هل لا يزال الغرب قادراً على ردع روسيا؟ – إياد أبو شقرا – الشرق الأوسط

بينما تتجه أنظار العالم إلى أوكرانيا، ويحبس المتابعون أنفاسهم بانتظار ما سيقرره فلاديمير بوتين إزاء «جارة» روسيا الغربية، تتنامى في كبريات الدول الغربية الحركة المناهضة للتلقيح ضد الفيروسات وفي طليعتها «كوفيد – 19».

ففي دول لم تكن في قلب المعمعة مع الفيروس قبل أشهر قليلة، مثل كندا ونيوزيلندا، يقطع المتظاهرون المناهضون للتلقيح الطرق ويشلون الحياة الطبيعية ويدفعون الساسة إلى زاوية خيارين: إما الاستسلام لشعبوية متطرفة معادية للعلم… أو ممارسة الحكومات واجبها بالحفاظ على صحة المجتمع والأمن العام وسيادة القانون.




يبدو لي كمراقب، أن ثمة صلة وثيقة بين عرض «سيد الكرملين» عضلاته على الحدود الروسية الأوكرانية وتزايد الضغط الشعبَوي في الغرب ضد التلقيح. ولئن كانت الاعتبارات «القومية» السلافية وتَوق الكرملين إلى إعادة كتابة تاريخ روسيا – بعد مهانة سقوط الاتحاد السوفياتي – يشكلان الدافع الأقوى وراء «الغزوة» الأوكرانية الموعودة، فإن «الحرب الدفاعية» التي تخوضها الديمقراطية ضد ما يراه كثيرون «فاشية جديدة» تبدو اليوم السمة الغالبة على الواقع السياسي الغربي.

فلاديمير بوتين، السياسي وضابط الاستخبارات، نتاج تنشئة أسهمت فيها عوامل الجغرافيا والهوية والسلطة والبيئة. فهو أولاً ابن مدينة بطرسبرغ، المدينة التي أسسها بطرس الأكبر عظيم القياصرة الروس وأطلق عليها اسم «شفيعه» القديس بطرس، ونافذة روسيا الحدودية على الغرب الأوروبي. هي المدينة التي جلب لها مؤسسها خيرة المهندسين والمصممين الأوروبيين (وجلّهم من إيطاليا) كي ينافس بجمالها وفخامتها أعظم الحواضر الأوروبية. لكن المفارقة أنها كانت أيضاً مهد «الثورة البلشفية»، التي استحقت على أثرها حمل اسم «فلاديمير» آخر… هو قائد تلك الثورة لينين (فلاديمير إيليتش أوليانوف)، فغدَت لينينغراد.

وبعد لينينغراد، كانت محطة بوتين التالية – والحالية – مدينة موسكو «قلب روسيا» ومقرّ الكرملين «حصن حصونها»، بجانب كونها عاصمة الاتحاد السوفياتي الذي أعيد عبره تشكيل الإمبراطورية الروسية ورسم فلسفتها وعلاقاتها مع الكيانات المتاخمة والمُستتبَعة. موسكو رمز «الثنائية القطبية» التي هيمنت على العالم بين 1945 و1990، وقاعدة تصدير تجربة الصراع العقائدي بين الشرق والغرب… والشمال والجنوب، التي أسهمت بصورة أو بأخرى في انهيار نمط الاستعمار التقليدي وساعدت في «تحرير» العديد من كيانات ما بات «العالم الثالث».

ومن موسكو، كانت ألمانيا – تحديداً، مدينة درسدن – المحطة الثالثة المهمة في تكوين بوتين الفكري والمهني، وإضافة أبعاد جديدة إلى ذاكرته السياسية وقناعاته الأمنية وحسّه بثقل التاريخ والهوية والولاء ومرارة الهزيمة. ألمانيا، في الحقيقة، ليست مثل أي مكان في أوروبا… فهي «عملاق» وسط القارة، الذي لم يكن بإمكان روسيا وغير روسيا «لجمه» من دون غلبة عسكرية انتهت بتقسيم ألمانيا… وتقسيم أوروبا. ولئن كان الانتصار على ألمانيا قد احتاج إلى تضافر جهود من الغرب والشرق، فإن تقسيم عاصمتها برلين غدا الترجمة الفعلية لنشوء «الثنائية القطبية»، التي صمدت في عصر الردع النووي وغزو الفضاء طوال أربعة عقود ونيّف.
بناءً على كل هذا، يستحيل فهم شخصية فلاديمير بوتين وأبعاد تفكيره السياسي والأمني بمعزل عن فهمه للتاريخ والجغرافيا… وقناعاته حيال «استنسابية» الولاء و«تكلفة» الردع.

