“الوكالات الحصرية” في لبنان.. امتيازات عمرها نصف قرن هل تطيح بها الأزمة؟

ينتظر مجلس النواب اللبناني، في 21 فبراير المقبل، استحقاقاً تشريعياً قد يغير في شكل الاقتصاد اللبناني إلى الأبد، ويحقق حلماً إصلاحياً تعذر تحقيقه لأكثر من نصف قرن عاشه اللبنانيون تحت سطوة الاحتكار ومآسيه، التي شاهد العالم برمته آخر فصولها خلال الأعوام الماضية، مع أزمات انقطاع السلع والأدوية والمحروقات.

حلمٌ إذا ما تحقق، سيتحول إلى كابوس لدى قلّة من المنتفعين الذين تمتعوا بحماية رسمية من الدولة اللبنانية طيلة 55 عاماً، عرضت الاقتصاد اللبناني إلى “انفصام” في هويته، ما بين توجهه الليبيرالي الحر وواقع السوق الاحتكاري القائم على استئثار عدد قليل من التجار والمستوردين بـ “وكالات حصرية” للعلامات التجارية العالمية.




القرار سيبته به التصويت في المجلس النيابي اللبناني على “قانون المنافسة” المطروح في الجلسة العامة المقبلة، والذي يتضمن بند إلغاء الوكالات الحصرية نهائيا، إلا أن الأمر ليس بتلك البساطة، فحلم الإطاحة بالـ “وكالات الحصرية” لطالما أطاح بأصحابه عبر التاريخ اللبناني، وذلك نتيجة ما يتمتع به أصحاب تلك الوكالات، من نفوذ اقتصادي وحماية سياسية وقدرة على الضغط، لا تتوقف عند حد تهديد الأمن الصحي أو الغذائي أو حتى السلم الأهلي في البلاد.

ما هي الوكالات الحصرية؟

بدأت قصة هذه الوكالات عام 1967، حين كرسها القانون بموجب المرسوم الاشتراعي الرقم 34 تاريخ 5 أغسطس 1967، الذي قدم حماية قانونية لعدد من التجار، تسمح لهم بحصرية تمثيل الشركات والعلامات التجارية على الأراضي اللبنانية، وبالتالي تمنع أي جهة أخرى من استيراد أو توزيع منتجات وسلع من تلك العلامات التجارية إلا أصحاب الوكالة الحصرية.

وعرف الممثل التجاري بأنه “الوكيل الذي يقوم بالمفاوضة لإتمام عمليات البيع والشراء، أو التأجير الخدمات أو تقديمها، ويقوم، عند الاقتضاء، بهذه الأعمال باسم المنتجين أو التجار ولحسابهم. ويجب أن يكون العقد خطيا لمدة محددة أو غير محددة، ولا يسري حصر التمثيل الا إذا أعلنه الوكيل بقيده في السجل التجاري”.

ولأن هذا القانون أتى كامتياز رسمي وعلني للتجار، أدى في نهاية الأمر إلى استئثار عدد قليل من الشركات التجارية بحجم كبير من السوق اللبنانية وسيطرتهم التامة على قطاعات كاملة. فبحسب إحصاء مقدم من “الدولية للمعلومات” لا يزيد عدد أصحاب الوكالات الحصرية في لبنان عن 300 شخص فقط، يحتكرون استيراد وتوزيع 2335 سلعة بحسب ما تظهره عقود الوكالات الحصرية المسجلة لدى وزارة الاقتصاد اللبناني بين عامي 2005 و2018.

وتتوزع على كافة القطاعات والجوانب الاستهلاكية، من المواد الأولية إلى المشتقات النفطية والغاز والمواد البيتروكيميائية، مرورا بالمعدات الطبية والمستلزمات الصحية وقطاع الأدوية والمواد الزراعية ومواد البناء، إضافة إلى السيارات والآليات والمعدات والأجهزة الإلكترونية وحتى الملابس والخدمات والسلع الاستهلاكية.

هذا الواقع افرز طابعاً احتكاريا للسوق اللبنانية، تسيطر فيه الشركات الاحتكارية على أكثر من نصف السوق المحلية، حيث قدر البنك الدولي عام 2007، الريع الناتج عن الاحتكارات في لبنان بأكثر من 16 بالمئة من الناتج المحلي، وهي نسبة تتخطى مساهمة القطاع الصناعي بمجمله في الناتج المحلّي.

