الحريري القلق من الأوضاع الصعبة الآتية… ماذا يخفي وراء قلقه؟

سابين عويس – النهار

 




في الإطلالة المقتضبة لرئيس تيار “المستقبل” #سعد الحريري من #بيروت في الذكرى السابعة عشرة لاغتيال والده الرئيس رفيق الحريري، كان الموضوع الابرز الذي شغل الوسط السياسي، المشهد الانتخابي وما سيكون عليه الموقف النهائي للحريري من قراره السابق الرامي الى تعليقه عمله السياسي، كما العمل السياسي لتياره. وفي حين كان الوسط “المستقبلي” يأمل ان يسمع شيئاً من الليونة او المرونة حيال هذا القرار، أو أن تكون استجدت معطيات تغيّر رأي الحريري، إلا ان هذا الوسط فوجئ بثبات زعيمه على موقفه، حتى انه ذهب أبعد في إشهار قلقه من الأيام الصعبة المقبلة على البلاد. وكان لافتا أن أياً من الأوساط السياسية لم يتوقف عند هذا الإعلان، أو تعامل معه بالجدية المطلوبة، لجهة تبيّن المعطيات التي يملكها الحريري ويستند إليها في توقعاته، خصوصاً انه كان واضحاً عندما عزا تعليقه العمل السياسي الى “عدم قدرة احد على تعديل الوقائع المحلية في الفترة المقبلة”، متوجهاً الى مَن يدعوه الى تعديل موقفه ان يعرف انه “لا يملك أدنى فكرة عن الوقائع”.

فعن اي وقائع تحدث الحريري، وما الذي يقلقه ويدفعه الى التنبؤ بأيام صعبة؟

ليس خافياً على أي مراقب لتطور الأوضاع في لبنان أن البلد ليس في خير، وانه يشهد انهياراً بطيئاً، في ظل تضافر عوامل داخلية وخارجية ضاغطة أدت الى الشلل والتخبط في إدارة الأزمة على مستوى السلطة السياسية، والعجز عن مواجهتها. ليس هذا فقط ما قصده الحريري، بل هو قال بكل وضوح ان البلد محكوم من “حزب الله” وان رئيس الجمهورية لا يفعل شيئاً. وبهذا، بدا الحريري على قناعة تامة بأنه ليس في وارد ان يخضع لجولة جديدة من الضغوط او الابتزاز، كما انه لا يريد ان يكون شاهد زور على توسع النفوذ الإيراني عبر الحزب، فيكون بوجوده ضمن معادلة الحكم مستمراً في توفير الغطاء السنّي له، تماماً كما هي حال رئيس الجمهورية الذي يوفر له الغطاء المسيحي.

قليلون هم الذين تمكنوا من فهم حيثيات خطوة الحريري، وإن كانوا تقبّلوها، كما تقبّلوا قراره بالعزوف عن خوض الانتخابات ترشيحاً ودعماً لـ”المستقبليين”. لكن هؤلاء فهموا جيداً ان للرجل مبرراته، كما ان قوله ان البلد لا يمكن ان يُحكم في ظل الظروف التي يمر بها حالياً وان أياماً صعبة تنتظره، شكّل الذريعة لتبرير انسحابه في الوقت الراهن. ولكن في المقابل، اعتبر بعضٌ من هؤلاء أنه بخروجه اليوم وفي هذه الظروف، حيث البلد منهار ومفلس، والطائفة السنية محبطة، أعطى الحزب مبرراً لاستكمال هيمنته والإطباق على البلد.

“ما ليس متاحاً لي ليس متاحاً للسنيورة وغيره، والاعتزال هو الحل ولن ادعم أحداً”، بهذا الموقف بادر مَن سأله عن امكان تفويض الرئيس فؤاد السنيورة قيادة “التيار الأزرق”. وهو بردّه هذا، اوحى في شكل لا لبْس فيه ان المشكلة ليست في شخصه، وان أي شخصية سنية اخرى ستتعرض لما تعرّض له، وأنه من الأفضل اليوم اخلاء الساحة ليتحمل مَن أوصل البلاد الى ما هي فيه اليوم المسؤولية امام اللبنانيين وامام التاريخ.

لا يريد الحريري ان يشهد على الأيام الصعبة المقبلة، لعلمه كما بعلم اللبنانيين ان الأسوأ لم يأتِ بعد. وإذا كان ثمة انفجار مقبل، وهو لم يعد بعيداً، فليتحمل المسؤولون عنه مسؤوليتهم.

من الصورة العائلية التي جمعته امام ضريح والده، الى صورة السنيورة الى جانب رئيس الحكومة نجيب ميقاتي امام الضريح عينه، وغياب الرئيس تمام سلام عنها، دلالات مهمة الى ان رؤساء الحكومات السابقين لن يكونوا منصة سياسية في المرحلة المقبلة. حتى الاجتماع الذي اقترحه بعضهم على الحريري في زيارته السابقة لرؤساء الحكومات، آثر الحريري ألا يحصل وان يقتصر إحياء ذكرى اغتيال والده على العائلة.

كما ان تفسير تعليق العمل السياسي ليس كما فُهم من كلام الحريري. وابرز الدلالات على ذلك المواقف العالية النبرة والهجومية التي صدرت عن تيار “المستقبل” في اليومين الماضيين على خلفية استهداف حاكم المصرف المركزي والمدير العام لقوى الأمن الداخلي.

وعليه، سيقتصر تعليق العمل على الملف الانتخابي. اما العمل السياسي، فشأن آخر. قال الحريري بوضوح انه سيكون الى جانب الناس، وان بيته سيظل مفتوحاً ولكن بعد الانتخابات. اما اذا لم تحصل، فقد أسرَّ الحريري الى زواره انه سيكون على نواب كتلته الاستقالة من المجلس.

وهذا الموقف في ذاته يؤشر الى ان الخيارات المتاحة في حال تعذر إنجاز الاستحقاق النيابي ستكون أشد وطأة ولن تعطي الساعين الى تأجيلها فرصة الذهاب الى تمديد للمجلس الحالي، اذا خرج المكون السني منه.

هي فعلاً ايام صعبة مقبلة، وأكبر مخاطرها من خارج حسابات الحريري، افلاس الدولة وعجزها عن تأمين مواردها وتغطية نفقاتها. وهذا اول بوادر الانفجار الكبير!