رفيق الحريري حين واجه الوصاية في 2005… ماذا لو كان حاضراً بموقعه في الوضع اللبناني البائس!

ابراهيم حيدر – النهار

تختلف الظروف في البلد اليوم عن الفترة التي سبقت اغتيال الرئيس #رفيق الحريري في 14 شباط 2005، لكنها تتقاطع وتتشابه أيضاً في ارتباط لبنان بالوضعين الإقليمي والدولي، وبالصراع الذي أدى إلى اتخاذ قرار بتصفية الحريري الأب وإزاحته من المشهد، وهو الذي كان يمثل مرجعية ليس في بيئته السنية السياسية وحسب، إنما على المستوى اللبناني، وشكل حالة استقطاب في وجه الوصاية السورية أنذاك وحلفائها. الفارق اليوم عن تلك المرحلة هو أن لبنان على أبواب الانهيار الاخير والإفلاس الذي أطاح بمقومات الدولة، فيما الهيمنة القائمة التي يمثلها تحالف رئيس الجمهورية #ميشال عون و”#حزب الله” نجح في سلخ البلد من انتمائه العربي وكسر اتفاق الطائف فيما البلد يتفكك وصيغته باتت مطروحة على بساط البحث وصولاً إلى إعادة تركيب النظام وتغيير توازناته.




تحل 14 شباط ذكرى اغتيال رفيق الحريري هذه السنة، بعد قرار نجله #سعد الحريري تعليق عمله السياسي وعزوفه عن خوض الانتخابات النيابية ووقف كل نشاطات تيار المستقبل، فيما يسعى نجله الاكبر بهاء لتبوؤ موقع سياسي من دون أن يكون حتى الآن لديه الأرضية المناسبة والفاعلية للتأثير، فيما البيئة السنية تعاني من الفوضى والضياع بغياب مرجعية قادرة على التعبئة وشد العصب، وهي الحالة التي كان يمثلها الشهيد رفيق الحريري قبل اغتياله وخلال المراحل الصعبة منذ تسعينات القرن الماضي والتي خاض فيها معارك داخلية وخارجية ونجح في مواجهة قرارات عزله وإضعافه، وذلك على الرغم من التنازلات الكثيرة التي كان يقدمها للتسويات، والتحالفات التي أفضت إلى تركيبات سياسية وطائفية ملتبسة تحت وصاية #النظام السوري.

لم تكن الظروف مواتية بعد العام 2005 ليتمكن الوريث السياسي سعد الحريري من تولي مهمة بحجم ما كان يقوم به الحريري الأب. اغتيال رفيق الحريري لم يكن منفصلاً عن جملة الأوضاع السياسية التي كانت سائدة في تلك المرحلة، إذ إن الضغوط كانت على أشدها من النظام السوري لإسكات الأصوات التي بدأت تطالب برفع الوصاية عن البلد، حتى أن الحريري نفسه شارك في مؤتمر البريستول للمعارضة اللبنانية عام 2004 وطالب بانسحاب الجيش السوري من لبنان، في وقت كان “حزب الله” يشكل رأس الحربة في مواجهة المناخ اللبناني ضد النظام السوري، فتعرّض رفيق الحريري لضغوط كبرى وتهديدات من مسؤولين سوريين وضباط أمنيين ووزراء في النظام السوري، ولم تكن علاقته بـ”الحزب” جيدة قبل الاغتيال ولا برأس النظام اللبناني آنذاك الرئيس إميل لحود. لذا ورث سعد الحريري الذي ترأس أولى الحكومات في عام 2008 بعد فترة انتقالية تولى رئاسة الحكومة فيها الرئيس #فؤاد السنيورة، ثم أُسقطت حكومته من الهيمنة الجديدة لـ”حزب الله” في 2010 لتدخل المنطقة بعد 2011 في أتون الربيع العربي الذي انعكس على لبنان من بوابة الازمة السورية وتغير الوصاية التي مثلها “الحزب” باسم الإيرانيين.

