لماذا اغتالوا رفيق الحريري؟

شارل جبور – الجمهورية

شكّل الشهيد رفيق الحريري علامة فارقة في الحياة السياسية اللبنانية التي دخلها من البوابة السعودية وكونه رجل أعمال كبير معني بإنهاء الحرب اللبنانية، ولم يدخل إلى المعترك السياسي اللبناني من البوابة التقليدية او كوريث لعائلة سياسية.




نجح رفيق الحريري منذ ترؤسه أولى حكوماته في ان يتحوّل إلى محور الحياة السياسية التي انقسمت بشكل او بآخر بين من معه ومن ضده، خصوصاً انه مع الإطباق السوري الكامل على لبنان تراجع حضور الملفات السياسية الساخنة التي شكّلت دوماً المادة الانقسامية الأساسية بين اللبنانيين والتي استعادت حضورها وتقدمها مع الانسحاب الإسرائيلي ورفع الكنيسة المارونية عنوان خروج الجيش السوري من لبنان.

ومع تراجع الانقسام السياسي الوجودي تصدّر مشروع الرئيس الحريري الإعماري الواجهة السياسية، وهو كان صاحب مشروع إعادة لبنان إلى زمن «سويسرا الشرق»، وتوقّع كغيره من المعنيين ان تقود مفاوضات السلام العربية-الإسرائيلية، التي انطلقت بدفع أميركي كبير، إلى السلام والاستقرار على مستوى المنطقة برمّتها. وعلى رغم انفراط مشروع السلام في المنطقة، واصَل مشروعه الإعماري في لبنان ناقلا بيروت من الدمار إلى الإعمار، وعاملا بين النقاط في ظل احتلال سوري من جهة، وتفويض هذا الاحتلال لـ»حزب الله» بالشق المسمّى مقاومة من جهة أخرى، ومعلوم مدى صعوبة الاستثمار في ظروف غير مستقرة ومفتوحة على الحرب المتواصلة.

والتقدُّم الذي عرفه لبنان بعد الحرب عائد إلى الحريري تحديدا، والدليل توقُّف هذا التقدُّم بعد اغتياله، لأنه يجمع بشخصه شبكة علاقات دولية واسعة، وطموحا غير محدود، وثقة بقدرته على تجاوز العوائق، وكونه شخصية غير عادية نجحت في فترة قصيرة في ان تتحول إلى الحدث السياسي ومحور الحياة الوطنية خصوصا انها لا تمارس السلطة من أجل السلطة، إنما تحمل مشروعا للبلد، وهذا المشروع بالذات تمّت مواجهته من قبل جماعات النظام السوري بهدف عرقلته وفرملته ومنعه من ان يأخذ مداه، ولكن لماذا قرّر محور الممانعة اغتيال الحريري الذي لم يصل يوماً إلى حد المطالبة والمجاهرة بخروج الجيش السوري؟ وما الخطر الذي شكّله عليه حتى اتخذ قرار التخلُّص منه؟ ولماذا لم يتمكن هذا المحور من مواصلة التعايش مع الحريري؟

في محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات يمكن الحديث عن ثلاثة احتمالات وراء اغتيال الحريري:

الاحتمال الأول يعود إلى نقل السلطة في سوريا من الأب إلى الابن، فالعلاقة بين الحريري الأب والأسد الأب كانت جيدة، وبدأت الحرب الفعلية على رفيق الحريري قبل موت حافظ الأسد بسنتين، اي منذ لحظة بدء تسليم نجله لمقاليد السلطة، لأنّ بشار لا يستطيع ان يتحمّل شخصية بحجم رفيق الحريري تتمتّع بقدرات ذاتية وتمثيل سنّي في لبنان غير مسبوق وعمق سعودي وشبكة علاقات مع رؤساء الدول وتحولها إلى قيادة إقليمية على رغم مقولة الشهيد «ما حدا أكبر من بلده»، وقد تكون إحدى توصيات الأسد الأب قبل رحيله بضرورة تطويق الحريري بالحد الأدنى، والتخلُّص منه بالحد الأقصى، لأنه يمثِّل حالة لن يتمكن نجله من استيعابها.

