نبيل بومنصف - النهار

“تعجبين من سقمي…”! – نبيل بومنصف – النهار

ليس مغالاة أن فوجئنا بمن فاجأتهم الانطلاقة الحامية لهجمة العهد على حاكم #مصرف لبنان والمدير العام لقوى الأمن الداخلي وقبلهما وبعدهما على أصحاب مناصب كبيرة أخرى في الدولة في هذا التوقيت لأن “المتفاجئين” أظهروا قدراً لا يُستهان به من السذاجة وقلة التبصّر! ماذا انتظر هؤلاء في الأشهر المقبلة الفاصلة عن نهاية العهد من جهة والتطوّر الحتمي للانهيار الذي أودى ببقايا الدولة والنظام والأهم بفلول هيبة ذهبت مع الريح، سوى هذا الجاري الآن على مسرح نهاية ممسوخة للعهد والسلطة والحكومة والمؤسّسات كافة؟

إنها النهاية الحتمية بل الفصل الأشدّ قسوة لا للناس هذه المرّة الذين أكلوا ويأكلون نصيبهم بما يكفي لإفراغ لبنان من اللبنانيين قاطبة من جميع الطوائف والمناطق والفئات، بل لصانعي الانهيار وأبطاله الميامين ورموزه الذين يمعنون في تأدية المهمّة المقدّسة بالإجهاز الكامل على الجمهورية في الآتي من الأشهر!




بقدر يفوق التصوّر من الرعونة اختارت “غرفة العمليات” المعتمة توقيتاً ولا أسوأ للشروع في الهجمة غداة إحياء الذكرى الـ17 لاغتيال الرئيس رفيق الحريري وكأنّها قرّرت بدء تصفية المواقع التي تصنّفها خصمة للعهد وحدها، فيما العهد لا يجرؤ على رفع عقيرته بالاحتجاج على وزير مال جمّد قراراً لمجلس الوزراء. وبقدر لا يقلّ رعونة مضت الهجمة في يوم أغرّ أحيت فيه “المقاومة” ذكرى قادتها فإذا بالسيد نصرالله ينزل مقصلته القاتلة على بقايا البقايا من هيبة حليفه العهد معلناً إنجازاته الاستراتيجية في التطوير والتصنيع الحربي للصواريخ والمسيّرات بكلّ ما يفجّر من أسئلة ودلالات فضائحية في حق العهد الحليف أولاً وأخيراً.
كان العهد يندفع بكلّ حماسته نحو تفجير معارك تصفية الحسابات الداخلية ضدّ مواقع في الدولة على نحو بالغ الرعونة، فيما فاته أن يستدرك إعلان حليفه “الإنجاز الاستراتيجي” الذي كشف اكثر فأكثر مدى اتساع قدرة “#حزب الله” على تسخير تبعية العهد له قبل أيّ عامل استراتيجي حقيقي في مواجهة إسرائيل نفسها.

يثبت هذا البعد المدوّي بفضائحيته أن خطاب 16 شباط لنصرالله جاء على وقع تفجّر التداعيات الصاعدة لإعلان رئيس الجمهورية التبديل الدراماتيكي بل ما عُدّ تنازلاً دراماتيكياً في موقفه من اعتماد الخط 29 في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل الى الخط 23. بذلك، بعد أيّام معدودة فقط، يطلق الأمين العام لـ”حزب الله” بنفسه رصاصة الرحمة على تنازل عون أو “إنجازه”، ولا فرق ما دامت معادلة منع أيّ شيء لا يقبل به الحزب هي قدر الجمهورية حتى بوجود أكبر حلفائه على رأسها.

اذن في الهزيع الأخير من العهد، وفي الحلقة الأخيرة من تهاوي الدولة والسلطة، ماذا ترانا سننتظر سوى الاكتمال التسلسلي لاهتراء حتمي تصاعدي عبر اشتعال المعارك الصغيرة ذات الخلفيات اليائسة واللاهثة وراء تعويم ما يمكن تعويمه من تصفية الخصوم؟ ولكن من قال إن حال أكثر اللاعبين هي أفضل من حال العهد المتخبّط بهجماته العشوائية في كلّ الاتجاهات؟ ومن يمتلك القدرة على الاستمرار دون الغرق في هذا المستنقع الذي باتت عليه الدولة؟ وأيّ حكومة هذه ستبقى ماثلة أمام تفجّر يومي لانعدام قدراتها الدنيا على التصدّي لكلّ ما يسخر من شرعيتها وصدقيتها الداخلية والخارجية فيما هي تستجدي الحدّ الأدنى من تماسك صفوفها مثلما تنظم حملات التبرّع المالي لإجراء الانتخابات؟

“تعجبين من سقمي، صحّتي هي العجب”!