لماذا يتطلع العهد الى الوراء للاعتذار عن الحاضر؟ – مروان اسكندر – النهار

محاسبة هذا العهد على إخفاقاته أمر بسيط. فالعهد لم يوفر ل#لبنانيين إنجازاً وحيداً، ومع تولّي نجيب ميقاتي رئاسة الحكومة منذ ما يزيد على ثلاثة أشهر لم نسمع بمحاولة تطوير إيجابي حتى تاريخه. ولا يبدو أن هنالك اختصاراً للعجز في الميزانية، والهدر في مصلحة كهرباء لبنان لا يزال مستمراً، ووزير الكهرباء الذي يعلن مراراً وتكراراً عن خطة للكهرباء لم يفصح عن خطوة جديدة ستقرّ وتنفذ في وقت قريب وقد أحيل موضوع الكهرباء، لرغبة البعض في فصله عن ارقام الموازنة من أجل تصوير العجز وكأنه إن تبدّى في مصلحة الكهرباء فلا يعتبر محتسباً من قبل الهيئات الدولية وهذا التوجه عقيم. والعجز إن أخفي من بين أرقام رسمية يبقى وقعه السيئ على مالية ضعيفة للدولة التي تودّ المحافظة على منافع لوزراء سابقين – لماذا؟ الله يعلم.

بداية لا بد من التأكيد أن المساعدات للدولة لن تتوافر إلا إذا بدأنا بالفعل خطوات التغيير في مؤسسات الدولة وفي اختصار بعض مجالسها التي يصل عددها إلى حدود 90 مؤسسة عامة لا نفع منها، علماً بأن أكلافها غير بسيطة ولنبدأ بمؤسستين.




هيئة الطاقة التي تألفت منذ عام 2013 من عدد من أعضاء يتقاضون معاشات وتعويضات مجزية ورئاستها تُعدّل كل سنة وكان من المفترض أن تنتخب هيئة جديدة منذ عام 2019 – عام التعبير عن الغضب الشعبي – ما لم يحصل أيّ تغيير ما بين أعضائها.

الامر الوحيد الذي تجلى هو اختيار رئيسها الاول الذي كان ولا يزال يتمتع بخبرات واسعة في نشاطات البحث والتنقيب عن النفط وهو عمل في هذه المجالات في روسيا وبحر الشمال وتولّى منصباً رفيعاً في شركة توتال الفرنسية. الدكتور ناصر حطيط، هذا الرجل الموهوب وصاحب الخبرة، تقاعد بخياره لأنه شعر بأن تشكيلة الهيئة ووسائل عملها غير مجدية. فهنالك أعضاء لا يعرفون شيئاً عن اقتصاديات النفط والغاز، وهنالك رجل قانون لا يعرف اللغة الإنجليزية ومذكراته يجب ترجمتها قبل اعتماد الرأي خاصة تجاه بعض الشركات التي كانت قد أبدت رغبتها في التنقيب والتطوير وهي شركة إيني الايطالية. وشركة توتال التي تولّت التنقيب في القطعة رقم 4 من المياه الاقليمية ولم تتوصّل الى اكتشاف مجدٍ للغاز، والشركة الثالثة روسية مكلفة مبدئياً بالتنقيب في الرقعة رقم 9 التي تحاذي المياه الاقليمية الاسرائيلية والتي تحتوي على حقل مهم للغاز يكفي حاجات إسرائيل لتوليد الكهرباء.

نقرأ أن الأمل الوحيد الباقي لاستعادة نشاط وتنوع الاقتصاد اللبناني يرتكز على اكتشاف الغاز أو النفط أو مصدري الطاقة بحيث نعالج مديونية الدولة بدل أن نسعى الى تحميل المودعين خسائر ناتجة عن الإنفاق المتوسع لبعض الوزارات وأهمها وزارة الطاقة التي تعجّ بالخبراء دون أي إنتاج ملحوظ.

