الولادات تتراجع في لبنان.. حلم الإنجاب إلى ما بعد الأزمة

أسرار شبارو – الحرة

“حلمي بالأمومة مؤجل إلى حين انجلاء الوضع المأساوي في لبنان، ثلاث سنوات وأنا انتظر بصيص أمل لكن حتى اللحظة لا شيء يوحي باقتراب الفرج، وإلى حينه عليّ وزوجي تقبل الواقع وإن على مضض”… بهذه الكلمات عبّرت نهى عن حال عدد من اللبنانيين الذي فضلوا “العقم الاختياري” على الإنجاب في ظل الظروف الاقتصادية التي يمر بها بلدهم.




مع بدء الأزمة الاقتصادية التي عصفت بلبنان منذ عام 2019 تراجع عدد الولادات بشكل كبير، وبحسب أرقام المديرية العامة للأحوال الشخصية سجل 86,584 ولادة عام 2019، 74,049 عام 2020، أما عام 2021 فتم تسجيل 68,130 ولادة.

المستشارة الدولية في قضايا السكان والتنمية الدكتورة حلا نوفل أشارت إلى أن  إحصاءات الأحوال الشخصية في لبنان ضبابية، “يعود ذلك إلى عدم اقتصارها على اللبنانيين المقيمين في وطنهم فقط، بل تشمل كذلك المهاجرين منهم، مما لا يسمح بإعطاء صورة واضحة عن معدلات الخصوبة في البلد”.

ومع هذا أكدت الدكتورة نوفل في حديث لموقع “الحرة” أنه ” أياً تكن العيوب في عملية تسجيل الولادات، إلا أن ما هو أكيد أن العدد إلى انخفاض، حيث تظهر دراسات عدة أن معدل الخصوبة الكلية انخفض منذ ستينات القرن الماضي، فبعد أن كان يزيد عن الخمسة لكل امرأة تراجع إلى أقل من اثنين”.

من جانبه أشار مدير برنامج الصحة النسائية المتكاملة في المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت، الدكتور فيصل القاق إلى أنه “في علم السكان يقاس معدل الولادات على مدى سنوات طويلة، واستناداً إلى ذلك يظهر أن معدل الولادات تراجع في لبنان منذ ثلاثين سنة حتى اليوم، ففي عام 1970 كان معدل الولادة الخام حوالي 33 بالألف، أما الآن فلا يتجاوز الـ 17 بالألف أي انه تراجع نحو 50 بالمئة، كما تراجع معدل الخصوبة إلى 1,6 بمعنى أن كل امرأة يمكنها أن تنجب أقل من طفلين”.

“لعبت الأزمة المعقدة والمركبة بشقها السياسي، الاقتصادي والمالي وما ترتب عنها من انخفاض القدرة الشرائية وارتفاع أسعار تكاليف الحياة اليومية من ضمنها تكاليف متابعة الحمل والفحوصات الطبية والأدوية والمصاريف المترتبة على الاستشفاء إن كان في الولادة العادية التي تبلغ تكلفتها نحو 30 مليون ليرة أو الولادة القيصرية التي تصل تكلفتها إلى 50 مليون ليرة (وهي أسعار تقريبية بحسب مراكز الرعاية المختلفة) في خفض معدل الولادات في لبنان، عدا عن تكاليف ما بعد الولادة من حفاضات، حليب، معاينات طبية، أدوية وغيرها” بحسب ما قاله الدكتور القاق لموقع “الحرة”.

ويرزح عدد كبير من اللبنانيين تحت خط الفقر مع ارتفاع  سعر صرف الدولار وانهيار قيمة العملة الوطنية، في وقت يعجز فيه المودعون في المصارف عن الحصول على أموالهم، كل ذلك أدى إلى تدني المستوى المعيشي في لبنان وانتشار الحرمان.

حلم مؤجل

بعد أن حلمت نهى بالزواج وتكوين أسرة اصطدمت بالواقع المرير، هي التي كافحت مع من اختارته شريكاً لحياتها من أجل تأسيس عائلة، بدأت واياه في صيف عام 2019 خطواتهما سوية تحت سقف واحد، لكن كما قالت “كنا نأمل أن نتمكن من جمع مبلغ مالي قبل مشروع الحمل والانجاب، وإذ فجأة يأخذ الوضع في لبنان منحى لم نتوقعه، صرف زوجي من عمله في احدى الشركات، راتبي كمعلمة لم يعد يكفي لدفع بدل ايجار المنزل، جمدنا أحلامنا وباتت الأولوية لكيفية تأمين لقمة عيشنا”.