وكانت دراسة للمنافسة في السوق اللبناني، أعدها الخبير الاقتصادي اللبناني توفيق كسبار، بطلب من الحكومة اللبنانية عام 2003، أظهرت أن ثلثي السوق اللبنانية تتسم بطابع احتكاري، حيث إن سبع شركات كبرى تسيطر على 60 بالمئة من الاقتصاد اللبناني، في حين أن هذه الاحتكارات والوكالات الحصرية باتت منذ ذلك الحين إلى اليوم، أكثر حدة.

أزمة الأدوية مثالاً

منذ صيف عام 2020 وحتى اليوم، يشهد لبنان أزمة انقطاع حادة في الأدوية والمستلزمات الطبية، ناتجة عن تداعيات الأزمة الاقتصادية وانهيار الليرة اللبنانية. هذه الأزمة لا تزال تهدد الأمن الصحي للبنانيين تاركة أكثر من 80 بالمئة منهم يواجهون مشاكل ومعوقات في حصولهم على الحق بالعلاج والوصول إلى الدواء.

مصرف لبنان أطلق عام 2019 خطة دعم مباشر على السلع والمواد المستوردة بعد الانهيار المالي، كان الدواء أبرزها، ووصلت كلفة استيراد الأدوية والمستلزمات الطبية وحليب الأطفال إلى 1.173 مليار دولار، خلال العام 2020، لتعود وترتفع خلال العام 2021، حيث قدرت بحوالي 1.4 مليار دولار من خلال الطلبات التي تقدمت بها شركات استيراد الأدوية والمستلزمات الطبية.

وبما أن 85 بالمئة من سوق الدواء يقوم على الاستيراد من علامات تجارية، تستحوذ 10 شركات أدوية على 90 بالمئة من السوق، وتمتلك خمس شركات كبرى 53 بالمئة من سوق الأدوية المستوردة، فإن هذه الشركات استأثرت بالحجم الأكبر من دعم مصرف لبنان للأدوية المستوردة الذي كان يفترض أن يصب في مصلحة التخفيف على المواطن والمستهلك، وتبلغ نسبته 85 بالمئة.

وعليه حين وصل حجم دعم مصرف لبنان لاستيراد الأدوية إلى قرابة مليار دولار، كانت وزارة الصحة العامة والقطاع العام في الدولة اللبنانية يحصلان على ما قيمته 255 مليون دولار منه، مقابل 765 مليون دولار حصلت عليها شركات استيراد الأدوية. كل ذلك على قياس عام واحد من أعوام الأزمة، دون العودة إلى ما حققته تلك الشركات من أرباح طائلة قبل الأزمة نتيجة الحصرية التي تتمتع بها في هذا القطاع.

في المقابل كانت شركات استيراد الأدوية أول من تخلت عن مسؤولياتها خلال الأزمة، إذ قررت عند أول خلاف حسابي بينها وبين مصرف لبنان (يوليو 2020)، التوقف عن استيراد وتسليم وتوزيع الأدوية إلا بعد تقاضي ثمنها، تاركة البلاد أمام أزمة انقطاع في الأدوية وحليب الأطفال، أدت إلى معاناة آلاف وموت عشرات، ولا يزال اللبنانيون يعيشون فصولها حتى اليوم.

ومع ذلك، لم تعمد الدولة اللبنانية طيلة فترة الأزمة إلى مجرد التلويح بالسلاح الفعال الذي تملكه في وجه تجار الأدوية: سحب الوكالات الحصرية منهم وفتح سوق الدواء أمام المستوردين. وهو ما وصف على انه مزيد من المداراة والتواطؤ مع تلك الشركات واصحابها، وتقاعس، “لا يغتفر” بحسب منظمة العفو الدولية، عن معالجة أزمة الدواء.

سلاح لم يخرج إلى العلن إلا مرة واحدة في عهد وزير الصحة إيميل بيطار عام 1971، الذي تقدم بمشروع قانون يخول وزير الصحة عند الضرورة سحب رخص استيراد الأدوية بغية توفيرها وعدم المخاطرة بالأمن الدوائي للبنانيين، ولكن المشروع اصطدم بتحالف أصحاب الشركات مع أقطاب السلطة السياسية وخلص في النهاية إلى استقالة الوزير بيطار نفسه بعد عدم تجاوب الحكومة.

