“حزب الله” يوحي بأن تفاهماً انتخابياً ثلاثياً أُنجِز في 6 دوائر… “التيار” يتحفّظ ويطالب “برؤية أشمل وأكثر وضوحاً وثباتاً”

ابراهيم بيرم – النهار

أكثر من إشارة أرسلها “#حزب الله” في الآونة الاخيرة تعطي انطباعا فحواه ان جهوده التي بذلها اخيرا قد نجحت الى حد بعيد في انجاز تفاهم انتخابي ثلاثي بينه وبين حركة “امل” و”التيار الوطني الحر” في عدد من الدوائر الانتخابية. لكن “التيار البرتقالي” وإن أقرّ بأن ثمة تقدماً أُحرِز في هذا الاطار، إلا انه لا يماشي الحزب في هذا الاستنتاج المتفائل لان شيطان الخلافات يكمن دوما في الحسابات التفصيلية.




قبل ايام زار احد الناشطين السياسيين والاعلاميين المعروفين نائب الامين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم وخرج من عنده باستنتاج مفاده “ان المساعي المكثفة التي بذلناها اخيرا بين حليفينا الحركة والتيار قد اثمرت تفاهما انتخابيا متقدما في 6 دوائر، وان جهودنا مستمرة بغية ازالة التعارضات والعقبات الحائلة دون ابرام تفاهم مماثل في دائرتَي البقاع الغربي – راشيا وجزين – صيدا”.

الشخصية القيادية الثانية في الحزب والمكلف الاول ادارة ملف #الانتخابات النيابية، بدا بحسب زائره في “حال ابتهاج وارتياح” لما يعتبره انجازا استثنائيا في مشهد سياسي ضبابي وفي ظروف غاية في التعقيد. وليس هذا بمستغرب، فالتفاهم المحكي عنه إنْ كان مضمونا إنفاذه أتى بعد ثلاث وقائع قاهرة بالنسبة الى الحزب هي:

الاولى بعد احتدام السجال السياسي على نحو غير مسبوق بين الحركة والتيار وبلوغه حد القطيعة، خصوصا في الآونة الاخيرة، وتحديدا بعد الملابسات والتداعيات التي تلت انفجار مرفأ بيروت وقضية المحقق العدلي المولج بالتحقيق في هذه القضية الحساسة.

والثانية اعلان “التيار البرتقالي” ما يشبه “الانتفاضة والتمرد” في وجه “حزب الله” على خلفية اتهامه اياه ضمناً بمحاباة حليفه الآخر، اي الرئيس نبيه بري، وعدم المضي معه جديا في رحلة الاصلاح ومحاربة الفساد والمنظومة الحاكمة، وتلويحه (التيار) تاليا بالخروج من “تفاهم مار مخايل” المبرم قبل 16 عاما بين الطرفين.

الثالثة تعاظم رهانات دائرة خصوم الاطراف الثلاثة على “إلحاق الهزيمة” بهم في الانتخابات الموعودة بعد نحو 92 يوما، والانطلاق بحملة على قاعدة ان ساعة الفوز المبين آتية ولاريب، وان من شأن ذلك قلب المعادلة النيابية الحالية رأسا على عقب، ما يفتح الابواب امام مشهد سياسي مغاير تماما.

لم يعد خافيا ان الحزب وايمانا منه بان الوقائع والمعطيات التي اتاحت له الحصول في الانتخابات الأخيرة على اكثرية مريحة في مجلس النواب بعد تجربتين سابقتين مختلفتين كانت النتائج فيهما معكوسة، تبدو الى انحسار منذ التطورات المتسارعة في اعقاب انطلاق حراك 17 تشرين الأول 2019، فانه قد سارع في الآونة الاخيرة الى وضع كل رصيده وثقله عند حليفيه بغية تبيان مخاطر عدم ذهاب الثلاثي معا نحو تفاهم انتخابي على كل المستويات.

