حراك السويداء السورية.. ترقب لـ”رمزية كبيرة” و 3 أسباب لـ”التريث المؤقت”

شهدت محافظة السويداء السورية خلال أسبوع كامل حراكا شعبيا وصف بـ”النادر والمفاجئ”، وبينما طالب المحتجون بتحسين أوضاعهم المعيشية وجهوا انتقادات لاذعة للنظام السوري، بعدما هتفوا بشعارات سياسية ضده، طالبوا فيها بتطبيق القرار الأممي 2254.

وخرج يوم الجمعة الماضي مئات المحتجين إلى الشوارع، في مظاهرات هي “الأكبر من نوعها”، لكن وعلى نحو مفاجئ لم يستمروا بها، الأمر الذي طرح تساؤلات عن أسباب هذا التوقف، لاسيما أنه لم يصدر أي بيان رسمي بشأن المطالب التي ترددت أو الوضع العام الذي عاشته المحافظة.




وكانت الشرارة الأولى لتلك الاحتجاجات قد اندلعت عقب القرار الذي أصدرته حكومة النظام السوري برفع الدعم عن عشرات المواد الأساسية التي يحتاجها المواطنون، بينها الخبز والمحروقات، من مازوت وبنزين وغيرها.

وقالت حكومة النظام إن التخفيضات في برنامج الدعم الذي كان سخيا في السابق تهدف لتخفيف العبء عن الموارد المالية للدولة المتضررة من العقوبات، وإنها لن تمس سوى الأغنياء.

لكن العديد من المتظاهرين ذكروا أن هذه الخطوة أدت إلى تفاقم محنة المواطنين السوريين الذين نجوا من ويلات حرب مدمرة مستمرة منذ عشر سنوات، ويعانون الآن من أجل توفير الغذاء والإمدادات الأساسية، في مواجهة استشراء التضخم وتآكل الأجور.

“ترقب لرمزية كبيرة”

والسويداء ذات الغالبية الدرزية هي محافظة تقع في أقصى الجنوب السوري، وعلى مدى السنوات العشر الماضية وقفت في “صف الحياد”، على خلاف باقي المناطق السورية، التي شهدت عمليات عسكرية واسعة ومعارك وحملات قصف جوي، قادها النظام السوري وحلفاؤه الروس والإيرانيون بشكل أساسي.

وبهذه الحالة من “الحياد” رفض جزء كبير من شبانها الانخراط في “الجيش السوري”، فيما ابتعد مشهدها الداخلي عن أي انقسامات معلنة، سواء عسكرية أو سياسية وغير ذلك.

وتحدث مدير تحرير شبكة “السويداء 24” المحلية، ريان معروف عن ترقب لاستئناف الحراك الشعبي الاحتجاجي، يوم غد الجمعة، موضحا أنه سيكون “في صرح قائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش في بلدة القريا”.

ويقول معروف لموقع “الحرة”: “اختيار هذا المكان يعود نظرا للرمزية الكبيرة له في نفوس أهالي السويداء والسوريين”.

وذلك ما يؤكده الصحفي حمزة المختار أحد المنظميّن للاحتجاجات السابقة، بقوله: “الاحتجاجات ستستمر في الأيام المقبلة. غدا الجمعة هناك دعوات للتظاهر عند ضريح سلطان باشا الأطرش”.

ويوضح المختار في حديث لموقع “الحرة” أن المطالب التي نادوا بها خلال أسبوع كامل “لم يتحقق منها أي شيء”، وخاصة تلك المتعلقة بتحسين الأوضاع المعيشية، أو سحب قرار “رفع الدعم الحكومي”.

“تريث مؤقت لـ 3 أسباب”

وحتى الآن لم يصدر أي تعليق رسمي من جانب النظام السوري، وكان موقفه قد اقتصر، الأسبوع الماضي، بصورة غير مباشرة على لسان المستشارة الرئاسية، بثينة شعبان.

وكتبت هذه المسؤولة مقالة في صحيفة “الوطن” شبه الرسمية جاء فيها أن الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية التي اندلعت عام 2011، وسحقتها قوات الأمن وتطورت إلى الصراع المستمر منذ أكثر من عشر سنوات، كانت “بإيحاء من الخارج لتدمير البلاد”.

وفي المقابل كان لافتا خلال الأيام السبعة الماضية تقارير إعلامية وحديث نشره صحفيون مقربون من النظام السوري و”حزب الله” اللبناني”، وهؤلاء وصفوا ما شهدته المحافظة بأنها “محاولة من إسرائيل لدعم انفصال السويداء”.

وعنونت صحيفة “الأخبار” اللبنانية الخميس على صورة غلافها وبالخط العريض عنوان: “إسرائيل تدعم انفصال السويداء”، واعتبرت في التقرير المنشور أن “المطالب السياسية في السويداء تجاوزت مسألة رفع الدعم”.

وقالت الصحفية إن “سلطات العدو الإسرائيلي لم تجد بدّا من الدخول على خطّ الاحتجاجات، لإحياء مطالب قديمة – جديدة، مؤدّاها فدرلة الجنوب”، بحسب تعبيرها، مشيرة إلى أن هذا الأمر يرتبط بـ”انتداب إسرائيل الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في فلسطين، موفق طريف، إلى موسكو لينقل مطالبها”.