تعيش ابنة الثامنة والعشرين عاماً حالة احباط، فعدا عن أنها تجد نفسها عاجزة عن أن تصبح أماً، تواجه كما قالت ضغطاً من قبل عائلتها وعائلة زوجها اللتان لا تنفكان عن سؤالها عن الحفيد المنتظر، وتساءلت “كيف لي أن أنجب طفلاً وأظلمه بالعيش في هذا البلد، أي مستقبل له وأنا لا قدرة لي على تأمين حليب وحفاضات له، وقبل ذلك كيف سأدفع معاينة الطبيب لمتابعتي طوال فترة الحمل، وكلفة عملية الولادة، الأمر مكلف للغاية، يحتاج إلى مبالغ مالية لم تعد بمقدور من كانوا يوماً في لبنان من الطبقة الوسطى”.

إذا كانت نهى تتمنى أن تصبح أماً، فإن ميادة حققت هذا الحلم قبل خمسة أعوام، حيث رزقها الله بفتاة، وعندما رغبت بالانجاب مجدداً وتم الحمل اصطدمت برفض زوجها الذي أصر على التخلص من الجنين، وشرحت “توقفت فترة عن تناول حبوب الحمل نتيجة ارتفاع سعرها، وإذ بي استقيم، وعندما علم زوجي جنّ جنّونه، ووقعت اشكالات عدة بيننا كادت أن تصل إلى الطلاق، إلى أن توجهت برفقته إلى احدى العيادات في بيروت حيث خضعت لعملية اجهاض بعد أن استدان مئتي دولار لذلك”.

في الوقت الذي تعتبر فيه ميادة (32 سنة) أن الاجهاض يخالف معتقداتها الدينية وأن لكل ولد في هذه الحياة رزقته، كان زوجها يشدد على أنه لن يتمكن من تأمين حياة كريمة للطفل، اذ بالكاد كما قالت “يمكنه توفير حاجياتنا وبشق الأنفس، رفض أن يضيف ما اعتبره عبء جديداً على العائلة، طالباً مني التريث حتى يتحسن وضعه، طارحاً فرضيات عدم قدرته على شراء الدواء له في حال أصابه مرض ما، وعدم قدرته على ادخاله إلى المستشفى، هذا إن استثنى طعامه وشرابه وملبسه”.

ومن الأسباب التي أدت إلى تراجع معدل الولادات في لبنان بحسب القاق “تدني الكتلة الانجابية في لبنان، فالكثير ممن هم في العمر الانجابي غادروا البلد، كما أن معدل عمر الزواج الأول مرتفع، حيث يتراوح بين 26 سنة و28 سنة للأنثى، وبين 31 سنة و33 سنة للرجل، يضاف إلى ذلك ارتفاع عامل الحداثة بين المجموعات اللبنانية، وكنمط عالمي التمدن يخفف من الولادات على عكس الحال في الأرياف حيث ترتفع نسبة الانجاب”.

من جانبها عزت أستاذة علم النفس والاجتماع الدكتورة منى فياض أسباب تراجع نسبة الولادات إلى تراجع معدل الزيجات في وقت ارتفعت فيه نسب الطلاق، حيث وصل عدد معاملات الزواج في لبنان سنة 2018 الى 36,287، بحسب المديرية العامة للاحوال الشخصية، وفي سنة 2019 بلغ العدد  34,076، وفي السنة التي تليها بلغ 29,493، أما السنة الماضية فسجل  33,661 معاملة زواج. وفيما يتعلق بالطلاق سجل  7,995 حالة سنة 2018، 7,646 سنة 2019،  6,793 سنة 2020، و 7,751 السنة الماضية.

وشددت فياض على عامل الهجرة وكما قالت لموقع “الحرة” “النسبة الأكبر من المهاجرين هم من فئة الشباب الذين لم يؤسسوا عائلة بعد”، وفي تقريرها الأخير أشارت “الدولية للمعلومات” إلى أن عدد المهاجرين والمسافرين من لبنان وصل في العام 2021 إلى  79,134 شخصاً مقارنة بـ 17,721 شخصاً في العام 2020 أي بارتفاع مقداره 61,413 شخصاً ونسبته 346%.

