ليا غسان سلامة في: «نساء نافذات» النسوية والروابط العائلية الوثيقة ليسا خيارين متناقضين

الكاتبة ومقدمة البرامج اللبنانية ـ الفرنسية الجنسية ليا سلامة قررت أن تؤلف كتاباً عن مجموعة من النساء الفرنسيات المؤثرات والفاعلات في مجتمع بلدهن وفي المجتمع الغربي عموماً وربما لاستخدامه كنموذج للمقارنة مع أوضاع النساء عموماً في العالم.

وقد اختارت المؤلفة 12 امرأة برزن في قطاعات مختلفة وأجرت معهن مقابلات طرحت خلالها أسئلة عن حياتهن ونتاجهن، وحققت من خلالها كتاباً بالفرنسية بعنوان: «نساء نافذات». وكتبت فيما بعد ملحقاً يشمل نساء أخريات، عن مواضيع مشابهة. ولعل من المفيد مقارنة طرق عمل وتفكير ورؤية الأمور لدى بعض أفراد هذه الحفنة المختارة من الفرنسيات في الكتاب الأول مع طرق عمل وتفكير نساء في مجتمعات أخرى، بينها مجتمع الشرق الأوسط، وعلاقتهن بعائلاتهن ومجتمعاتهن.




تبدأ سلامة كتابها بعرض نبذة عن حياتها الشخصية وعن اختباراتها خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي دفعت عائلتها إلى الهجرة إلى فرنسا والعودة إلى لبنان (في أكثر من مناسبة) ما أكسبها تنوعاً في هويتها وثقافة متعددة الوجوه خصوصاً ان والدها هو الدكتور غسان سلامة، الأستاذ في جامعة السوربون الفرنسية ووزير الثقافة اللبناني السابق والمبعوث الأممي في السنوات الأخيرة للمساهمة في حل أزمة ليبيا، ووالدتها اللبنانية ـ الأرمنية من عائلة تُشرف على مؤسسة إنسانية ثقافية (مؤسسة بوغوصيان) تدعم المثقفين المبدعين من أرمن وعرب ولبنانيين وأوروبيين وجنسيات أخرى.

تقول سلامة في الفصل الأول بعنوان: «أتيتُ من مكانٍ بعيد» إنها ولدت في بيروت نهاية سبعينيات القرن الماضي عندما كانت العاصمة اللبنانية تخضع لقصف القنابل من الجهات المتقاتلة، ولدى اضطرارها وعائلتها بعد ذلك إلى اللجوء في الملاجئ والغرف الآمنة في كثير من الأحيان وخصوصاً في طفولتها. وتؤكد ان كثيرا من اللبنانيين عاشوا تلك المرحلة الصعبة، وأنها منذ ان كانت في الخامسة من عمرها أدركت بأن «الوجود الإنساني يشكل معركة، وعلى الإنسان أن يكون محصناً لخوضها». كما تشير إلى انه لدى اجتياح الجيش الإسرائيلي لبيروت (وخصوصاً منطقة الحمراء في رأس بيروت حيث كانت عائلتها تسكن في مطلع وبداية ثمانينيات القرن الماضي) قررت العائلة ان تهاجر إلى فرنسا للمرة الأولى. وبما انها كانت طفلة عندما توالت هذه الأحداث فإن فترة دراستها وثقافتها في صباها كانت في فرنسا. ومع مرور السنوات أصبحت تشعر بأن فرنسا تشكل جزءا أساسياً من حياتها، ولكن من دون فقدان هويتها اللبنانية الشرقية. وهذه قضية عاشتها، وما زالت برغم أنها أصبحت إحدى أهم مقدمات البرامج في فرنسا وتؤكد بانه ما زال سؤالها لنفسها حول طبيعة هويتها يؤثر على حياتها وعملها، وهي لا تقلق بسبب ذلك، ولذلك اختارت إحدى النساء اللواتي قابلتهن الكاتبة المغربية الأصل ليلى سليماني، كإنسانة مرت باختبارات شبيهة باختباراتها على الصعيدين الثقافي والشخصي العائلي.

وأهم عنصر تشابه في مقابلتها مع ليلى سليماني، الحائزة على جائزة «الغونكور» الأدبية الفرنسية وهي في الـ35 من عمرها، أنهما تأثرتا بشكل كبير بشخصية والد كلاً منهما. تقول سلامة عن تأثرها بتربية والدها غسان سلامة لها: «أن والدي علمني حقيقة النسوية، أنا وأختي، وهي أن نكون قادرتين على إتخاذ المواقف بحرية في هذه الحياة وألا نضطر للخضوع مادياً وسيكولوجياً لأي شخص، وخصوصاً إذا كان سيسلبنا حريتنا. إن والدي كان نسوياً في قيمه وأخلاقياته، ونحن اكتسبنا النسوية منه» (ص19).

