“رقصة الموت” بين بوتين وبايدن على أجساد الأوكرانيين.. قصة حرب الإشارات المتبادلة بين روسيا وأمريكا

هل ستكون إيجابيات الغزو الروسي لأوكرانيا أكبر من سلبياته بالنسبة لبوتين؟ وهل سيتضرر الغرب أكثر من روسيا بسبب عقوبات بايدن المقترحة؟ سؤالان قد تحدد إجابتهما السيناريو الأقرب للأزمة الأوكرانية.

رغم أن التطورات على الأرض في الأقاليم الانفصالية شرق أوكرانيا تشير إلى أن الحرب في أوكرانيا قد تكون بدأت بالفعل، تظل نافذة الحلول الدبلوماسية مفتوحة، وإن كانت ضيقة للغاية، فالرئيس الأمريكي نفسه ترك باب الدبلوماسية مفتوحاً أمام موسكو، قائلاً: أود أن أكرر مرة أخرى: إنه لا يزال بإمكان روسيا اختيار الدبلوماسية، فلم يفُت الأوان بعد”.




أما الرئيس الروسي بوتين فلا أحد يمكنه الجزم بما يدور في رأسه، خصوصاً أنه قد يحقق ولو جزءاً مما يريده دون شن الحرب، كما أن هناك اجتماعات ماراثونية مقررة، السبت والأحد والإثنين، وتهدف إلى تهدئة الأوضاع قبل أن تنفجر الأزمة الأوكرانية تماماً.

“لعبة الإشارات” بين موسكو وواشنطن

ويبدو أن الدبلوماسية قد توقفت وانطلقت أصوات المدافع بالفعل، إذ قال بايدن، الجمعة 18 فبراير/شباط، إن بوتين “قرر غزو أوكرانيا”، متوقعاً أن يحدث ذلك خلال الأسبوع المقبل، لكن صحيفة New York Times الأمريكية، نشرت تحليلاً عنوانه “الولايات المتحدة وروسيا تكتفيان بشن حرب إشارات في أوكرانيا”، رصد كيف لا يزال بايدن وبوتين يمارسان “ألعاباً عقلية”.

فموسكو وواشنطن تمارسان لعبة إشارات عالية المخاطر ومتزايدة التعقيد، في مواجهتهما المستمرة حول أوكرانيا، وذلك بغرض حماية مصالحهما دون الحاجة لإطلاق رصاصةٍ واحدة.

ومنذ أن بدأت علاقة أوكرانيا مع الغرب ومع حلف شمال الأطلسي (الناتو) تتوسع في السنوات الأخيرة، قرر بوتين أنه لم يعد هناك وقت يضيعه، ويحاول الآن إعادة تعريف البنية الأمنية لأوروبا.

وتُعدُّ الدبلوماسية التقليدية مجرد ركنٍ من أركان هذه اللعبة، حيث تهدف عمليات تحريك القوات، والتهديد بالعقوبات والتشريعات، وإغلاق السفارات، وقمم الرؤساء، وتسريبات المعلومات الاستخباراتية جزئياً إلى إثبات استعداد كل دولة لتنفيذ تهديدات معينة أو تحمل مخاطر محددة، بحسب نيويورك تايمز.

ويهدف هذا النوع من المفاوضات عالية المخاطر، التي تجري بالأقوال والأفعال على حدٍّ سواء، إلى تسوية مستقبل أوروبا النهائي، وكأنها تحدد من خلال الحرب. وذلك عن طريق تصوير الشكل الذي قد ينتهي إليه النزاع مستقبلاً، بدلاً من شن الحرب فعلياً بشكلٍ مباشر.

إذ نقلت روسيا آلاف الجنود من أقصى الشرق إلى حدود أوكرانيا، أملاً في إقناع واشنطن وكييف بمدى استعدادها لتحمل حربٍ كبرى من أجل تأمين مطالبها بالقوة، ما يعني أنه من الأفضل لتلك الدول أن تلبي المطالب الروسية سلمياً.

