شارع الحمرا.. كيف تغيرت ملامح قلب بيروت النابض؟

من متجر الموسيقى الصغير الخاص به في شارع الحمرا في بيروت، شهد، ميشال عيد، أزمات لبنان وخروجه منها من خلال الأحوال المتغيرة لهذا الشارع الشهير على مدار أكثر من 60 عاما.

كان شارع الحمرا يمثل كل ما كان ساحرا في بيروت خلال حقبة الستينيات والسبعينيات: أشهر دور السينما والمسارح في لبنان، ومقاهِ يرتادها مثقفون وفنانون، ومتاجر فاخرة تعرض وتبيع أفضل ما يمكن اقتناؤه، مواكبا لأحدث ما في العالم.




فقد شهد الشارع انتعاشا في الماضي من خلال سلسلة متاجر دولية وحانات ومطاعم نابضة بالحياة.

أما الآن فقد تم إغلاق العديد من متاجره، وبات لاجئون سوريون، ولبنانيون يتسولون على أرصفته، كما تتراكم القمامة على أركانه: فمثل بقية أنحاء لبنان، اجتاح الانهيار الاقتصادي الشارع كعاصفة مدمرة.

في الثامنة والثمانين من عمره يتذكر عيد الأوقات العصيبة خلال الحرب الأهلية اللبنانية 1975-1990، عندما شهد شارع الحمرا قتالا بين الميليشيات، واغتيالات في مقاهيه، واجتياح القوات الإسرائيلية. ويقول: “لم نشهد شيئا بهذا القدر من السوء كما نشهده الآن. لقد وصلنا إلى الحضيض”.

Michel Eid, 88, works in his music shop, on Hamra street, in Beirut, Lebanon, Wednesday, Jan. 12, 2022. From his small music…
ميشال عيد صاحب متجر لبيع أشرطة الموسيقى في الشارع الشهير

وجاء الانهيار الاقتصادي في لبنان كإحدى تبعات حقبة ما بعد الحرب في البلاد. فقد أصبح قادة الميليشيات أبان الحرب هم القيادة السياسيون، واستمروا في السلطة منذ ذلك الحين. وتمكنوا في بعض الاحيان من إدارة اقتصاد مزدهر، لكنه واقعيا كان مخطط بونزي، استشرى فيه الفساد وسوء الإدارة.

وبدأ الانهيار في أكتوبر 2019، لما يسميها البنك الدولي “واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر”. فقد انهارت قيمة العملة، وبالتالي فقدت الرواتب قوتها الشرائية، وأصبح الوصول إلى العملة الاجنبية، خاصة الدولارات، في المصارف غير متاح، وارتفعت الأسعار بشكل جنوني.

وبناء على كل ذلك بات نحو 82 بالمئة من اللبنانيين يعيشون في فقر، وفق إحصائيات الأمم المتحدة.

آثار الأزمة الاقتصادية

ويظهر أثر الأزمة في شارع الحمرا، فقد أغلقت العديد من المتاجر أبوابها؛ لأن أصحابها لم يعودوا قادرين على تحمل إيجارات مرتفعة وفواتير شهرية ضخمة لمولدات الكهرباء الخاصة. وفور حلول الظلام تغلق المتاجر، أو من ما زال يعمل منها. وكذلك أصبح العديد من مصابيح الشوارع لا يعمل بسبب انقطاع التيار الكهربائي.

خلال ذروة الستينيات والسبعينيات كان شارع الحمرا قلب أناقة عصر ما قبل الحرب اللبنانية، وكان يسمى “شانزليزيه بيروت”. وكان السائحون العرب والأوروبيون والاميركيون يتوافدون على متاجره ومطاعمه وحاناته الشهيرة.

كما كان في الحمرا أرقى دور السينما في العاصمة. ففي مسرح بيكاديللي غنت فيروز، وكان بامكانك أن ترى المغنية العالمية داليدا تتجول فيه قبل تقديم أحد عروضها. كذلك أقام نجوم عالميون حفلات في لبنان، منهم لويس أرمسترونغ وبول أنكا.

