لبنان والفرصة التي ضاعت إلى الأبد

يوم اندلعت الانتفاضة الشعبية في لبنان في أكتوبر 2019، كان مطلبها الذي جمع بين كل طوائف لبنان هو إسقاط النظام، بكل ما فيه، وبكل مَنْ فيه.

الوحيد الذي استجاب لهذا المطلب هو سعد الحريري. فقدم استقالته، داعما الدعوة إلى تشكيل حكومة تكنوقراط، ريثما يتم إجراء الإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة، وعلى رأسها إصلاح النظام نفسه. وهو ما كان يعني إعادة النظر بكل ما قام عليه، ابتداء من اتفاق الطائف، وصولا إلى صيغة 1943 التي وزعت الأدوار الرئيسية بين الطوائف الثلاث الكبرى.




الأزمة اتخذت من هناك مسارا آخر. لا حكومة التكنوقراط نشأت، إذا استثنينا حكومة الزيف التي شكلها حسان دياب، ولا الإصلاحات بدأت، ولا الشارع حافظ على زخم انتفاضته.

وعندما وقع انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس 2020، ودخلت البلاد في درك أسفل من الانهيار الاقتصادي، فقد انقلبت “فلول” انتفاضة أكتوبر، إلى ما يشبه الاعتراف المكتوم بوفاة لبنان. كل اللبنانيين أدركوا أن بلادهم سائرة إلى جحيم لا خلاص منه. والبحث عن وسائل للخلاص الفردي، حيث صارت العائلات تجوع، أسقط الحس الجماعي بالحاجة إلى التغيير.

مضى الأمر على هذا النحو إلى الآن. كل ما تسمعه في لبنان هو نواح فقط على بلد قتيل. وحيثما أصبح الخلاص الفردي هو الأساس، فقد ماتت حتى الدعوات إلى التغيير. التظاهرات المتفرقة صارت مجرد احتجاجات غاضبين لا يعرفون مسارا للخلاص. وكان من الطبيعي أن تتحول إلى أعمال شغب، ونهب وحرائق وتكسير واجهات زجاجية.

الانتفاضة نفسها ماتت. ومات معها الحس بالحاجة إلى إعادة بناء النظام.

أهل النظام، تركوا حبل الأزمة على الغارب، واكتفوا بتحصين مناطق نفوذهم، تارة بخبز مجاني، وأخرى بأدوية فاسدة، وثالثة بعطايا للأتباع الذين يعملون في خدمتهم.

لبنان لن يشهد انتفاضة أخرى. هذا الخيار سقط وتمرغ بالوحل تحت أقدام حسن نصرالله وجبران باسيل وميشال عون ونبيه بري

هؤلاء الأتباع، الذين عرفوا ماذا يعني الجوع، أصبحوا أكثر ولاء لمَنْ يعطيهم الفتات، وفقا للقاعدة التي تقول “جوّع كلبك، يتبعك”.

جيش من الكلاب الجائعة هو الذي يحافظ على “النظام” القائم في لبنان الآن. النظرة السائدة بينهم تقول “لا يهم ما يحصل للآخرين. المهم أن تطعم أطفالك مما تحصل من عطايا القائد العبقري، أو سيد المقاومة”.

ويثبت بالدليل المشهود الآن، إن استكلاب الجياع، سلاح فعال. ويمكن توجيههم أينما تشاء.

لا حاجة لتسأل، لماذا لم تظهر قيادة فعالة يمكنها أن تقود الانتفاضة إلى ما كان ينبغي لها أن تذهب. الاستكلاب كان بوسعه أن يمزّق كل شيء. وتفتيت الإرادة على النجاة الجماعية كان تحصيل حاصل بديهي، حتى وإن كان المُستكلبون يعرفون أنه هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يبدأ منه الإنقاذ. “يا روحي ما بعدك روح”. هذا هو الأساس الذي يوفر لحزب الله، وحزب “العهد القوي” أن يحرّك كلابه ضد نفسها، وضد الآخرين في آن.

لبنان لن يشهد انتفاضة أخرى. هذا الخيار سقط وتمرغ بالوحل تحت أقدام حسن نصرالله وجبران باسيل وميشال عون ونبيه بري.

وكل ما بقي هو تسويات ترضي الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بمصير لبنان، إنما بالتفاوض مع هؤلاء.

ويعرف أهل النظام أن هذه الأطراف لم تعد تملك خيارا آخر. فهم يتخذون لبنان رهينة، ويضعون على رأسها مسدسا، ليطالبوا بـ”حزمة إنقاذ”، بشروطهم هم، لا بشروط المنقذين.

