الأمل في حصوله ضعيفٌ جدّاً، لذلك على المرشّحين للانتخابات وعلى أحزابهم وطوائفهم وقادتهم أن لا يُضيّعوا الوقت لأنّها صارت على الأبواب.