معركة إستعادة التوازن الوطني – رامي الرّيس – نداء الوطن

يخطئ من يصوّر المعركة الانتخابيّة المقبلة بين الثورة و»المنظومة»، والسبب في ذلك ليس لتبرئة أي من أطراف «المنظومة» ذلك أن التسمية بحد ذاتها تنطوي على الكثير من التبسيط في ظل واقع سياسي معقد ومركب كالواقع اللبناني في تعدديته وتنوعه. إن مجرّد وضع كل الأطراف «في سلة واحدة» وإسباغ تلك التسمية المطاطة عليها (المنظومة) إنما يكرّس الاختلال في موازين القوى ويضرب مرتكزات أساسيّة في المشهد السياسي المحلي.

بتفكيك بسيط لهذه النظريّة، يمكن التساؤل عمّا إذا كان منطقيّاً، مثلاً، أن تتساوى في المسؤوليّة الوطنيّة والسياسيّة القوى التي ناضلت في سبيل الحريّة والسيادة والاستقلال مع القوى التي تصادر الحريّة والسيادة والاستقلال وتستلحقها بمحاور إقليميّة معروفة الأهداف والأجندات؟ وهل تتساوى في المسؤوليّة القوى التي تعرّضت رموزها للإغتيال (كمال جنبلاط ورفيق الحريري كمثالين بارزين في هذا الإطار) مع القوى التي مارست بحقها الإغتيال؟ بمعنى آخر: القاتل والمقتول يتساويان في هذه الحال وفق «نظريّة المنظومة» الشهيرة؟




وعلى مستوى آخر، هل تتساوى في المسؤوليّة الوطنيّة والسياسيّة القوى التي أكدّت في ممارستها إحترام الدستور والمؤسسات والمواثيق في مختلف المنعطفات مع القوى التي نكّلت بالدستور والمؤسسات والمواثيق وعلقت مفاعيله خدمة لمشاريعها الفئويّة والخاصة؟ بمعنى آخر، هل تتساوى الكتل النيابيّة التي واظبت على الحضور إلى المجلس النيابي- على سبيل المثال- لتوفير النصاب لإنتخاب رئيس الجمهوريّة مع القوى التي عطلت النصاب على مدى أكثر من أربعين جلسة بهدف تطويع الكتل الناخبة ودفعها قسراً نحو تلك التسوية الرئاسيّة المشؤومة؟

الغضب الشعبي مشروع ومفهوم ومبرر. المحاسبة والمساءلة مطلوبة ولعل تعطل آليّاتها في ظل النظام الطائفي والمذهبي الحالي هو الذي أوصل البلاد إلى ما وصلت إليه، وبالتالي إعادة إحياء تلك الآليّات من خلال صندوق الإقتراع في الإنتخابات المقبلة مطلوبة لعلها تساهم في إعادة الإنتظام إلى الموازين الوطنيّة المقلوبة بفعل الاختلالات العميقة التي تولدت خلال السنوات المنصرمة نتيجة العديد من العوامل المحليّة والاقليميّة والدوليّة.

إلا أن اتجاهات التصويت الشعبي مهمة جداً لتلافي تكريس هذا الاختلال في موازين القوى الذي تعرّض بدوره إلى اهتزاز عميق وجديد من خلال إنكفاء الرئيس سعد الحريري وتيّار المستقبل عن المشاركة السياسيّة في هذا الاستحقاق المفصلي الذي يأتي في لحظة حساسة من شأن نتائجه أن تعيد ترسيم المشهد المحلي ودفعه نحو مسارات جديدة.

لذلك كله، المعركة ليست بين الثورة التي تلملم صفوفها أيضاً وفق اعتبارات مصلحيّة وصوليّة (وهذا ربما من حقها) ووفق سلوكيّات غالباً ما تتهم قوى السلطة بممارستها؛ وبين «المنظومة» التي لا يمكن وصفها بأنها إطار سياسي جامع وواحد له أهداف محددة وموحدة. ليست الأحزاب السياسيّة التي ناهضت الوصاية ودفعت الأثمان الباهظة (مهما كانت ملاحظات أندية الثورة عليها) في الموقع ذاته مع الأحزاب التي عمّقت الوصاية ونظّمت تظاهرات الشكر والتبجيل لها.

في نهاية المطاف، على المواطن اللبناني أن يختار بين تأبيد الوضع الراهن وبين تغييره تدريجيّاً من داخل المؤسسات. لا مفر أمام القوى التغييريّة، سواء أكانت من الأحزاب أم الفصائل الثوريّة، إلا أن تعيد التوازن الوطني إلى داخل المجلس النيابي الجديد الذي سيواجه إستحقاقاً بالغ الأهميّة في الأشهر الأولى لانتخابه وهو المتمثل بانتخاب رئيس جديد للجمهوريّة إيذاناً بانتهاء العهد الأسود.

الشعار الذي انتشر كالنار في الهشيم «كلن يعني كلن» لا يعدو كونه من الشعارات الشعبويّة السطحيّة التي تُسخف طبيعة الصراع القائم في لبنان وتأخذه في مسارات مناقضة لحقيقته وواقعه. فليحكّم الناخب ضميره أولاً وأخيراً.