الحريري ينصح السنيورة بعدم خوض الانتخابات.. هذا ما يخطط له رؤساء الحكومة لإنقاذ الساحة السنية بلبنان

في أعقاب قرار رئيس الحكومة اللبنانية السابق سعد الحريري اعتزاله العمل السياسي، تحاول حالياً شخصيات سُنية كبيرة، بينها رؤساء الحكومة السابقين، إنقاذ البيئة السنية في وقت تقترب فيه الانتخابات ويسعى حلفاء حزب الله للهيمنة على المقاعد السنية في البرلمان.

لذلك، جرى تواصل بين نادي رؤساء الحكومات والذي يضم نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمام سلام، حيث أجروا تقييماً سياسياً لتداعيات انسحاب الحريري من المشهد، وما قد يخلفه هذا القرار من تحولات في المشهد السياسي.




وكان الحريري أعلن يوم 24 يناير/كانون الثاني، أنه لن يخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة، وأنه قرر تعليق مشاركته في الحياة السياسية داعياً حزبه السياسي، تيار المستقبل، لفعل الشيء نفسه.

ويتزعم الحريري تيار المستقبل الذي تفرد لأكثر من 17 عاماً بزعامة الطائفة السنية في لبنان على المستوى البرلماني والحكومي. ويخشى السُّنَّة من أن يؤدي قرار الحريري لإحداث فراغ سني كبير بالإضافة لتخوف كبير تبديه العديد من الشخصيات السياسية السنية من أن تصبح المقاعد السُّنية مفتوحة أمام حلفاء حزب الله أو من قوى الإسلام السياسي.

الساحة السنية والشغور السياسي

يقول مصدر سياسي مطلع لـ”عربي بوست” إن نادي رؤساء الحكومات أجرى تواصلاً مع مفتي الجمهورية عبداللطيف دريان، وجرى اجتماع على مائدة عشاء في منزل نجيب ميقاتي، حيث وقع نقاش معمق عنوانه الرئيسي: عدم ترك الساحة السنية للشغور السياسي.

تقول المصادر إن تحركات رؤساء الحكومات السابقين مع مفتي الجمهورية اللبنانية تنطوي على استشعار لدقّة الوضع الذي استجدّ بعد قرار الحريري بالابتعاد، وضرورة وقف التفسيرات والتأويلات وأي محاولة لإرباك الساحة السنّية.

وجرى في الاجتماع استعراض التطورات الاخيرة، مع التشديد على صيانة الواقع السنّي والنأي به عن أي اختلال، خصوصاً أنّ هذا الاختلال لا يطال الطائفة حصراً، بل تأثيراته ستشمل مجمل الصورة في لبنان السياسية وغير السياسية.

نجيب ميقاتي لبنان
رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي/ رويترز

رفض مقاطعة الانتخابات

وتقول المصادر إن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أكد للجميع رفضه أي مقاطعة سنية للاستحقاق الانتخابي.

وأشار إلى أنه رئيس حكومة أتت تحت عنوان رئيسي وهو إجراء الانتخابات البرلمانية، لذلك لا يمكنه أن يدعو نهاراً إلى إجراء الانتخابات بصفته رئيساً للحكومة، ويشجّع ليلاً على المقاطعة.

وتشير المصادر إلى أن فؤاد السنيورة أبلغ الحاضرين أنه يجري جولة أفق خارجية مع دول عربية وتحديداً مصر والكويت وبعض المسؤولين السعوديين والقطريين، بالإضافة لنشاط داخلي، لمعرفة ما يمكن فعله بهدف عدم السماح باختراق الساحة السنية في لبنان.

وجرى -وفقاً للمصدر- الاتفاق على آلية لدعم مرشحين وإطلاق عجلة تشكيل لوائح بديلة عن لوائح تيار المستقبل، خوفاً من تصدر المشهد السني من قبل حلفاء حزب الله أو من قبل جماعات إسلامية.

عودة الحريري.. هل تراجع؟

بالمقابل، حط رئيس الحكومة السابق سعد الحريري رحاله في لبنان لإحياء الذكرى الـ17 لاغتيال والده رفيق الحريري. وفور وصوله، ظهر الأحد 13 فبراير/شباط، التقى أعضاء كتلته البرلمانية.

تقول مصادر قيادية في تيار المستقبل لـ”عربي بوست” إن الاجتماع بين الحريري وكتلته لم يطل أكثر من ساعة. واستهلّ الحريري كلامه معهم بأن قراره مقاطعة الانتخابات لم يتغيّر ولم يطرأ ما يستدعي التراجع عنه.

وتوجّه إليهم، “من باب الأخوّة والصداقة، الوضع صعب جداً، ولا أنصح أحداً منكم بخوض الانتخابات. وإذا ما قرر أحدكم القيام بذلك، فليفعل ذلك باسمه الشخصي وعلى مسؤوليته الشخصية، ولا يتوقع أحد منكم أن يصدر مني أي موقف داعم، لا سياسياً ولا تنظيمياً ولا مالياً”.