تاريخ من العرقلة

ما يحصل في قطاع الدواء يسري على كل القطاعات الخاضعة للوكالات الحصرية في لبنان، الأمر الذي جعل إلغاءها مطلباً دوليا، دعمه الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، ومولوا لأجله خططاً ودراسات بهدف فتح الأسواق اللبنانية على الشراكة الأوروبية وتمهيداً لانضمام لبنان إلى منظمة التجارة العالمية.

عام 1975 خضع القانون لتعديلات وألغى الوكالات الحصرية عن المواد الغذائية، وبموجب المرسوم رقم 2339 عام 1992، تم تحديد المواد التي لا تعتبر من الكماليات والتي لا يسري عليها حصر التمثيل التجاري أي لا تسري عليها الوكالات الحصرية وهي المواد الغذائية للاستهلاك البشري والحيواني بجميع أسمائها وأنواعها وأصنافها، ومواد التنظيف ومساحيق الغسيل، دون التطرق للدواء الذي بقي مصنفاً ضمن “الكماليات” حتى اليوم، وهو الأمر الذي يكشف “قوة أصحاب الوكالات الحصرية والدعم السياسي الذي يتمتعون به”، وفقاً لوصف “الدولية للمعلومات”.

عام 2002 أقر مجلس الوزراء اللبناني برئاسة رفيق الحريري، عدة مشاريع قوانين ومراسيم تهدف الى منع الاحتكار في مجال استيراد السلع على اختلافها بما فيها الدواء والمشتقات النفطية وتشجع على المنافسة. وطرح على مجلس النواب مشروع قانون يقضي بإلغاء الوكالات الحصرية مقابل إعطاء أصحاب هذه الوكالات حق تقاضي مبلغ يعادل 5 بالمئة من قيمة البضائع والسلع التي تشملها الحصرية وذلك لمدة خمس سنوات. وبعد سنتين من المماطلة والدراسة أقر مجلس النواب القانون والغى رسم الـ 5 بالمئة الذي اقترحته الحكومة.

ولكن القانون لم يمرر، فرئيس الجمهورية اللبنانية حينها، إيميل لحود، رد القانون إلى مجلس النواب بعد حملة ضغط إعلامية سياسية وطائفية، اعتبرت أن إلغاء الاحتكار هو تعريض لجودة ونوعية السلع المستوردة، وصولا الى حد اعتبارها تشكل اعتداء على حقوق المسيحيين واستهدافاً لهم.

تطويع طائفي

عام 2002 أيضا، وفي سياق تعليقه على مساعي إلغاء الوكالات الحصرية، قال البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير “القصة فيها وما فيها، يريدون أن يأخذوا منا كل شيء، ولا يريدون أن يكون للمسيحيين في هذا البلد أي وجود فاعل، وكأنه لا يكفي تغييبهم السياسي عن القرار وعن التمثيل الديموقراطي الصحيح”.

هذا البعد الطائفي للقضية ناتج عن كون النسبة الأكبر من الحاصلين على الوكالات الحصرية منذ ما بعد الاستقلال إلى اليوم هم تجار ومستوردون من الطائفة المسيحية، وبفعل استغلالهم لهذا الواقع من أجل الحفاظ على مكتسباتهم، أصبحت هذه الوكالات جزءا من الامتيازات الطائفية، ويستمر هذا الترويج حتى اليوم.

فبعد 55 عاماً من الحصرية، وبعد نحو 20 عاماً منذ آخر محاولة لإلغائها، لا يزال الملف يفرز انقساماً طائفياً في البلاد، يتمثل اليوم في اصطفاف الأحزاب السياسية المسيحية (القوات اللبنانية، التيار الوطني الحر) في خط المدافعين عن إبقاء الوكالات الحصرية، فيما الأحزاب الممثلة للمسلمين وفي مقدمتهم “الثنائي الشيعي” (حركة أمل وحزب الله) يصطفون ضدها إلى جانب الحزب التقدمي الاشتراكي، فيما يتمايز تيار المستقبل بانقسام بين أعضاء كتلته بين مؤيدين ومعارضين.