وبالتالي يكون العام 2021 قد سجل العدد الأكبر من المهاجرين والمسافرين خلال الأعوام الخمس الماضية، وخلال هذه الأعوام 2017-2021 وصلت حصيلة المهاجرين والمسافرين إلى 215,653 شخصاً.

حرمان متعدد الأوجه

تضاعفت نسبة الفقر المتعدد الأبعاد في لبنان بحسب تقرير “الاسكوا” من 42 بالمئة في عام 2019 إلى 82 بالمئة من مجموع السكان في عام 2021، وبلغ عدد السكان الذين يعانون من الفقر المتعدد الأبعاد أربعة ملايين نسمة تقريباً، وهم يمثلون نحو مليون أسرة، بينها 77 بالمئة من الأسر اللبنانية، اي ما يوازي 745,000 أسرة لبنانية تقريباً.

أما نسبة الفقر المدقع المتعدد الأبعاد فبلغت بحسب التقرير، 34 بالمئة من مجموع السكان في عام 2021، أي ما يعادل 40 بالمئة من مجموع الفقراء وارتفع عدد السكان الذين يعانون من الفقر المدقع إلى 1,650,000 نسمة، أي ما يوازي 400 ألف أسرة.

في الوقت الذي لا يجد فيه لبنانيون المال للاستشفاء وشراء دواء، قرّر مجلس نقابة أطباء لبنان في بيروت الشهر الماضي زيادة الحدّ الأدنى لبدل المعاينات الطبية، لتصبح للطب العام ثلاث مئة ألف ليرة لبنانية بعد أن كانت 150 ألف ليرة، فيما أصبحت المعاينة الطبّية للطبيب الإختصاصي أربع مئة ألف ليرة بعد أن كانت مئتي ألف ليرة، ومع ذلك لا تعبر هذه الأرقام عن الواقع، فعدد كبير من الأطباء يحددون تسعيرتهم بالدولار “الفريش”، ومنهم من يطالب بالعملة الخضراء عند اجراء أي عملية.

لم يحرم شادي من رغبته في أن يكون أباً فقط، بل اضطر كما قال لموقع “الحرة” أن ينفصل عن خطيبته بعدما ارتبط بها لمدة عامين من دون أن يتمكن من استئجار منزل وشراء أثاث واقامة حفل زفاف، إذ “قبل الأزمة الاقتصادية كانت الأمور تسير على ما يرام، راتبي كان يعادل ألفي دولار أي ثلاثة ملايين ليرة، ارتبطت بفتاة أحببتها، خططنا سوية لمؤسستنا الزوجية، واذ بالليرة اللبنانية تنهار ومعها أحلامنا”.

لم يعد بامكان ابن التاسعة والعشرين ربيعاً اكمال مشروع الزواج، “أصبح راتبي يعادل حوالي 140 دولار، اي بالكاد يكفيني وحدي في ظل الارتفاع الناري للأسعار، ولكي لا أظلم من أحببتها قررت الابتعاد عنها، فاسحاً المجال أمامها لاكمال حياتها مع من يمكن أن يسعدها ويحقق أحلامها”.

محددات مباشرة ووسيطة، تلعب دوراً كما قالت الدكتورة نوفل في تراجع مؤشر الخصوبة الكلية، وفيما يتعلق بالأسباب المباشرة شرحت “هي اقتصادية واجتماعية، الأوضاع الاقتصادية الضاغطة تلعب دوراً كبيراً في اتخاذ الأسرة قرار الحد من الانجاب، كون للأولاد متطلبات عدة يجب تأمينها، ومن الناحية الاجتماعية كلما ارتفع المستوى التعليمي للمرأة وثم الرجل انخفض معدل الخصوبة الكلية، اذ عندها يأخذان بعين الاعتبار كل ما يحتاجه الابن من مأكل، مشرب، تعليم، متطلبات صحية”.

