يقتلون القتيل ويمشون في جنازته – نديم قطيش – الشرق الأوسط

الموت هو ما تصادره ميليشيات الإسلام السياسي إثر الاغتيال لا الحياة فقط. لا يراد للقتيل، أن يخسر معاني عيشه وحسب، بلا أن تنزع عنه كل الحقوق برواية موته.

تشاء المفارقات أن تحل ذكرى اغتيال الناشطين السياسيين شكري بلعيد في تونس (2013) ولقمان سليم في بيروت (2021) بفارق يومين. كلا الرجلين، متهمة في قتله ميليشيا من ميليشيات الإسلام السياسي، «إخوان» تونس و«حزب الله» لبنان. ويحدث أن كلا الرجلين جاهر قبل موته بهوية القاتل المقبل.




في أعقاب الجريمتين تبرز آلية مصادرة واحدة في خطابي «النهضة» و«حزب الله». مصادرة الحق بتشكيل موت الميت. لا يكتفيان بنفي مسؤوليتهما عن الجريمة، بل ينتحلان صفة المستهدَف بها. هكذا يصير اغتيال بلعيد وسليم هو استهداف لـ«النهضة» و«حزب الله» لا للقتيلين نفسيهما. وتصير مكيدة القتل، مكيدة ضد المتهم لا ضد الضحية. يجعل هذا المنطق من الضحايا مجرد ذريعة أو وسيلة لإيصال الرسائل لآخرين. بلعيد وسليم ليسا هدفين بحد ذاتيهما ولما يمثلان من خطاب سياسي وموقف وشجاعة، بل مجرد صدف وقنوات ترسل عبرها الرسائل لمن هو المتهم الأول بقتلهما.

حين قتل لقمان سليم، أجرى زعيم ميليشيا «حزب الله» حسن نصر الله مطالعة قانونية في قرينة البراءة، ومثله فعل راشد الغنوشي بعد اغتيال شكري بلعيد. وراح الرجلان يسألان بمنتهى الجدية عن المستفيد من الاغتيال. بيد أن الناظر إلى صلة النهضة و«حزب الله» بالمسارات القضائية، لا يسعه إلا القهقهة عالياً رغم سماجة النكتة.

نصر الله سبق له وتكبد عناء إنشاء محكمة افتراضية في لبنان عبر مؤتمر صحافي خصصه لعرض ما وصفه حينها بالقرائن، على تورط إسرائيل في اغتيال رفيق الحريري، الذي تحل ذكراه الـ17 في الأثناء. جمع الرجل «أدلة» يعود عمرها إلى ما قبل عشر سنوات من اغتيال الحريري، وتجاهل كل المناخ السياسي والأمني والمخابراتي الذي سبق الاغتيال بعشرة أشهر أو عشرة أسابيع أو عشرة أيام.

ومثلما جزم نصر الله بما هي أهداف الاغتيال، كذلك فعل الغنوشي. التقى الرجلان على أن هدف القاتل هو تخريب الاستقرار، وتخريب البلاد! ولأن الحزبين حاكمان بأمرهما زمن الاغتيال، كل بطريقته، وبما يتيحه الواقع السياسي المختلف بين تونس ولبنان، بات أن القاتل هو خصم «النهضة» وخصم «حزب الله».

يقود هذا المنطق إلى استنتاجات أكثر فداحة في الحالة اللبنانية منه في الحالة التونسية.

فلو تتبعنا ما يقوله نصر الله عن أن هدف القاتل ضرب الاستقرار، تقفز إسرائيل فوراً إلى رأس قائمة المشتبه بهم، وهو ما صرح ويصرح به الحزب عند كل اغتيال. فلقمان سليم ورفيق الحريري، إذاك، إسرائيليان تطبيعيان في حياتهما، وشهيدان سقطا على يد تآمر إسرائيل في موتهما. هكذا يجري تخوين السيرة كلها ثم تكليل الموت بنبراس «الشهادة»، لتفقد الضحية حقها في الموت كما سلب منها حقها في الحياة.

بموازاة إنكار المسؤولية عن القتل، وانتحال صفة من يتوسل القانون ومرتكزات العدالة، والاجتهاد لتوسعة دائرة الاشتباه بما يبعده عن أكثر القتلة احتمالاً، لا تخجل ميليشيات الإسلام السياسي من الاحتفال بالقتلة المفترضين وحمايتهم، وتعطيل كل سبل القضاء إلى إحقاق الحق وسد مجاري العدالة.
لقد جاهر حسن نصر الله، الذي يفتي في قرينة البراءة كل حين، برفضه تسليم أي أدلة للمحكمة الخاصة بلبنان، وقتل حزبه من فتحوا مسارات عبقرية في التحقيق، وصرخ عالياً بأن عمامته تحمي المتهمين، ووُجد في حزبه من يرفعهم إلى مرتبة القداسة.

وحين أدانت المحكمة سليم عياش بالتآمر لقتل رفيق الحريري والاشتراك في جريمة القتل، رفعت ميليشيا نصر الله صوره كبطل من أبطالها وعنواناً من عناوين مجدها.

حتى ميشال سماحة، السياسي اللبناني ورجل المخابرات والأمن، عندما ألقي القبض عليه، متلبساً بالتحضير لعمليات تفجير واغتيال بهدف إحداث فتنة في لبنان، وجد في «حزب الله» من دافع عنه وحاول حمايته، ووجد في إعلام الحزب من تكبد الدفاع عن سيرته وموقعه ودوره ومقاصده.

ومثل «حزب الله» فعل الغنوشي. ففي فيديو مسرب له قبل نحو عام يقر الغنوشي بدور حركته في حماية موقوفين بتهم الإرهاب والسعي لإخراجهم من السجون بموجب توسعة قوانين العفو في تونس. في الفيديو يقول الغنوشي إن «بعض الموقوفين بتهم الإرهاب فيهم خير كثير، ونحن ندافع عنهم باستمرار، لأنهم التقوا إخواناً في السجون». ويضيف: «الحركة ظلت باستمرار تطالب بإطلاق سراحهم، وحتى بعد الثورة عندما صدرت النسخة الأولى للعفو كانت تستثنيهم لكن الحركة ظلت مصرة على العفو التشريعي من دون استثناء، وهم ممتنون للنهضة، لأن محامينا هم الذين كانوا يدافعون عنهم».

عجيب هذا التطابق بين ميليشيات الإسلام السياسي التي تحترف العنف، ولو بنضج تنفيذي، يتفوق على الوحشية الصرفة لمجموعات أخرى مثل «داعش» مثلاً.

إنكار ثم توسد زائف للقضاء والقانون، ثم تجريد القتيل من سيرته، ثم تمجيد للقاتل المفترض.