قرر الرئيس سعد الحريري العزوف عن المشاركة في الانتخابات وعلّق عمله السياسي. في خطابه تذكر والده الشهيد رفيق الحريري وخاطبه في هذه الظروف الصعبة. لا تُعرف الأسباب الحقيقية لقرار الحريري، إن كانت بفعل تهديدات أو ضغوط داخلية وخارجية، علماً أن الوضع العربي اليوم يختلف عما قبل 2005، في سوريا وكذلك موقع المملكة العربية السعودية والخليج. موقع الحريرية لم يعد هو ذاته أيضاً، فرفيق الحريري كان يستند في المواجهة إلى موقع الفعل في ميادين عديدة. لم يكن المطلوب الإبن استنساخ التجربة ذاتها للحريري الاب، لكنه كان يمكنه خوض معركة الحفاظ على اتفاق الطائف وتكريس معادلة لا يمكن القفز عنها كما فعل الشهيد خلال محطات مفصلية في تاريخ لبنان.

يُدرك سعد الحريري أن السنوات الماضية مثلاً لم تنتج شخصيات سنية قادرة على الفعل السياسي ولا شخصيات مناطقية في البيئة السنية لها حضور شعبي وازن. الامر الأساسي أن الحالة السياسية السنية استمدت قوتها من موقع الشهيد الذي كرّسه على مستوى البلد. وفي هذا الوضع المزري الذي يمر به لبنان، وجوده مهدد وكيانيته مفككة، ما كان الأب لو كان موجوداً لينسحب من الحياة السياسية، وهناك محطات مفصلية واجه فيها كل الضغوط والتهديدات وأعاد ترتيب أوراقه مرتكزاً على رصيد شعبي كبير، ليس سعد الحريري بعيداً منه اصلاً. صحيح أن الاب سار في التمديد في 2004 لإميل لحود لكنه كان يعمل على تأسيس قوة لبنانية لمواجهة الوصاية وكان يُتوقع أن يحصد أكثرية نيابية قبل أن تمتد يد الإجرام لاغتياله في 14 شباط 2005.

حتى لو كان الحريري خارج الحكم، فإنه لا يستقيل من الحياة السياسية كي لا يخسر مزيداً من رصيده. البحث عن تسوية سياسية كان يتم دوماً من موقع القوة. في عام 1998 مثلاً عند تأليف حكومة الرئيس سليم الحص في عهد الرئيس الأسبق إميل لحود، اعتذر الرئيس رفيق الحريري وكان البلد تحت الوصاية السورية، فنشبت حرب كان هدفها إضعافه واسقاطه شعبياً، لكنه نجح في تحويل عزله الى قوة شعبية اكتسح خلالها مقاعد الانتخابات النيابية في بيروت عام 2000. وإذا كانت الوصاية اليوم هي لـ”حزب الله”، فإنها لم تكن ممكنة لو كان الوزن السياسي لرفيق الحريري سنياً ولبنانياً ما زال قائماً، فالعزوف والخروج من الحياة السياسية لا يفيد في المرحلة الراهنة لا في البيئة السنية، ولا لبنانياً.

صحيح أن سعد الحريري قرر الاعتذار بعد عشرة اشهر على تكليفه برئاسة الحكومة، قبل إعادة تسمية نجيب ميقاتي، لكن قرار الاعتذار تأخر كثيراً، دفع معه خسائر أخذت الكثير من رصيده.

في 20 تشرين الأول 2004 قدم الرئيس الشهيد استقالة حكومته الى الرئيس إميل لحود معتذراً أيضاً عن عدم ترشحه لرئاسة الحكومة المقبلة، ومبرراً ذلك بما سماه “اصطدام الاهداف” التي سعى لتحقيقها “بوقائع سياسية معروفة”. جاء ذلك بعد اقرار مجلس النواب تمديد ولاية لحود ثلاث سنوات. انصرف وقتها الحريري الأب لمواجهة واقع الوصاية والهيمنة بإعادة تنظيم أوضاعه في الطائفة ولبنانياً. الامر لم يحصل مع سعد الحريري، إذ كان متوقعاً عند اعتذاره الأخير أن يخوض معركة المواجهة رغم كل الأخطار. حدث ذلك أيضاً في 1998، رغم أن الوضع كان مختلفاً.

كان رفيق الحريري قادر على مواجهة الاستعصاء الذي يمنع انتاج تسوية داخلية، ويواجه مصادرة الصلاحيات ويكرس التوازن في السلطات ومن بينها حقوق الطوائف، إن كان إميل لحود في الرئاسة أو ميشال عون بنسخة اليوم، والذي يسعى لاستعادة صلاحيات شبه مطلقة وكسر توازنات الطائف والتحكم بالسلطة التنفيذية وسحب بعض صلاحيات مجلس النواب. لم يكن رفيق الحريري ليسمح بأن يذهب البلد ضحية مشاريع انتحارية تطيح بلبنان كصيغة وككيان…