في حين صرحت إدارة بايدن بأن الغزو بات وشيكاً، وأغلقت سفارتها في كييف، وتوعّدت بالعقوبات الاقتصادية، في إشارةٍ منها إلى موسكو بأنها لن تحصل على تنازلات أمريكية يائسة. ما يقلل جدوى التصعيد أكثر.

لكن محاولة كلا الطرفين إضفاء المصداقية على تهديداتهما، بتحريك القوات مثلاً، تزيد من خطورة وقوع خطأ في الحسابات يخرج بالأمور عن السيطرة.

إذ أظهرت تطورات الأيام القليلة الماضية، أن الأزمة التي ظلت الملفَ الأبرز على الساحة السياسية الدولية على مدى شهور طويلة، باتت على وشك أن تتحول إلى واقع مفزع من الحرب الفعلية، والتي سيدفع ثمنها الأوكرانيون أنفسهم.

فيوم الثلاثاء، 15 فبراير/شباط، تحركت موسكو لتعيد إثارة الارتباك بسحب بعض قواتها، رغم مواصلتها ألعاب الحرب المجاورة، واتهام بوتين لأوكرانيا بارتكاب إبادةٍ جماعية ضد الأقلية الناطقة بالروسية من السكان الأصليين. وقد زادت موسكو ضغطها على الغرب من خلال التظاهر بالتهدئة والغزو في وقتٍ واحد، لتجعله متأهباً للخيارين.

بينما قالت كيرين يارهي-ميلو، أستاذة العلوم السياسية بجامعة كولومبيا، التي تدرس إشارات ومناورات الدول في الأزمات: “تعتبر هذه الديناميكية شديدة التقلب”. ونتيجةً لذلك أصبحنا وسط نشازٍ دبلوماسي يصعب التنقل فيه بقدر الحرب، مع مخاطر عالية بنفس الدرجة.

لعبة شد الأصابع بين روسيا وأمريكا

تكافح موسكو وواشنطن من موقعهما للإجابة عن سؤالين عالقين حول الصراع المحتمل، لكن إجابة كلٍّ منهما تختلف حسب مصلحتها.

هل ستكون إيجابيات الغزو الروسي أكبر من سلبياته لموسكو؟ وهل سيكون الغرب أقل احتمالاً من روسيا لوطأة عقوبات بايدن المقترحة، ما سيدفعه للتخلي عنها؟

إذا تمكنت موسكو من إقناع واشنطن بأنّ إجابة السؤالين هي “نعم” فسوف يضطر بايدن وحلفاؤه نظرياً لاستنتاج أنه من الأفضل تقديم التنازلات التي تطلبها روسيا لمنعها من شنّ الحرب.

أما إذا نجحت واشنطن في إقناع موسكو بأن إجابة السؤالين هي “لا” فسوف يحصل بوتين على كل الدوافع المقنعة، لوقف نزيف خسائره والتراجع عن حافة الهاوية.

وقد كان بوتين غامضاً حول ما يمكن اعتباره غزواً ناجحاً لأوكرانيا. بينما تُعتبر خطواتٌ مثل زيارته الأخيرة للصين، وتصريحات سفرائه، وتجاهل العقوبات، بمثابة إشارات على استعداده وقدرته على تحمل التكاليف المتوقعة.

ولكن الحرب كانت ستندلع منذ فترةٍ طويلة لو كانت مفيدةً بهذه الدرجة، ما يُلمح إلى أن بوتين ربما يخادع خصومه، لكننا يستحيل أن نعلم إلى أي درجةٍ تحديداً.

بينما أرسل بايدن من جانبه أسلحةً إلى أوكرانيا، في رسالةٍ تدل على أنه سيجعل أي نزاعٍ مؤلماً لروسيا، كما سرد تفاصيل العقوبات الانتقامية التي سيفرضها، لكن تلميحه إلى وحدة الغرب حول العقوبات قد يكون مخادعاً بقدر حديث بوتين عن الحرب.

لكن التهديدات والخدع تؤتي ثمارها بأفضل طريقة حين تكون مدعومةً بالأفعال، ما يزيد خطورة اندلاع الحرب التي لا يريدها أي من الطرفين في الحقيقة. وتزداد هذه الجهود تعقيداً بسبب حاجة كل جانب لإقناع جماهير متعددة بأشياء متناقضة.