أما المحددات الوسيطة فتتعلق بشكل أساسي كما قالت الدكتورة نوفل “بالعمر عند الزواج الأول، استخدام وسائل تنظيم الأسرة، الرضاعة الطبيعية، وبحسب ما أظهرته الدراسات فإن أهم عاملين هما ارتفاع العمر عند الزواج الأول واستخدام وسائل تنظيم الأسرة”.

انعكاسات خطيرة

الباحث المتخصص في علم اجتماع الأسرة الدكتور زهير حطب، تحدث لموقع “الحرة” عن ظاهرة تراجع عدد الولادات وقال “بالنسبة إلى لبنان، فإن العوامل والأسباب المؤثرة متوفرة في هذا المجتمع، إلى أبعد الحدود “منها عامل الحرب والاضطرابات الداخلية حيث يستمر النزاع والخلافات بين مكونات المجتمع وسكانه منذ سبعينات القرن الماضي وما قبله وحتى اليوم بوتيرة تشتد أو تضعف، الأمر الذي انتج ثلاث ظواهر مكونها الأساسي سكاني وهي:

أولاً: النزوح والانتقال السكاني من منطقة إلى أخرى لأسباب مختلفة منها: تنقية السكان، اشتداد العمليات والمخاطر والاضطرار لتجنب التنقل من أماكن السكن إلى أماكن العمل، ثانياً: الهجرة إلى الخارج بهدف البحث عن العمل وتأمين مصادر الدخل واستمراريته، ثالثاً: ارتفاع معدلات البطالة وتراجع استقرار العملة الوطنية.

هذه العوامل الثلاثة تضافرت لتؤكد بحسب الدكتور حطب “على تغيير السلوك السكاني وخصوصاً على مستوى الزواج والطلاق واستقرار الأسرة، مع ما يصاحب ذلك، من انجاب ووفيات وعزوف عن الزواج، هذه الظروف لا تشجع الشباب كثيراً على تأسيس أسر لهم والاقدام على مشروع توسيع أسرتهم وترسيخها، بل على العكس يقدم المترددون في زيجاتهم على التراجع إما عن مشروع الخطبة أو عن انهاء الزواج نفسه أو إلى انفجار مشكلات زوجية تؤدي إلى الطلاق”.

كل ذلك له نتيجة واحدة ألا وهي بحسب الدكتور حطب “تراجع عدد الزيجات وتراجع حالات الانجاب والولادات، ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تراجعت الزيجات في المجتمع اللبناني وكذلك معدلات الانجاب من 4,8 افراد إلى 2,8”.

وتابع “هذه الظاهرة عادت لتطل مرة جديدة في العقد الثاني من هذا القرن بعد أن أضيف إلى الأسباب المؤثرة على الانجاب، تراجع حركة الزواج والإحجام عنه بسبب انتشار وباء كورونا، استمرار الاضطراب السياسي والاجتماعي، تراجع الحركة الاقتصادية واستمرارية العمل والدخل، إضافة إلى دخول تعديل كبير على مفهوم الزواج والارتباطات الزواجية بعد سوء الاوضاع وصعوبات المعيشة اليومية مما يصرف الشباب عن تحمل مسؤولية الانجاب وتأسيس الأسر”.

تخشى الدكتورة فياض من تضرر الهرم السكاني اللبناني حيث “سيفتقد لبنان بعد بضع سنوات لفئة الشباب، في وقت ترتفع فيه نسبة الولادات الأجنبية لاسيما من الجنسية السورية”.

كذلك شددت الدكتورة نوفل على أن “تراجع الخصوبة الكلية ينعكس تراجعاً نسبياً في فئة الفتيان أي ممن هم دون سن الخامسة عشر، بموازاة ذلك ترتفع نسبياً فئة كبار السن، ونكون أمام مجتمع معمّر، وهنا يدخل عامل الرعاية الصحية حيث في ظل ارتفاع كلفة الاستفشاء وأسعار الأدوية هناك خطر كبير على صحتهم”.

من جانبه اعتبر الدكتور حطب أن “محافظة سكان لبنان على حجمهم العددي سيكون صعباً وسيؤثر على حجم القوى البشرية اللازمة في فترات لاحقة (بعد عقدين من الزمن) كي يقوموا باعادة البناء الاقتصادي وتجديد الحياة الاجتماعية فيه وتطويره والعمل على ازدهاره”.