هنا، عند النقطة الأخيرة، أي تكلفة الردع، يقف العالم اليوم.

أما زال هناك إدراك لهذه التكلفة، وما إذا كانت لا تزال ضرورية أم لا؟ بل… هل ثمة، أصلاً، مَن يفهم معنى الردع نفسه، وبالتالي، يسعى إلى الردع كوسيلة لتجنب مواجهات يسهل إطلاقها وقد يتعذر احتواؤها؟

المؤشرات التي تلقاها بوتين خلال السنوات القليلة الفائتة أقنعته بجملة من الاعتبارات، التي يظهر أنه اقتنع بها وعمل على استغلالها بنجاح، في مقدمها:

– أن الدول الغربية تعيش حالة تراجع وانقسامات داخلية ما عادت محصورة بمطالب سياسية، بل باتت أيضاً تمس «الهوية» الوطنية والنسيج الاجتماعي. وهذا ما يشهد عليه نهوض الحركات القومية والانفصالية وصعود النزعات العنصرية والإلغائية… مهدداً «التفاهم الوطني» العريض، حتى في أعرق «ديمقراطيات» الغرب.

– أن النظام الديمقراطي، بمفهومه العام، ما عاد من المُسلّمات في عدد كبير من دول أوروبا الغربية… بل حتى في الولايات المتحدة. وهذا ما بيّنته «الظاهرة الترمبية» والتيارات التي أسهمت في إطلاقها وتنظيمها، من حركات العداء للأجانب إلى «نظريات المؤامرة» التي وجدت لها في عصر «ثورتي» التواصل الاجتماعي و«الإعلام الرقمي» في قنوات ومواقع أرضية دعم صلبة.

– زخم إنتاج وسائط التواصل الاجتماعي و«الإعلام الرقمي» خلق على امتداد العالم تغيراً مؤسفاً في مقاربة العلم والجدل المنطقي، إذ ترك الساحة لأنصاف مثقفين وجهلة، وجماعات ضغط مصلحية، وزُمر تحرّكها استخبارات ومصالح مالية ونفوذية خاصة. وبلغت خطورة هذا الجانب في تنامي حركات التشكيك في المعطيات الطبية والعلمية في موضوع جائحة «كوفيد – 19». وبالفعل، رأينا آراء يطلقها مشعوِذون، وحملات «تشيطن» الخبراء المتخصصين، وإقدام جماعات من «الفاشيين الجدد » والفوضويين وراديكاليي اليسار المتطرف… على تهديد المواطنين والساسة وترويعهم.

– أن «المعركة» التي يخوضها بوتين لـ«إسقاط» ما يعتبره «الأحادية القطبية» الأميركية باتت تلقى دعماً واضحاً من جهتين: الأولى، قوى تسعى لأدوار عالمية وإقليمية أكبر كالصين وإيران. والثانية، تراجع الثقة عند عدد من دول العالم – وخاصة، في أوروبا والشرق الأوسط والشرق الأقصى – برغبة واشنطن في أن تظل حليفاً موثوقاً يُعتمد عليه في المُلمّات.

في اعتقادي، هذه الاعتبارات ليست غائبة عن بال «سيد الكرملين» في هذه الساعات الحرجة.

إنه يرى ويسمع ما يلوّح به خصومه من تدابير، كما يرى ويسمع الحجج والمواقف التي تقدّم وتتخذ… ومن ثم يوازن بين مصلحته من ناحية وقيمتها الردعية من ناحية أخرى.

إن من شأن تردّد الحكومات الغربية عن الحسم في مواجهة مظاهرات مناهضي التلقيح زيادة ثقة بوتين بأنها عاجزة عن خوض مواجهة معه وفق حساباتها للتكلفة البشرية والمالية والسياسية. وإذا ما نحينا جانباً مواقف واشنطن والقوى الغربية إزاء أفغانستان وإيران – على سبيل المثال لا الحصر – فإن القيادات الغربية لا تبدو فقط عاجزة عن ضبط تطرف مناهضي التلقيح، بل نراها تقدم لهم التنازلات الاسترضائية على حساب الصحة العامة. وهذا ما يعبر عنه عدد من خبراء الصحة العامة الذين يرون أن تعجّل بعض الحكومات، وعلى رأسها الحكومة البريطانية، في إلغاء كل الإجراءات الوقائية إنما هو مدفوع باعتبارات سياسية واقتصادية بعيدة تماماً عن الآراء الطبية التخصصية الموثوقة.