الرواية الكاملة ليوم البحث عن رياض سلامة

عماد مرمل – الجمهورية

دخلت المعركة حول مصير حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في حيز المواجهة المباشرة، وجهاً لوجه وبالسلاح الأبيض، بين رئيس الجمهورية ميشال عون والقاضية غادة عون من جهة، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة من جهة أخرى.




لعلّ الرئيس ميشال عون لم يكن في أي من المرات بهذا الوضوح والحزم في إبداء التصميم على محاسبة سلامة وإقصائه عن منصبه مهما كلّف الأمر، معتمداً سياسة شدّ الخناق التدريجي على عنق «الحاكم»، وبالتالي هو ينتظر بفارغ الصبر ان يصله خبر يبشّره بأنّ القوى الأمنية أوقفته وأحالته الى «عون الثاني» (المدّعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون).

يبدو العماد عون مقتنعاً بأنّ «الصدمة الإيجابية التي يحتاج اليها البلد تكمن في توقيف سلامة، معتبراً انّه أحد رموز السياسات والخيارات التي أفضت عبر التراكم إلى الانهيار الاقتصادي والمالي»، وفق مقاربة قصر بعبدا.

وإذا كان عون يشكو من انّ التوازنات السياسية والطائفية تمنعه من الانقضاض على باقي الخصوم، فهو يفترض انّ اعتقال سلامة يمكن أن يشكّل تعويضاً عن بقاء الآخرين، في اعتباره يمثل «واجهة المنظومة وبطانتها المالية في آن واحد»، تبعاً للرأي السائد في بعبدا.

المطالعة الدفاعية

الّا انّ خصوم رئيس الجمهورية والمتعاطفين مع سلامة لم يستسلموا. يرفض هؤلاء حتى اللحظة رفع الغطاء المتعدد الطبقات عن سلامة، ربطاً بالاعتبارات العائدة الى كل منهم، والتي يمكن اختصارها بالآتي:

– الإقتناع بأنّ سلامة ليس المسؤول الوحيد عن الانهيار المالي، وبالتالي لا يجوز الاستفراد به وتدفيعه وحده فقط ثمن أخطاء ارتكبتها السلطات السياسية المتعاقبة، على قاعدة الكيدية وتصفية الحسابات الشخصية.

–  رفض إهداء «التيار الوطني الحر» انتصاراً بحجم إزاحة سلامة قبل الانتخابات النيابية، وذلك حتى لا يصرف التيار هذا الانتصار في صناديق الاقتراع ولا يتسلّح به للتغطية على إخفاقاته في السلطة.

– التحسب للانعكاسات التي يمكن أن يتركها إبعاد سلامة في هذا التوقيت على المفاوضات الدائرة مع صندوق النقد الدولي، كونه عضواً في الوفد اللبناني المفاوض وأحد ركائزه.

– الخشية من ان يؤدي سقوط سلامة الى تداعيات على التوازن بين مراكز القوى الحاكمة، إضافة إلى التخويف من إمكان تفلّت سعر الدولار من السيطرة مجدداً.

وضمن هذا السياق، يُنقل عن اوساط مرجع روحي كبير اعتراضه على المنحى الانتقائي الذي تتخذه ملاحقة سلامة، متسائلاً: هل المطلوب ان نتسلّى ببعضنا بينما البلد ينهار؟

وتشدّد أوساط المرجع على أنّ القضية تتجاوز بتداعياتها شخص سلامة الى كيان مصرف لبنان، «وما يهمّنا بالدرجة الأولى حماية المؤسسات التي تشكّل دعائم الدولة، كالبنك المركزي والنظام المصرفي والمؤسسة القضائية والجيش اللبناني، بمعزل عن الأشخاص في حدّ ذاتهم»، منبّهة الى انّ نحر تلك المؤسسات سيكون انتحاراً.

وتلفت اوساط المرجع الديني، الى انّ تغيير سلامة من عدمه هو شأن إداري يتعلق بالسلطة، «والمهم اعتماد معايير ثابتة وواحدة في ملاحقة المرتكبين والمخالفين من دون تمييز بين واحد وآخر».

الوقائع الميدانية

على وقع هذا التجاذب والانقسام حول وضع «الحاكم»، انطلق يوم البحث عن سلامة إنفاذاً لمذكرة الإحضار الصادرة عن القاضية عون، بالترافق مع روايات متضاربة في شأن حقيقة ما حصل على الأرض، وصولاً الى ما أشيع عن أنّ اشتباكاً كاد يقع بين عناصر الأمن الداخلي المولجين بحماية سلامة وقوة جهاز «أمن الدولة» التي كانت تفتش عنه.. فما هي تفاصيل القصة الحقيقية؟

أفادت مصادر «أمن الدولة»، انّه وعندما وصلت إحدى دوريات الجهاز الى أمام منزل سلامة في الرابية، رفض عناصر الحماية التابعين لقوى الأمن الداخلي في البداية فتح البوابة، لكن وعند إصرار آمر الدورية، بادروا الى فتحها، ثم أبلغوه بأنّ سلامة ليس موجوداً في المنزل، وبناءً على ذلك انسحبت الدورية من المكان وبالتالي لم يحصل أي احتكاك او صدام بينها وبين الأمن الداخلي، علماً انّ دوريتين أخريين قصدتا أيضاً منزل سلامة في الصفرا ومكتبه في مصرف لبنان من دون أن تعثرا عليه.