Beggars sit in front of shops that close for ever after the economy crisis, at the commercial Hamra Street, in Beirut, Lebanon,…
هكذا بات قلب بيروت النابض بالحياة

ويقع شارع الحمرا في حي رأس بيروت غربي العاصمة وكان ولا يزال مكانا يتعايش فيه المسيحيون والمسلمون جنبا إلى جنب. كانت مقاهيه استراحة وملتقى للفنانين والمثقفين والنشطاء السياسيين، تهيمن عليهم الأفكار اليسارية والعلمانية والقومية العربية في ذلك الحين.

يقول محمد رئيس، الذي يعمل في الشارع منذ أوائل السبعينيات، ويمتلك ثلاثة متاجر للملابس هناك، “الحمرا شارع دولي”، وهو جالس في مقهى كان يسمى في السبعينيات “هورس شو”.

وأشار إلى ركن كان يجلس فيه اثنان من أعظم المطربين العرب في ذلك الوقت، عبدالحليم حافظ وفريد الأطرش، بانتظام، إلى جانب الشاعر نزار قباني . وأنهت الحرب الأهلية تلك الحقبة الذهبية، وألحق القتال أضرارا جسيمة بالشارع.

بعد الحرب انتقل مركز التجارة والتسوق الدولي في بيروت إلى وسط المدينة الذي تم تجديده. لكن شارع الحمرا شهد تطويرا كبيرا مستهل العقد الأول من القرن الحالي، إذ تم تحديث منظومات المياه والصرف الصحي والكهرباء، ما غذى انتعاشا للشارع خلال السنوات الخمس عشرة الماضية. فقد افتتحت سلاسل متاجر ومقاه دولية مثل نايكي وستاربكس، إضافة إلى مطاعم جديدة، منها مطاعم افتتحها سوريون فارون من الحرب الأهلية في بلادهم.

ونحت الموجة الجديدة جانبا العديد من رموز المنطقة قبل الحرب، فحل محل مقهى مودكا الشهير، مصرف. وافتتح مطعم ماكدونالدز محل مطعم فيصل، الذي كان يفضله اليساريون العرب، أما مسرح البيكاديللي فبات مهجورا.

لكن الشارع اجتذب جيلا جديدا من الشباب جلب معه الروح التقدمية لثورات الربيع العربي لعام 2011. ومرة أخرى ازدان الشارع بالحانات، استقطب أحدها، مترو المدينة، حشودا من الشباب من خلال عروض حية لموسيقى عربية قديمة من القرن الماضي.

ولا يزال شارع الحمرا مكتظا خلال النهار، فالآلاف يأتون للعلاج في مراكزه الطبية،أو للدراسة في الجامعة الأميركية القريبة، وهي إحدى أفضل المؤسسات التعليمية في الشرق الأوسط. إلا أن إيلي ربيز يقول “الحمرا ليست حمرا الماضي”.

ربيز (70 عاما) يعمل مصففا للشعر للنخبة في الحمرا منذ عام 1962. وكان من بين عملائه المنتظمين رجل الأعمال السعودي الراحل عدنان خاشقجي. وقد وسع ربيز نشاطه التجاري قبل 20 عاما ليشمل الملابس الرجالية.

Elie Rbeiz, 70, a hair dresser speaks with a costumer as he shaves for him, at his shop in Hmara street, in Beirut, Lebanon,…
ربيز يعمل مصففا للشعر للنخبة

لكن الآن في ظل الأزمة الاقتصادية، انخفضت مبيعاته 60 بالمئة. إلا أن ربيز يؤمن بأن شارع الحمرا سيعود لسابق عهده، ويقول إن متجره تعرض للتفجير خلال الحرب الأهلية وأنه أصلحه وأعاد افتتاحه. وقال: “لم أستسلم حينها ولن أستسلم الآن. مطلقا”. لكن ليس الجميع على هذا القدر من التفاؤل.

فعيد، مثلا، افتتح متجر الموسيقى الخاص به في الحمرا عام 1958، وسيغلقه عندما يتوقف عن العمل، حسبما يقول. ويضيف أن ابنيه يعيشان في الخارج، وإذا كانوا لا يريدون التسجيلات البالغ عددها 4500، فسوف يتبرع بها.

وردا على سؤال “هل سيزدهر شارع الحمرا مجددا؟”، يجيب قائلا: “أبدا أبدا”. لكنه لن يغادر. والسبب كما قال هو أن “شارع الحمرا هو الأوكسجين الذي أتنفسه. نشأت في شارع الحمرا وسأنهي حياتي هنا”.