وهكذا، وطوال الاسابيع الثلاثة الماضية استنفر الحزب كل الجهاز المعني بهذا الموضوع وفتح كل اقنية التواصل مع قيادتَي الطرفين مقرونة بحملة اتصالات مماثلة مع قوى اخرى حليفة مثل “تيار المردة” والحزب السوري القومي الاجتماعي بجناحيه قيادة المركز في الروشة وقيادة اسعد حردان، الى حلفاء آخرين في الساحتين السنية والدرزية. وبحسب المعلومات المتوافرة فان الحزب نجح فعليا في تدوير الزوايا وتبريد الاجواء الحامية بين “التيار البرتقالي” و”أمل”، خصوصا بعد تيقن قيادة الحركة ورئيسها الرئيس بري بان الوضع دقيق جدا وان ليس هناك فرصة لـ”ترف الوقت” وللدخول في حروب جانبية صغيرة. والنتيجة غير المريحة عينها كانت ولاشك ماثلة بعناد امام قيادة التيار.

لذا وبعيدا مما تشيعه قيادة الحزب المعنية بالملف الانتخابي عن ايجابيات تحققت وخرق ظهر، فان الثابت في المشهد هو الآتي:

– ان انخفاضا ملحوظا في منسوب السجال والتراشق الكلامي بين الحركة والتيار قد سجل اخيرا قياسا بما كان عليه سابقا.

– ترسّخ قناعة ضمنية لدى هذين الطرفين بان حسابات الساحة السياسية بعد اعلان الرئيس سعد الحريري انسحابه من دائرة الفعل السياسي، قد باتت مختلفة، لاسيما بعد السباق المحموم الجاري لملء الفراغ المدوّي على مستوى هذه الساحة.

وعلى رغم كل ذلك، فان “التيار الوطني” لا يبدو انه في وارد الذهاب الى النهاية في موجة التفاؤل التي يطلقها الحزب، بل انه يحرص على الايحاء بانه ما برح على شك وريبة وتحفّظ من تبنّي اعلان التفاهم الانتخابي الثلاثي.

ويقول القيادي في التيار وأحد المعنيين بالملف الوزير السابق غسان عطاالله في اتصال مع “النهار”: “لا بد من الاقرار بان الحزب يبذل منذ فترة كل ما في وسعه بغية تدوير الزوايا وتهدئة الاجواء توطئة وتمهيدا لبلوغ مرحلة التفاهم الانتخابي التي ننشدها جميعا. وبالفعل نحن نتلمس ان الاجواء الساخنة بيننا وبين حركة أمل قد بردت، وبدأنا نتلمس استعدادات مختلفة ووعيا اعمق للامور، لكن ذلك، على بلاغته، لا يجعلنا نفرط في التفاؤل ونبني على قاعدة ان كل العقد ذُللت وان الحلول صارت جاهزة”.

ورداً على سؤال قال: “صحيح ان من مصلحتنا كأطراف ثلاثة المضي نحو ارساء اسس تجربة شراكة سياسية انتخابية لاننا نعي تماما حجم التحديات والمخاطر التي يفرضها الخصوم على محورنا، وهم يهددوننا يوميا بحرب الغاء واقصاء إنْ افلحوا في كسب الاكثرية، إلا اننا ما زلنا نقيم على نسبة من الحذر انطلاقا من قواعد ثلاث: الاولى ان الشياطين تكمن عادة في التفاصيل، والثانية اننا نرغب بكل صراحة وشفافية في ارساء تفاهم يقوم على رؤية اكثر وضوحا وشمولا، اذ من حقنا ان نطمح الى ما يتعدى “رفقة” موسمية عابرة تتحول بعد الانتخابات الى عداوة ومواجهات. والثالثة انه لا يمكن قاعدتنا ان تتقبل التعاون والتصويت لشخصيات اعلنت علينا في القريب الحرب رغم ما قدمناه لها في الانتخابات الماضية”.

وخلص عطاالله: “نعم ثمة بوادر تفاهمات في عدد من الدوائر وثمة نيات حسنة، لكن من حقنا ان نسأل من باب الحذر من التفاصيل هل ستمنح حركة امل اصواتها في الشوف وعاليه لمرشحينا ام لمرشحي وليد جنبلاط؟ صحيح ان الامر لن يحدث فرقاً في حسابات الارقام، لكن اثارتنا للموضوع على هذا النحو تندرج في إطار مطالبتنا باتفاق ورؤية شفافة وشاملة وليست غب الطلب والمصلحة. فضلا عن ذلك لا يمكن قواعدنا ان تقبل بان يكون ايلي الفرزلي ووئام وهاب على لوائحنا مع مرشحينا، وهما اللذان لم يكن من شغل شاغل لهما في الآونة الاخيرة إلا مهاجمتنا وانتقادنا”.