والخشية السورية من الحريري انه لم يعد تلك الشخصية التي تم ترئيسها أولى الحكومات بعد مقاطعة غير مسبوقة ودورها ينحصر في امتصاص الوضع ونقله إلى مرحلة جديدة، إنما أصبحت تشكل خطرا على الوجود السوري في لبنان، وهو وجود بنظر قيادته يجب ان يتحول إلى أبدي ترجمة لعقيدة النظام بأن لبنان هو جزء من سوريا و»تم سَلخه من قبل الاستعمار»، فيما دور الحريري الخارجي أعطى لهذا البلد وزناً سياسياً دولياً خلافاً لتوَجّه القيادة البعثية بأن قرار بيروت يجب ان يبقى في دمشق، وبالتالي الخشية كانت من انّ وزن الحريري اللبناني والعربي والدولي بات يشكل خطراً على الوجود السوري في لبنان، وانه في اي مرحلة تحولات خارجية كبرى يمكن ان يستفيد منها الحريري لتحويل اللبننة الدولية إلى سيادة داخلية.

الاحتمال الثاني انه بعد أحداث 11 أيلول وإسقاط نظامي صدام وطالبان وسقوط الحاجز العراقي أمام التمدُّد الإيراني في المنطقة أصبح وزن الحريري السني والعربي والدولي يشكل عائقا أمام هذا التمدُّد، ودوره كان طاغياً على دور «حزب الله» المحصور بالمقاومة، والدور السعودي من خلال الحريري كان طاغياً على الدور الإيراني، وبالتالي السنية السياسية التي مثّلها الحريري كانت طاغية على الشيعية السياسية.

وما يجدر التوقُّف عنده على هذا المستوى ان السنّية السياسية مع رفيق الحريري شكلت استمرارا للمارونية السياسية إن من زاوية دور لبنان الخارجي، او من ناحية الإعمار والازدهار ونمط العيش والاستقرار، ولم يتمكن الحريري من الذهاب أبعد من ذلك بسبب الاحتلال السوري وسلاح «حزب الله»، وبالتالي الحريرية هي حالة ميثاقية لبنانية وشكلت استمراراً لحقبة الجمهورية الأولى، فيما الشيعية السياسية التي يمثلها الحزب حالة انقلابية على الميثاق والجمهورية والدستور والهوية اللبنانية، والتخلُّص من الحريري شكل هدفا في مرحلة التمدُّد الإيراني من أجل إزاحة الحاجز اللبناني الممثّل برفيق الحريري على غرار إزاحة الحاجز العراقي.

الاحتمال الثالث يتعلّق بمجموعة الأحداث التي أعقبت إسقاط النظام العراقي ووصول الحرب الأميركية على الحدود السورية وإقرار قانون محاسبة سوريا واتفاق النورماندي بين الرئيسين جورج بوش وجاك شيراك والقرار 1559 وإنهاء أميركا تلزيم لبنان لسوريا، فاعتقد محور الممانعة ان التخلُّص من الحريري يجمِّد التوجُّه الأميركي بإنهاء التلزيم السوري ويُعيد خلط الأوراق من باب الحاجة إلى الوجود السوري لمنع الحرب الأهلية، ولكن حصل ما لم يكن في حسبان محور الممانعة، حيث ان اغتيال الحريري أدى إلى مزيد من توحيد اللبنانيين ضد هذا المحور وليس إلى تفرقتهم، كما أدى إلى مزيد من الإصرار الدولي على خروج الجيش السوري الذي ما لبث ان خرج بعد أقل من ثلاثة أشهر على اغتيال الحريري.

وعليه، فإن اغتيال الحريري حصل بسبب احتمال من هذه الاحتمالات او بسببها مجتمعة، لأن وزنه الشخصي اللبناني والسني والعربي والدولي أصبح يشكل خطراً على استمرار الوجود السوري، وعائقاً أمام التمدُّد الإيراني الساعي لتغيير هوية لبنان، فقرروا التخلُّص منه تحقيقاً لهدفين أساسيين: بقاء الجيش السوري، ونقل لبنان إلى مرحلة الشيعية السياسية غير الممكنة في ظل الحريرية السياسية، وهذه الشيعية تعني البؤس والفقر والحرمان والعزلة والفوضى وعدم الاستقرار، فيما الحريرية كانت النقيض وأحيت لبنان القديم بتألقه وازدهاره.

ويسجّل للشهيد رفيق الحريري انه نقل أولويات السنّة من العروبة إلى اللبننة وبما لا يتناقض بين العروبة واللبننة، وانه شكل استمرارا للبنان الميثاق، وانه أعاد إحياء دور لبنان-الجسر ولبنان-سويسرا الشرق.