وتؤكّد المصادر، انّ القوة التي توجّهت الى الرابية تصرّفت ضمن الحدود والصلاحيات التي يسمح بها القانون، لافتة إلى انّها لم تدخل المنزل لتفتيشه لأنّ الاستنابة القضائية التي كانت تنفّذها تلحظ إحضار سلامة بصفة شاهد تحديداً، وبالتالي فإنّه لا تجوز مداهمة المنزل للتفتيش عنه، الّا اذا كان الشخص الملاحَق مطلوباً بناءً على مذكرة توقيف، او متهماً بجريمة إرهاب او ما شابه.

وتوضح المصادر، انّه في حال اصدرت القاضية عون استنابة جديدة في حق سلامة بصفة شاهد، فإنّ ملاحقته لا تأخذ طابع العجلة، اما إذا ادّعت عليه فإنّ المداهمات بحثاً عنه يمكن أن تتمّ في أي وقت وأي مكان.

غادة عون

اما القاضية عون فأبلغت الى «الجمهورية» انّها ستعقد جلسات مفتوحة حتى إحضار سلامة، موضحة انّ استمراره في الامتناع عن المثول أمامها سيدفعها الى إصدار مذكرة بحثٍ وتحرٍ في حقه. واعتبرت انّ طريقة التصرف مع القوة التي كانت في صدد إحضار سلامة تؤشر إلى انّ لا دولة قانون في لبنان، «ولذلك، ما نفع الاعتكاف او المطالبة بأي مطالب مادية طالما انّ قرارات القضاء تُداس، فهذه قمة الانهيار من كل النواحي».

ملف سلامة

وكشفت مصادر قضائية، انّ الملف الذي كوّنته عون ضدّ سلامة يتضمن أربعة محاور اساسية:

– إخفاء خسائر البنك المركزي عبر إدراجها في بند الموجودات ضمن موازنة مصرف لبنان، والاستمرار في هذه السياسة من خلال تدوير الخسائر عاماً بعد عام. وقد ظهرت الخسائر بعد التدقيق من قِبل خبير جرى تعيينه بقرار قضائي، وهي بحدود 55 الف مليار عام 2018 و92 الف مليار عام 2020.

وتفيد المعلومات، انّه قد يجري أيضاً الادّعاء على نواب الحاكم الذين غطّوا هذه السياسة.

– تحويل البنك المركزي نحو 8 مليارات دولار «فريش» الى بعض المصارف المتعثرة، بغية تسديد التزاماتها الى زبائن «مدلّلين» في الخارج على حساب حقوق المودعين في الداخل، وفق اعترافات أحد مسؤولي مصرف لبنان أثناء الاستماع اليه. وقد حصلت التحويلات في الأشهر الاخيرة من عام 2019 وايضاً في حزيران او ايار 2020. لكن المبلغ الأكبر، 6 مليار و600 مليون دولار، سُجّل عام 2019.

– الإصرار حتى عشية الانهيار، على الترويج بأنّ الليرة بألف خير، وانّ الوضع النقدي تحت السيطرة، وبالتالي الاستمرار في دفع فوائد عالية لاستدراج مزيد من «الضحايا» إلى فتح حسابات مصرفية، على رغم المعرفة التامة بأنّ القطاع المصرفي يعاني من العجز وانّه آيل الى الانهيار.

– «شقة فرنسا» التي تمّ استئجارها كمكتب طوارئ للبنك المركزي بمبلغ كبير يفوق كثيراً ما تستحقه.

أوساط ميقاتي

في مقابل هذه الإتهامات، يقول قريبون من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لـ»الجمهورية»: «ليس دفاعاً عن سلامة، ولكن ليس هو وحده الذي كان يضع الخيارات الاقتصادية والمالية بل له شركاء في كل السلطات، ثم لسنا نحن الذين جدّدنا له قبل سنوات قليلة». ويحذّر هؤلاء من خطورة تهديد سمعة المؤسسات في معرض الهجوم على الأشخاص، مشدّدة على أنّ موقف ميقاتي لا يرمي الى حماية شخص سلامة بل حماية مؤسسة مصرف لبنان التي هي أهم من جميع الأفراد والحسابات.

ويستغرب القريبون من ميقاتي عدم الالتفات الى الانعكاسات السلبية التي قد ترتبها المعركة ضد سلامة في هذا التوقيت على المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، خصوصاً انّه في عداد الوفد اللبناني المفاوض الذي تمّ اختيار أعضائه في القصر الجمهوري.

وينتهي هؤلاء الى اختصار ما يجري حالياً وقد يجري لاحقاً، بالمعادلة الآتية: إنّها الانتخابات.