وأضافت: «كما اقتنعت شخصياً بضرورة القيام بمهمة الإثبات بان النسوية الحقيقية موجودة في المجتمعات الشرقية كما في المجتمعات الغربية وان في شكل مختلف».

ليلى سليماني التي نالت جائزة «الغونكور» عام 2016 على كتابها «الأغنية الناعمة» قالت للمؤلفة ان الفرنسيين عموماً يحترمون المهاجرين العرب في بلادهم الذين يندمجون في الثقافة الفرنسية ولكن يحتفظون بهويتهم الحضارية العربية باستثناء بعض العنصريين ومن يشجعونهم بين السياسيين.

ولدى سؤالها عن علاقتها بوالدها قالت سليماني: «والدي عثمان سليماني كان وزيرا للمال في المغرب، وهو في الثلاثين من عمره (أصغر وزير في تاريخ البلد آنذاك) وهو من مدينة فاس ومن عائلة متواضعة مادياً. ونجاحه مدرسياً أهله لدخول مدارس وجامعات جيدة، وكان يؤمن بالتعليم والقراءة والثقافة. ولكن عندما حدثت عمليات تطهير سياسية، إتُهم زوراً وبانحياز بالفساد وسُجن وهو في الواحدة والستين من عمره. وهذا ما أثر عليه سلباً وإنسانياً فقرر الاعتكاف والقراءة برغم مواهبه وأخلاقياته وشخصيته. وأنا في كل مواقفي أحاول تحصيل حقوقه والانتقام له وخصوصاً في كتاباتي» (ص 41). وتُضيف: «لقد علمني والدي الشجاعة في اتخاذ المواقف وعدم التزلف لنيل المناصب القيادية العليا في سبيل الظهور. وأنا رفضت منصباً وزارياً (وزيرة الثقافة) عرضه عليّ الرئيس ايمانويل ماكرون وفضلتُ الاعتكاف والكتابة، كما فعل والدي، بدلاً من قضاء وقتي في المناسبات الاجتماعية وفي خوض المناكفات السياسية. أفضل الهدوء والصمت والتعبير عن نفسي بواسطة الكتابة والقراءة والتثقف» (ص 42). وأشارت إلى تأثرها بكاتبات فرنسيات على شاكلة سيمون دوبوفوار وسيمون فيل وبالكاتبة والمفكرة المغربية فاطمة المرنيسي.

وأوضحت أنها ترفض انتقاد اللواتي يخترن ان يلبسن الحجاب بقرار حرٍ منهن، ولكنها تعارض ان يُفرض هذا القرار على الفتيات والسيدات بالتهديد والقوة (ص 49).

واعتبرت سليماني ان من الخطأ في النسوية الاتجاه نحو كرهِ الرجال عموماً، وقالت بان هناك جهات يهمها إحداث مواجهات وخلافات وحروب بين النساء والرجال، وهذا ليس معنى النسوية بالنسبة لها، وبأن تأثير محبتها لوالدها لعب دوراً في هذا المجال، وان المرحلة المقبلة قد تشهد «ثورة رجالية» بالمعنى الإيجابي نحو الوئام وتكامل الأدوار بين الرجال والنساء نحو الأفضل.

وفي ردها على سؤال للكاتبة إذا كانت نسوية التوجه، قالت: «نعم، وهناك خطوات مطلوب القيام بها وتنفيذها للدفاع عن حقوق المرأة في بعض بلدان الشرق الأوسط والعالم العربي لتعديل القوانين المتبعة، وتعديل هذه القوانين أمر حياة أو موت» (ص 50).

أما أهم ما قالته كريستين توبيرا، المرشحة سابقاً وحالياً لرئاسة الجمهورية الفرنسية، وهي يسارية التوجه سياسياً ومن ذوي البشرة السمراء، هو ان المجتمع الفرنسي والأوروبي عموماً: «يوضح للناجحات والنافذات في حقولهن السياسية والفكرية والفنية بان هناك سقفاً يجب ألا يتجاوزنه» (ص 79). ووصفت وضعها كآتية من أصلٍ فقير أفريقي في مجتمع أوروبي كفرنسا بقولها: «أن النسوية الأوروبية تختلف عن النسوية الأفريقية حيث الصراع في الحالة الثانية ليس جندرياً فحسب بل هو صراع لون بشرة سمراء ضد لون بشرة بيضاء (يعني صراع عنصري) وعلى النساء خوضه، وصراع فقيرات ضد غنيات. أنني أشجب جميع هذه الفروقات ولا أريدها لنفسي ولا لغيري».