وأكّد الحريري تمسكه بكل كلمة قالها في بيان اعتزاله، مشدداً على ألا عودة عن قراره بتعليق العمل السياسي والعزوف عن خوض الانتخابات النيابية المقبلة، مكرراً على مسامعهم الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ قراره.

وتقول المصادر إن الحريري أبلغ الحاضرين أن لبنان لا يُمكن أن يُحكَم في ظل الظروف التي يمُرّ بها حالياً، وسط سيطرة إيران وحزب الله، قائلاً إن هناك أياماً صعبة تنتظر لبنان وشعبه.

وتشير مصادر تيار المستقبل إلى أن الحريري توجه إليهم بالقول: “بعدَ مغادرتي لبنان في المرة الأخيرة، سمعت كلاماً عن أنّني أمانع ترشّح أحد. أنا لم أقل كذلك، بل طلبت منكم عدم الترشّح باسم التيار أو إقامة نشاطات باسمه. واليوم، أجدّد طلبي هذا، لكنني لست أنا من يقرّر خياراتكم الشخصية، ومن يريد مواصلة العمل السياسي والنيابي القرار له، وهو يقدّر ظروفه في منطقته وبين أهله والناس الذين يصوّتون له، وليفعل ما يراه مناسباً، لكن بشكل مستقل”.

فؤاد السنيورة وسعد الحريري
فؤاد السنيورة وسعد الحريري

العلاقة مقطوعة مع السعودية

وبحسب المصدر، فإن الحريري وعند سؤاله عن ضغوطات تعرض لها من السعوديين، رفض الإجابة على هذا الكلام مؤكداً أنه ليس هناك تواصل بينه وبين المسؤولين في الرياض منذ سنوات.

أما المسؤولون في دولة الإمارات فقد أتاحوا له استئناف أعماله التجارية ولم يطلبوا منه شيئاً في السياسة، على حد قوله.

وأضاف: “قراري يستند أساساً الى عدم قدرة أحد على تعديل الوقائع المحلية في الفترة المقبلة. وكل من يدعوني الى تعديل موقفي يعرف أنه لا يملك أدنى فكرة عن الوقائع”.

ورداً على سؤال حول إمكان تفويض السنيورة قيادة التيار في المرحلة المقبلة وخوض الانتخابات، أجاب: “نصحت السنيورة أنه من الأفضل له الابتعاد عن خوض الانتخابات، ولا أرى أيّ جديد يتيح له أو لغيره القيام بما عجزت أنا عن القيام به، ولذلك، عدت وأكدت على الجميع، من أفراد العائلة ومن القيادات الرئيسية في التيار بأن قرار العزوف حاسم، ولن يحصل أي تعديل فيه. وأنا أنصح الجميع بعدم التحمس لخوض انتخابات لن تغيّر شيئاً في الوقائع، والنتيجة ستكون وبالاً على كل من يتطوّع لدور لا يجرّ له سوى الشتائم من الشعب المتعَب”.

واقع السنة المشتت

يرى الدكتور خلدون الشريف المستشار السابق لرئيس الحكومة اللبنانية، أن الساحة السنيَّة تتحضر لمرحلة ما بعد اعتكاف الحريري حيث أعلن عدد من نواب المستقبل رغبتهم بخوض الانتخابات، على أن يعلنوا مواقفهم تباعاً بعد الرابع عشر من فبراير/ شباط.

وبحسب الشريف، فإنه وعلى الرغم من أن الترشيحات على المستوى الوطني لا ترقى إلى الإعلان عنها ولا عن العدد الخجول من المرشحين وأسمائهم، غير أن الغياب السني بات “فاضحاً من دون شك”، على حد تعبيره.

فلم يظهر على مسرح الأحداث إلا بهاء الحريري في توقيت لم يخدمه قط، فعادة ما يتعاطف الناس مع الضعيف أو المستضعف. وجاء الشقيق الأكبر في لحظة استضعاف للأصغر، فلم يحظ بعطف إطلاقاً. ولكن راهن عليه بعض ممن اعتادوا التحرك على إيقاع المال السياسي.

ويشير الشريف إلى أنه يصعب التكهن اليوم بمآل الجمود على الساحة السنيَّة ترشحاً واقتراعاً، وليست المسألة إحباطاً سنِّياً بالمعنى العملي، فالسُنَّة في لبنان، كما في كل محيطهم، شعروا بالإحباط منذ عقد ونيف، وذلك مع سقوط العراق بين الفكيْن الأمريكي والإيراني.

وازداد الوضع تعقيداً مع تحقيق حزب الله تقدماً مطرداً على الساحتيْن اللبنانية والسورية وصولاً إلى اليمن. ومع انكفاء دول الخليج عن التطلع قدماً لدعم أي قوة سنيَّة صاعدة.

وأضاف أن هذا وضع مرشح للاستمرار حتى موعد الانتخابات النيابية، إذا ما جرت، إلا إذا سُجل خرق كبير كتسوية إقليمية كبرى برعاية دولية- أمريكية بشكلٍ خاص، في خطوة من شأنها أن تدفع السعودية إلى العودة إلى المشرق العربي، شرط أن تتحقق بضع من الشروط الخليجية في اليمن وسوريا ولبنان.