يمكن خلال أسبوع، إذا تحركت الوزارة بدل الغوص في المناكفات السياسية، انتخاب أعضاء هيئة جدد يُستحسن أن يشملوا الرئيس السابق الذي استقال بسبب جمود أعمال الهيئة، ودعوة الشركات الثلاث لمتابعة أعمالها، ومع ارتفاع اسعار النفط وأسعار الغاز 6 أضعاف لا بدّ من أن تكون الحماسة للنشاط قوية، كما يمكن تعديل الاتفاقات لتشمل مدفوعات مسبقة للحصول على التكليف بالبحث والانتاج، قد يكون من الممكن دعوة شركات أخرى بعد ارتفاع أسعار النفط والغاز لتفحص إمكانات لقطعات أخرى غير رقم 4 و9.

مثال آخر على الهدر المستمر يتجلى في ما يُسمّى مجلس الاعلام المرئي والمسموع، هذا المجلس المعيّن منذ تولّي الرئيس الحريري رئاسة الحكومة بعد انتخابات عام 2000، وأقر شكل المجلس وأعطي مساحة لممارسة أعماله في مبنى وزارة الاعلام، وخلال السنتين الاخيرتين – وكانت فترة تعيينه قد انقضت – لم يصدر عن المجلس أي توصية أو قرار أو شكوى على صدور مقالات ومقابلات تحتوي على مقاطع غير مقبولة إن سياسياً أو أدبياً، وهذا المجلس الذي يتقاضى أعضاؤه تعويضاً شهرياً يوازي 5 آلاف دولار لكل عضو عيّنه بكامل أعضائه خال الرئيس الأسد الذي تغيّب عن الحياة.

بالطبع، المثلان المشار إليهما لن يؤديا الى اختصار العجز بل الى تبيان نيّة الحكم بمعالجة الهدر، وهنا نأتي الى إمكانية واضحة لاستقطاب استثمار مفيد في وقت قصير، والمهم التأكيد أن أي استثمارات ملحوظة في لبنان لا يمكن أن تتوافر سوى لتسيير مرافق عامة مثل مرفأ طرابلس ومرفأ بيروت، مطار رينيه معوض، وشبكة الاتصالات التي يمكن أن تؤدّي الى تحصيل 6-7 مليارات دولار.

الاستثمار الذي نتكلم عنه هو تملّك نسبة 40-50% من مؤسسة الريجي التي هي المرفق الوحيد الذي يؤمن للدولة منافع مالية كبرى والمشرف على إدارة الريجي المهندس ناصيف سقلاوي وطاقم مجلس الإدارة حققوا خفض عدد الموظفين من حوالى 2500 الى دون الألف، وحدّثوا وسائل الإنتاج وواجهوا المنافسة غير الشرعية لمنتجات التبغ الوافدة من سوريا.

المجلس النيابي أقر تشريع زراعة الحشيشة منذ سنوات قليلة، والهيئة الوحيدة القادرة على التحكم بالإنتاج هي الريجي التي تتعامل مع عشرات الآلاف من مزارعي التبغ، وقد أقرت ألمانيا أخيراً شرعية تدخين الحشيشة لأي سبب يرغب فيه المستهلك، وهنالك شركات ألمانية تسعى لإنجاز عقود على إنتاج الحشيشة في أفغانستان وبالإمكان مع إدارة نشيطة كالتي يتمتع بها الريجي مباشرة مباحثات قد تؤدي الى مشاركة ألمانية أو أكثر من تملك 40% من الريجي وتسويق الانتاج بغالبه في ألمانيا التي يبلغ عدد سكانها 82 مليون نسمة، ومعلوم أن هولندا التي سمحت منذ زمن بحرية تدخين الحشيشة كانت تستورد الإنتاج اللبناني عبر سوريا وتحكم ضبّاطها الامنيين على عمليات التصدير ومنافعها… ربما نستفيق لإمكانات ماثلة أمام أعيننا قبل أن تغيب عنا الفرص.