وكما هو واضح فقد تجاوزت القضية الانقسامات السياسية التي عادة ما تسير قرارات السلطة السياسية في البلاد، لتدخل في انقسامات ذات بعد اقتصادي عابر للأحزاب وتحالفاتها واعتباراتها الوجدانية، الأمر الذي أشار إليه الخبير القانوني وعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي صادق علوية، المتابع لتفاصيل القضية، جازماً، في حديث لموقع “الحرة”، أن “الأمر بجوهره لا يحمل بعداً طائفياً حقيقياً، وإنما خلقه أصحاب الوكالات كوسيلة ضغط للحفاظ على مكتسباتهم، والمدخل الأسهل والأكثر نفوذا وتأثيراً في لبنان هو الباب الطائفي”.

يأسف النائب فادي علامة، من كتلة التنمية والتحرير (حركة أمل)، وهو الذي تقدم بمشروع إلغاء قانون الوكالات الحصرية، بأن يتخذ الملف طابعاً طائفياً، “خاصة وان اليوم المعطيات مختلفة عما كانت عليه، اليوم البلد كله منهار واقتصاده منهار، والناس جميعها خسرت من كافة الفئات والطوائف، العملة انهارت والتضخم خيالي، ولا أتخيل أن القانون أو المستهلك أو أي أحد من الأطراف السياسية سيقف إلى جانب الحصرية فيما الناس تموت من الجوع، وتعيش وضعاً مأساوياً من كل الطوائف والمذاهب”.

آخر التطورات… تسييس

وكان المجلس النيابي اللبناني قد شهد في ٧ فبراير جلسة مناقشة حادة بين اللجان النيابية المشتركة، التي تعمل على إخراج الصيغة النهائية لقانون المنافسة، انقسم فيها نواب الحزب الواحد في مواقفهم من المادة الخامسة المتعلقة بإلغاء الوكالات الحصرية.

وفي حين أن قانون المنافسة ذاته، الذي قدمت مشروعه كتلة “حزب الله”، مستوحى باعتراف نوابها من مشروع قانون سبق وأعده وزير الاقتصاد السابق منصور بطيش، المحسوب على التيار الوطني الحر، فإن نواب التيار الوطني أنفسهم كانوا من أشد المعترضين خلال الجلسة على مادة الغاء الوكالات الحصرية.

في المقابل، يُتهم الثنائي الشيعي بالضغط في هذا الملف كنوع من التصعيد في وجه الأحزاب المسيحية التي ارتفعت نبرة مطالبتها مؤخراً بالفيديرالية المالية واللامركزية الموسعة، لاسيما بعد الانهيار المالي الكبير، حيث يرون أن جزءاً رئيسياً منه يقع على مسؤولية حزب الله وتدخله في القضايا الإقليمية التي عادت على لبنان بعزلة عربية ودولية وترجمت مقاطعة اقتصادية.

أما في ما يتعلق بانقسام نواب تيار المستقبل، كان لافتاً توجه المعترضين على إلغاء الوكالات الحصرية، لكونه توجها يتعارض مع واحد من أبرز الأهداف التي عمل عليها رفيق الحريري، مؤسس التيار، في أيامه الأخيرة قبل اغتياله عام 2005. ولكنه يبقى انقساماً مفهوماً بالنظر إلى المصالح التي تجمع ما بين أصحاب الوكالات الحصرية وبعض نواب التيار، كالنائبة رولا الطبش التي تتشارك مكتب محاماة مع محامي بارز من محامي الهيئات الاقتصادية.

شياطين التفاصيل

النائب سمير الجسر من جهته، وبناء على طلب اللجنة النيابية، حاول إيجاد مخرج قانوني للمادة الخامسة من خلال تقسيمها إلى 6 بنود، لكن شيطان الخلاف كمن مجدداً في التفاصيل، حيث رأى البعض في تعديلات الجسر إفراغاً للقانون من مضمونه والهدف الواضح منه بإلغاء الوكالات الحصرية والحماية الرسمية لها. في النهاية وعلى أثر عدم التوافق على الفقرة المتعلقة بالوكالات الحصرية، أحيلت المادة الخامسة من قانون المنافسة إلى الهيئة العامة لمجلس النواب للتصويت عليها.

من جهته يشرح النائب علامة في حديثه لموقع “الحرة” أن البند الخلافي ومحط الجدل يتركز حول التعويضات على أصحاب الوكالات الحصرية، الذين يعملون منذ سنوات طويلة وفق هذه الوكالات في لبنان، وإذا ما كان يجب الحجز على العلامات التجارية ووقف إدخالها إلى حين تعويض الشركات الأم على الوكيل أم لا. في حين أيضا جرى نقاش فكرة التعويض على أصحاب الوكالات، “ولكن لا أتصور ان هذه الأمور فرغت مضمون القانون من أساسه”.

