فارس خشان - الحرة

جاذبية نظام بشّار الأسد… “الداعشية” – فارس خشان – الحرة

تُثير محاكمة المتّهمين بالاشتراك والتدخل في العمليات الإرهابية التي استهدفت العاصمة الفرنسية وضواحيها في 13 نوفمبر 2015، أمام محكمة الجنايات الخاصة في باريس، اهتمام المعنيين بمكافحة الإرهاب، بالنظر إلى وجود نادر في قفص الاتهام لأشخاص كانوا قد شاركوا في التخطيط والتحشيد والتنفيذ وبينهم من تراجعوا عن تفجير أنفسهم، في اللحظات الأخيرة.

ولعلّ أهم ما في هذه المحاكمة أنّ أبرز المتّهمين وأكثرهم اطلاعاً، وبعد صمت التزموا به في التحقيقات الأوّلية والتحقيقية، قد خرجوا عن صمتهم وقدّموا إفاداتهم التي ركّزت على خلفيات انضمامهم، وهم لم يكونوا يوماً “مؤمنين ورعين”، إلى تنظيم “داعش”.




وتبيّن متابعة إفادات من اعترف بأنّه انضمّ إلى صفوف “داعش” عن “سابق تصوّر وتصميم”، كما هي عليه حال المتّهم صلاح عبد السلام، عوامل الجذب التي يتوسّلها هذا التنظيم الإرهابي لتجنيد الشباب، قبل أن يستخدمهم حيث يجد له مصلحة في ذلك.

وإذا كان كل متّهم قدّم جملة أسباب جعلته يلتحق بـ”داعش”، فإنّ البارز كان إجماع هؤلاء على التأثير الحاسم لجرائم نظام بشّار الأسد على قرارهم.

وقال صلاح عبد السلام، بالمعنى نفسه الذي كان قد ذهب إليه “زملاؤه” في قفص الاتهام:” لقد أيّدت الدولة الإسلامية، قبل أن أتجنّد في صفوفها، عندما شاهدتُ طريقة تعامل بشار الأسد مع شعبه: إنّه يقتل الأطفال والأبرياء”.

وكان صفيان أياري قد أشار إلى أنّ “إنسانيتي في البداية جعلتني أنظر إلى ما يحصل في سوريا وليست ديانتي”.

وقد بدا واضحاً، في هذه المحاكمة، أنّ “البطاقة الخضراء” التي حصل عليها النظام السوري لقمع الثورة ضدّه، بكل وسائل العنف التي يملكها، قد أحسن “داعش” توسّلها لتجنيد الشباب في أكثر من دولة في العالم، وأقنعهم بظلم الغرب له، انطلاقاً من رؤية هؤلاء كيف أنّ الدول الكبرى قد استخدمت طاقاتها العسكرية ضد “الدولة الإسلامية”، في حين تركت النظام السوري، على الرغم من الجرائم التي ارتكبها ضد الإنسانية ، طليق اليدين.

إنّ الحقائق التي تخرج من هذه المحاكمة التي وُصفت في فرنسا بالتاريخية، لن تمر مرور الكرام، لأنّها، وبالملموس، تجيب عن سؤال حيّر الكثيرين، سابقاً: كيف يعقل لمن وُلد وعاش في أوروبا أن يُقدم على عمليات إرهابية تستهدف مواطنيه؟

وهذا السؤال لم يُطرح من منطلق فلسفي بل من منطلق سياسي-أمني-مجتمعي، وهدفه التفتيش عن السبل التي تحول دون انجذاب الشباب إلى العمل الإرهابي، مستقبلاً.

إنّ هذه الإفادات التي تتلاقى مع كثير من الدراسات الموضوعية حول جاذبية “داعش” ومثيلاته، تُبيّن أنّ هناك تداعيات خطرة للغاية لفكرة تعويم نظام بشّار الأسد وتطبيع العلاقات معه، بدل الإصرار على محاكمته على الجرائم ضد الإنسانية الموصوفة في تقارير المنظمات الدولية ولجان التحقيق الدولية.

ولم تَبخل هذه الدراسات سابقاً في تقديم ما يكفي من معطيات تبيّن أنّ “العصر الذهبي” لـ”داعش” في سوريا بدأ بعد تراجع إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما عن توجيه ضربة عسكرية إلى نظام بشّار الأسد، على الرغم من تجاوزه “الخط الأحمر” بعد ثبوت استعماله الأسلحة الكيميائية ضدّ الشعب السوري.

وعليه، يظهر بوضوح أنّ العمل على تجفيف مصادر الإرهاب لا يقتصر على الوسائل العسكرية والأمنية والقضائية والدعائية والدينية، بل ينطلق من وجوب معالجة الخلفية الجاذبة المتمثّلة بالمظلومية، بغض النظر عن المصالح السياسية.

ومباركة استمرار نظام بشّار الأسد، على الرغم من الجرائم التي اقترفها، تعني السير عكس ما تقتضيه أصول مكافحة الإرهاب، لأنّ الإرهاب الذي مارسه ويمارسه يُعزّز “جاذبية ” التنظيمات المتستّرة بالدين التي تزعم محاربته، إذ أنّ صلاح عبد السلام، عندما سأله رئيس محكمة الجنايات الخاصة في باريس عن سبب اختياره “داعش” بدل “الجيش السوري الحر” أجاب، كما لو كان يختار مسبقاً، الفريق الرابح بقدرة الله: “هذا الجيش يحارب من أجل الديمقراطية أما الدولة الإسلامية فمن أجل نظام إسلامي، والإسلام سوف ينتصر بنا أو من دوننا”.

إنّ رفض الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي الأفكار التي تطرحها بعض الدول ترويجاً لنظام بشّار الأسد لا ينبع من “عناد”، إذ يثبت، يوماً بعد يوم، لهذه الدول أنّ مصلحتها العليا تكمن في محاكمة هذا النظام وليس في إضفاء الشرعية عليه.

وقد يكون القضاء الألماني الذي حاكم ويحاكم أشخاصاً يتّهمهم بأنّهم أدوا أدواراً قذرة لمصلحة النظام السوري هو البوصلة التي توصل إلى الهدف المرسوم.