تدبير الأحابيل الإصلاحية الكاذبة أمر ممكن. والمجيء بحكومة تكنوقراط، تشبه حكومة الزيف التي قادها حسان دياب، واحد من أسهل الأشياء. وها هو الرئيس نجيب ميقاتي يقود في الواقع حكومة من هذا النوع، يعطّلها حزب الله متى ما يشاء، ولأي سبب يشاء. وبرغم أن الزعم قال في تشكيلها إنه لن يكون فيها “ثلث معطل” لأي أحد، فإذا بها تتعطل بعد أسابيع فقط من تشكيلها.

لقد أتاح انسحاب سعد الحريري و”تيار المستقبل” من الحياة السياسية، فرصة لن تتكرر للعودة إلى مطالب انتفاضة أكتوبر.

هذا الانسحاب، لو أنه امتد ليشمل الطائفة السنية برمتها، لكان سيوفر سبيلا لسقوط النظام.

حسن نصرالله لا يقود مشروعا للهيمنة على لبنان فقط، وإنما مشروعا للتجويع والاستكلاب، حيث لا أحد يجرؤ على سلاحه، ولا على هيمنة إيران

نعم، سوف يلبي تعطيل الانتخابات طموح الراغبين بالتجديد لأنفسهم في المجلس النيابي، ولبقاء الرئيس عون في منصبه، ولكن في نظام ساقط، يجني ما زرعت يداه.

شخصيات سنّية رفيعة مثل الرئيس تمام سلام، سارعت إلى إعلان الانسحاب من الانتخابات أيضا، مدركة أن النظام القائم لم يعد قابلا للإصلاح، وأن انهياره على رؤوس أصحابه هو الخيار الوحيد الباقي للذين يأنفون على أنفسهم معيشة الكلاب تحت راية حسن نصرالله، وعطاياه التي يستحصل عليها من تجارة المخدرات.

عندما أصبح انهيار الانتخابات إيذانا مبكرا بانهيار النظام، سارع الرئيس عون إلى دار الإفتاء بنفسه لكي يمنع المفتي عبداللطيف دريان من اتخاذ موقف يدعم انسحاب الحريري.

المفتي دريان يعرف كل الأسباب التي دفعت الحريري إلى اتخاذ موقفه. ويعرف أن البلاد التي سقطت تحت أقدام حسن نصرالله، لن تنقذها إصلاحات وهمية. كما لن تنقذها انتخابات تعود لتبعث الحياة في نظام كان يجب أن يُدفن. ولعله لا يزال يدرس اتخاذ الموقف الإنساني، النبيل، الوحيد الصحيح. وهو الموقف الذي تبنته انتفاضة 17 أكتوبر. “كلن يعني كلن” هكذا قال الناس. وهو يعرف أيضا أن الحريري هو الأول والوحيد الذي استجاب، متخليا عن رئاسة الوزراء.

سعد الحريري أكبر من منصبه. ولئن ارتكب بعض أخطاء ففي بلد يعوم فوق بحر من الخطايا، وتتطلب النجاة فيه مناورات قد لا تصح. إلا أنه أكبر من منصبه. ولبنان أكبر منه. ولهذا السبب تجرأ على أن يخلع القفاز ويرميه بوجه النظام.

حزب الله سوف يجد، بين المستكلبين مَنْ يمكنه أن ينبح زاعما أنه يمثل الطائفة السنية، إلا أن هذا ليس هو الحل. ولا بد أن المفتي دريان يعرف ذلك. يدركه خير إدراك. ويدرك أنه ما لم يتخذ موقفا شجاعا حيال الانتخابات المقبلة، فإن الفرصة الأخيرة لإنقاذ البلاد سوف تضيع إلى الأبد.

الغاية الوحيدة لهذه الانتخابات، هي إعادة إنتاج نظام الفشل الراهن؛ منحه بعض الشرعية لكي يحيا على أساس معادلة المسدس الذي تم وضعه في رأس الرهينة.

لقد سارع عون إلى دار الإفتاء لكي يضمن منها القبول بالأمر الواقع، وعدم مقاطعة الانتخابات. ويرتكب خطيئة عظمى مَنْ يمشي على خطاه.

سوف لن يغفر التاريخ للشيخ دريان، كما لن يغفر للفعاليات السنّية الكبرى مثل الرئيس فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي نفسه، إذا قبلوا الاستمرار في اللعبة التي أوصلت اللبنانيين إلى هذه الحال. لأن الفرصة التي أتيحت مرة لن تتاح مرة أخرى.

حسن نصرالله لا يقود مشروعا للهيمنة على لبنان فقط، وإنما مشروعا للتجويع والاستكلاب، حيث لا أحد يجرؤ على سلاحه، ولا على هيمنة إيران، وحيث الكل ينبح “مقاومة” لم يبق منها إلا الزيف.

مصير كهذا سوف يجعل لبنان رهينة إلى الأبد، ويطول النواح.




علي صراف – العرب