في المقابل يرى علوية أن التعديلات التي أدرجت على البند الرابع من المادة الخامسة في القانون، تمثل إفراغاً جزئياً للقانون من مضمونه والهدف منه، مقدماً في حديثه مع “الحرة” مثالاً عما يمكن أن يحصل على أرض الواقع في ظل هذا التعديل.

“لنفترض أن الوكيل الحصري على خلاف مع الشركة الأم في إيطاليا مثلاً ولديه حكم مبرم بالتعويض عليه من المحاكم اللبنانية. ولكن هناك مستورد آخر حصل على بضائع من نفس العلامة التجارية للشركة الأم، ولكن من دولة أخرى كالإمارات او تركيا، فما علاقة الدولة اللبنانية هنا لتمنع ادخال البضائع؟ وما علاقة الطرف الثالث ليدفع ثمن الخلاف؟ هذا التسلط على الأسواق مخيف فعلياً، ، هل يريد الوكيل تحصيل تعويضه على حساب المستوردين الجدد؟ لماذا لا يكلف محامياً يلاحق قضيته مباشرة مع الشركة الأم في بلد المنشأ؟” يتساءل علوية.

ويضيف “وكأنه يراد حماية مصالح تجار الوكالات الحصرية، عبر اتخاذ المستوردين الجدد كرهائن، وبالتالي مرة جديدة يكون الهدف حماية الامتيازات وليس المصلحة العامة للسوق والمستهلك اللبناني”.  ويلفت إلى أن هذا البند إذا ما أصبح نافذاً من شأنه أن يثير مخاوف كبيرة لدى الشركات الأم المصدرة، إذ إنه يمثل تهديداً لها هي أيضا، فالرسالة التي تتلقاها الشركات العالمية من البند مفادها “إذا بدلتم تعاملكم مع هذا الوكيل الحصري، سوف تتعرضون للملاحقة والإجراءات المنصوص عنها”.

ويختصر علامة الموقف بالقول “اليوم هناك توجهان، هناك من يتحمس أكثر للهيئات الاقتصادية وحماية مصالحها ومكتسباتها، وهناك من هم مثلنا يؤيدون فتح السوق، وخلق فرص عمل، وافساح المجال أمام صغار التجار وكبارهم على حد سواء، وفتح الأسواق أمام منتجات وعلامات تجارية جديدة، وليتنافسوا جميعاً وفق القانون. وخلال الجلسة العامة المقبلة من يحب مجاهرة الناس بمناصرته الإبقاء على الغلاء وانعدام الفرص والمنافسة في السوق والاصطفاف مع الوكالات الحصرية، فليصارح الناس ويقول أمام الرأي العام نحن مع المحتكرين وضد المستهلك”.

الهيئات الاقتصادية تحذر

على المقلب الآخر، يقدم رئيس جمعية تجار بيروت نقولا الشماس، سردية “الدور الكبير الذي لعبته هذه الوكالات الحصرية في ازدهار لبنان وتنمية اقتصاده طيلة المرحلة الماضية إلى جانب السرية المصرفية”، محذراً في حديثه لموقع “الحرة” من أن “أي تعديل حالياً لن يكون مناسباً فيما الوضع التجاري والاقتصادي في أسوأ أحواله، وسط تراجع بلغ حدود الـ 80 بالمئة”.

ويضيف “وعلى الرغم من ذلك، فإن الهيئات الاقتصادية تجاوبت مع عمل المجلس النيابي من خلال لجنة الاقتصاد والتجارة واستمعت إلى كل الافرقاء، وهي في الواقع تؤيد تبني وإقرار قانون المنافسة العصري، على أن يتماشى مع متطلبات منظمات التجارة العالمية ومع مقتضيات التقدم التجاري والاقتصادي”.

لكن وفي الوقت نفسه ينتقد الشماس ما أسماه “استهداف القطاع التجاري” وتخلي وزراء الاقتصاد المتعاقبين عن حماية القطاع التجاري. لافتاً إلى أن “المطلوب من الدولة كان أن تحمينا من الاقتصاد غير الشرعي والتهريب الذي يمثل “أصل المشكلة”.