من جهته نشر الصحفي المقرب من “حزب الله”، حسين مرتضى ومذيع أحد البرامج في قناة “الإخبارية السورية” مقالا تحدث فيه عما وصفه بـ”المخطط الصهيوني والمدعوم من أمريكا، من أجل تحريك التظاهرات العشوائية في السويداء، في خطوة لدعم مشروع الإدارة الذاتية”.

ويربط الصحفي السوري، ريان معروف ما سبق من مواقف بأنها كانت أحد أسباب “التعليق المؤقت للاحتجاجات”، منذ يوم الجمعة الفائت.

ويقول معروف: “المنظمون للحراك يريدون القول إن هناك أطراف حاولت حرف مطالب الحراك”.

وهناك أسباب أخرى لـ”التعليق المؤقت”، بينها “رغبة المحتجين بتجنب الصدام مع النظام السوري، الذي لوّح باستخدام القوة وأرسل تعزيزات كبيرة للسويداء، ورغبة أخرى من الزعامات الاجتماعية بصياغة ورقة مطالب ورفعها لدمشق تتعلق بالأوضاع المعيشية والاقتصادية”.

ويضيف الصحفي السوري: “التعليق ارتبط أيضا بمحاولة لتنظيم الحراك وعدم استنزاف طاقة الشباب بالمظاهرات اليومية في ظل هذه الظروف القاسية معيشيا واقتصاديا. هؤلاء المحتجون بالمحصلة متضررين أيضا من الأوضاع السائدة”.

“سحب ذريعة ومطالب غير معلنة”

في غضون ذلك يؤكد الصحفي وأحد منظمي الاحتجاجات حمزة المختار أن تعليق الاحتجاجات في الأيام الماضية يعتبر “عملية سحب ذريعة من النظام، بعدما اتهمنا بأننا عملاء للخارج”.

ويوضح المختار: “القائمون على المظاهرات يعلمون مسبقا أن مطالبهم لن تتحقق. هم واثقون باستمرار ما بدأوه، ولابد من محاولة لسحب الاتهامات المتعلقة بالتعامل مع الخارج”.

وكان المحتجون في المحافظة قد طالبوا في الأيام الأولى من احتجاجاتهم بـ”العدالة الاجتماعية والمساواة بين فئات المجتمع، وتحسين الوضع المعيشي وإعادة الدعم لكل المواد الأساسية”.

وتحدث الصحفي السوري عن مطالب أخرى وصفها بأنها “غير معلنة”، بينها موضوع “المختلفين عن الخدمة الإلزامية”، معتبرا أنه “ملف مهم جدا. يجب أن تجرى تسوية لهم، إما بعدم الخدمة في الجيش والتسريح أو السماح لهم بالمغادرة خارج البلاد”.

وتعتبر قضية التخلف عن الخدمة العسكرية سواء الإلزامية أو الاحتياطية في “الجيش السوري” عالقة حتى الآن في محافظة السويداء، وحسب إحصائيات غير رسمية يبلغ عدد الشبان المتخلفين أكثر من 40 ألف شاب، بينهم عشرون ألفا ما يزالون داخل الحدود السورية.

وطوال السنوات الماضية حاولت الأفرع الأمنية في النظام السوري إقناع وجهاء السويداء وشيوخ العقل بإقناع الشبان للعودة إلى الخدمة في “الجيش السوري”، إلا أن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل، كان آخرها في أكتوبر من عام 2018.

ومنذ ذلك الوقت تصدرت أسماء لضباط في “الفرقة الرابعة” قدموا عروضا للالتحاق بالخدمة، بينها أن يخدم الشاب ابن مدينة السويداء في القطع العسكرية الموجودة في الجنوب السوري.

وبالتزامن مع ما سبق كان هناك جولات واجتماعات مكوكية لضباط من الشرطة العسكرية الروسية مع وجهاء المحافظة، من أجل حل مشكلة المتخلفين عن الخدمة الإلزامية أيضا، أبرزها كانت مطلع عام 2018، قبل أشهر من الهجوم الذي نفده تنظيم “داعش” على قرى الريف الشرقي للسويداء، ما أسفر عن مقتل 200 شخصا.

وبحسب الصحفي حمزة المختار، هناك مطالب أخرى للمحتجين “غير معلنة”، بينها “تفعيل دور الضابطة العدلية. هو مطلب أساسي وطرح بأن الاعتقالات التعسفية والاتهامات يجب أن يكون لها حل”.

وإضافة إلى ذلك يطالب المحتجون بملف آخر يتعلق بسياسة الأفرع الأمنية التابعة للنظام السوري. وهذا عليه انقسام، بحسب تعبير المختار.

ويوضح: “مثلا لا يحق لفرع الأمن العسكري أن يعتقل شخص مدني، وكذلك الأمر بالنسبة لباقي الأفرع الأمنية. هذا الأمر يتم التداول فيه كمطلب، لكن لا إجماع عليه، بسبب وجود وجهة نظر أخرى تعتبر أن الأمر وفي حال تطبيقه سيكون بمثابة اعتراف كامل بسياسة النظام السوري الأمنية”.