وسألتها سلامة: «عندما تسلمتِ منصب وزيرة العدل الفرنسية هل واجهتِ تعاملات تفرقة عنصرية؟» فأجابت: «أنا قوية جداً لأن ضميري وأخلاقياتي يساعداني في مواجهة مثل هذه التصرفات العنصرية التي نعم حدثت، وفي الأوساط السياسية الفرنسية تحدث مثل هذه الممارسات من قبل الرجال ضد النساء، ومن المطلوب ضبطها وتعديلها ومنعها. ولقد ازدادت بعد فترة استقلال المستعمرات الفرنسية عما كانت قبلها إذ تمثلت الفرنسيات من مستعمرات على شاكلة غيانا والسنغال وغواديلوب وغيرها في مناصب حكومية عليا قبل زوال الاستعمار وبشكل أفضل من تمثيلهن في الوضع الحالي بعد الاستعمار» (ص 81 ـ 82).

وأضافت: «ان الديمقراطية تراجعت في فرنسا وخصوصاً بعد تصاعد شعبيات أحزاب عنصرية تفرق بين الفرنسيين» وكانت ترد على سؤال حول رأيها في المرشح لرئاسة الجمهورية إريك زيمور، الذي يُعتبر أكثر عنصرية حتى من قادة حزب «الجبهة الوطنية الفرنسية» بقيادة مارين لوبن، ودعت إلى المزيد من الحوار حول القضايا العنصرية.

كما نوهت في نهاية اللقاء ببعض الشخصيات العالمية التي استطاعت تجاوز العنصرية عموماً والتمييز ضد المرأة خصوصاً كميشيل أوباما زوجة الرئيس باراك أوباما وانغيلا ميركيل وميشيل باشليه وغرو هارلم برونتلاند.

أما لاعبة كرة المضرب الفرنسية البارزة آميلي موريسمو التي فازت بألقاب عالمية لم تحرزها أي لاعبة فرنسية أخرى كإحراز البطولات الأربع الأهم في هذه اللعبة في عام واحد وتصدّر الترتيب العالمي والتحول إلى مدربة للمنتخب الفرنسي في كرة المضرب ولبعض اللاعبين الرجال كالبطل البريطاني آندي ماري، فقالت ردا على سؤال إذا كانت أمرأة نافذة وقوية: «كلا، فمع أني حققت نتائج بارزة في لعبة كرة المضرب بين عامي 1999 و2009 فانا أفضل الابتعاد عن الأضواء والشهرة والعمل بشكل فردي وفعال ولكن من دون ضجة إعلامية (ص 217).

ولدى سؤالها إذا كانت تأمل بأن يصبح أولادها أبطالاً على شاكلتها قالت: «يهمني ان يمارسوا الرياضة لأنها ذات منفعة للجسد والعقل والروح ولكنني لا أكترث إذا أصبحوا أبطالاً أو لم يحققوا النتائج الباهرة» (ص 219).

وبالنسبة لحقوق المرأة وتراجعها في بعض بلدان العالم قالت موريسمو إنها «قلقة بالنسبة لهذا الموضوع وخصوصاً في بلدان كانت قد حققت بعض التقدم في هذا المجال بعد انتفاضات شعبية ثم عادت وتراجعت» (ص 229).
وعبّرت عن احترامها الكبير للاعب الفرنسي في كرة المضرب يانيك نواه الذي فاز في البطولة الفرنسية المفتوحة رولان غاروس عام 1983 وكان مثَلها الأعلى في تواضعه وتشجيعه لها برغم انتمائها إلى الحركة النسوية.

كما عبرت الكاتبة والمفكرة الإنسانية اليزابيت بادينتر عن احترامها الكبير لزوجها الكاتب الشهير روبير بادينتر الذي دعمها في شتى المجالات كزوج وزميل. وقالت الأمر نفسه صوفي دو كلوزيت التي أصبحت الرئيسة والمديرة التنفيذية لدار النشر الفرنسية «فايارد» وهي في الخامسة والثلاثين من عمرها، وقالت انه لولا دعمه لما نجحت في القيام بهذه المهمة التي تطلبت مجهوداً كبيراً منها وهي في مقتبل عمرها، وانه أتاح لها استقلاليتها ما ساهم في إدارتها المثمرة لهذه المؤسسة البارزة التي نشرت مؤخراً كتاب مذكرات ميشيل أوباما الذي حقق انتشاراً كبيراً وأرباحاً ضخمة للمؤسسة. ونوهت صوفي بميشيل أوباما وبدورها كمثلٍ أعلى لنساء العالم النافذات والمؤثرات مؤكدة بان دعم ميشيل لزوجها باراك أوباما ساهم في نجاحه، كما يساهم دعم الأزواج والزوجات لبعضهم الآخر في جعلهم يحققون النجاح والنفوذ على أعلى المستويات وهذا ينطبق أيضا على دعم الأهل لأولادهم، كما في وضع المؤلفة ليا سلامة وليلى سليماني.