وحول الوكالات الحصرية يرى الشماس أنها “تنطلق من الحرية بين المتعاقدين أي المصنع في الخارج والوكيل في الداخل”، معتبراً أن القانون الصادر سنة 1967 كان يهدف إلى حماية التاجر اللبناني كي يعمل براحته ويستثمر أمواله بحرية تعود على البلاد بالنفع والازدهار.

ويتساءل الشماس عن السبب خلف الاعتراض على البند الرابع من المادة القانونية، المتعلق بالتعويض على الوكيل الحصري، مشيراً إلى أنه حق للوكيل “الذي عمل عشرات السنين على التسويق والتوزيع وخلق سوق للعلامة التجارية في لبنان، واستثمر اموالاً طائلة، أن يحصل على تعويض يساوي تضحياته وجهده”. لافتاً إلى أن التعويض لن يكون على حساب المستهلك، بل لحماية الوكيل اللبناني من موكل خارجي.

الشماس يختم حديثه محذراً من أن “إقرار هذا القانون سيزيد عمليات التهريب والتزوير والتقليد في البضائع”، متسائلاً “إن كنا في ظل هذا القانون نعجز عن حماية البضائع من التهريب والتزوير فكيف مع إلغائه؟ سيصبح لبنان مرتعاً لتجار الشنط”.

كيف يستفيد المواطن؟

وفي ظل ثقل المصطلحات الاقتصادية والتجارية والقانونية التي تغلف هذا الملف، وتجعل الإلمام به حصراً على الخبراء والمتابعين، يتساءل المواطن اللبناني كيف سينعكس الأمر عليه مباشرة وماذا سيستفيد إذا ما ألغيت أو بقيت الوكالات الحصرية.

وفي هذا السياق يؤكد علوية أن تأثير إقرار القانون على الناس يتمثل في فتح باب المنافسة بين التجار داخل الصنف أو السلعة الواحدة، “هناك أدوات كهربائية مثلاً بمقدور تجارها الحصول عليها بثلث سعرها في الأسواق العالمية، إلا أنه ونتيجة الوكالات الحصرية يمنعون من استيراد العلامة التجارية”.

ويلفت علوية النظر إلى الفرق ما بين أسعار الهواتف الذكية في لبنان بين شركة وأخرى نتيجة وجود أو انعدام الوكالة الحصرية، “ففي حين أن شركة آبل تلتزم القانون الأميركي الذي يمنع الوكالات الحصرية، يتقارب سعر منتجاتها في لبنان من سعرها عالمياً، بعكس سامسونغ مثلاً حيث الفوارق كبيرة نظرا لوجود وكيل حصري لها في لبنان”.

ويختم “إن أردنا أن نصف اقتصاد لبنان بأنه اقتصاد ليبيرالي حر يجب أن يكون حراً في الاتجاهين، بالنسبة إلى التاجر والمستهلك على حد سواء، في حالتنا اليوم، السعر يحدده شخص واحد أو جهة واحدة التي تملك الوكالة الحصرية، وهذا يمثل امتيازاً لعدد محدود من الأشخاص في البلد، وبالتالي بالمعايير العالمية هذا القانون متخلف، ويجب إلغاؤه”.

فضيحة في اللحظة الأخيرة

يذكر أن جلسة السابع من فبراير في مجلس النواب اللبناني، كانت قد كشفت عن فضيحة طالت أصحاب الوكالات الحصرية، أظهرتها الأرقام التي عرضها وزير الاقتصاد أمين سلام، إذ تبين خلال تقديمه لعدد الشركات التي تحمل وكالات تجارية حصرية، التي يبلغ عددها 3330، أن الشركات التي تدفع الرسوم المتوجبة عليها يبلغ 316 فقط، فيما يبلغ عدد الوكالات الحصرية المشطوبة 3014 وكالة، وهي تشطب عادةً لعدم دفعها الرسوم السنوية، عدم تجديد العقد، أو تبعاً لأحكام قضائية.

إلا أن هذه الشركات المتخلفة عن الدفع، لا تزال تمارس حقها الحصري باستيراد بعض المنتجات حتى اليوم، ولا تزال مسجلة في السجل التجاري، وتمنع غيرها من الاستيراد عن طريق قاضي الأمور المستعجلة عبر دعاوى قضائية.



الحرة