وعادةً ما يُكافح القادة الغربيون من أجل التفرقة بين التصريحات التي يريدهم بوتين أن يتعاملوا معها بجدية وبين التصريحات التي ينتظر منهم تجاهلها باعتبارها مخصصةً للاستهلاك المحلي، بحسب تحذيرات كريستوفر بورت، المسؤول الاستخباراتي الأمريكي السابق، في مقالةٍ لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

كما أردف أن “سيل أكاذيب” الكرملين حول أوكرانيا يخاطر بإقناع قادة الغرب أن يتجاهلوا جهود موسكو الدبلوماسية، باعتبارها غطاءً للغزو الذي قررت شنه بالفعل، ما سيسد الطريق الذي قد يخرج بهم بعيداً عن الحرب.

الاختلاف بين روسيا وأمريكا بشأن أوكرانيا

يقول ألكساندر غابويف، الزميل البارز في مركز كارنيغي بموسكو: “يعتبر نظامكم أكثر انفتاحاً منا بمراحل، ما يتسبب في الكثير من التفسيرات الخاطئة”.

حيث تهيمن حفنةٌ من مسؤولي الجيش والاستخبارات على عملية صنع القرار في الكرملين، ولهذا يميلون إلى افتراض أن واشنطن تصنع قراراتها بنفس الطريقة.

إذ تحظى التعليقات المرتجلة من مسؤولي الجيش الأمريكي بثقلٍ خاص في موسكو، بينما يتجاهل المشرعون المسؤولين عن تحريك الكثير من سياسات واشنطن.

وقد تفاقم هذا النوع من سوء التفاهم الثقافي أكثر في السنوات الأخيرة، بالتزامن مع طرد واشنطن وموسكو لدبلوماسيي بعضهما البعض وإنهاء الكثير من التبادلات غير الرسمية، ما أعاق إلمامهما بسياسات بعضهما البعض.

وكلما قل فهم واشنطن وموسكو لبعضهما البعض زادت صعوبة قيام كل منهما بتفسير إشارات الآخر وتوقع ردود فعله.

بينما كتب الباحثان آدم كاسي وسيفا غونيتسكي في مجلة Foreign Affairs الأمريكية: “تعززت دائرة الثقة الخاصة بالرئيس الروسي طوال الوقت، لتزيد عزلته عن المعلومات التي لا تتوافق مع قناعاته الشخصية”.

ما يعني أنّ ما تعتبره واشنطن بمثابة خداع واتباع لسياسة حافة هاوية قد يعكس قناعةً راسخة نتيجة الخلل السياسي، مثل تجاهل تهديدات العقوبات والتلميح إلى ترحيب بعض الأوكرانيين بمحرريهم الروس.

وقال إيدي فيشمان، مسؤول سياسة العقوبات الكبير في إدارة أوباما: “يمكن وصف المعلومات التي تتدفق على بوتين بأنها متقطعةٌ في أحسن الأحوال، فضلاً عن أن العقوبات تعد موضوعاً فنياً للغاية، لدرجة أنه ليس مفهوماً بشكلٍ جيد في واشنطن”.

وقد تجنب كلا الطرفين حتى الآن ارتكاب أي أخطاءٍ واضحة في قراءة الآخر. وربما ينبع ذلك جزئياً من طول فترة الأزمة، الذي سمح للعاصمتين بتبادل الرسائل حول نواياهما وقدراتهما بشكلٍ متكرر.

لكن عامل الوقت يخلق أيضاً مساحةً أكبر لارتكاب الأخطاء، بالتزامن مع تصعيد الطرفين.

وأوضحت يارهي-ميلو: “مع كل يومٍ يمر دون حل المشكلة تزيد نسبة وقوع خطأ، إذ نختبر أعصاب الكثير من الناس في وقتٍ واحد، وربما تأخذ الأمور منعطفاً سيئاً بسرعةٍ كبيرة”.