هل حقاً سنعيد انتخابهم؟

حازم الأمين – الحرة

اللبنانيون أمام استحقاق كبير. إنه الانتخابات النيابية التي سيدلون فيها بما في أنفسهم حيال النظام الذي تولى إذلالهم وقتلهم وإخضاعهم. هذا النظام، بكل أطرافه وقواه ووجوهه، يعرض عليهم الاقتراع له والتجديد لقواه، وبالتالي يعرض عليهم أن يواصل ما بدأه من سرقة وفشل وارتهان.




وهذا النظام، على ما يبدو، منافس قوي في الانتخابات، لا بل هو المنافس الأقوى فيها! ألا يبدو ذلك غريباً وقاسياً وعدمياً؟

فاللبنانيون يعرفون أن القوى التي يتشكل منها النظام مسؤولة عن المأساة التي حلت بهم، وهم يعايشون عن قرب ما يتنعم به المسؤولون المنتخبون من ثروات، وهم أيضاً من جرى السطو على مدخرات ثلاثة أجيال منهم، وهم من زلزل انفجار مرفأ بيروت حياتهم وبيوتهم وقتل معارفهم وأقاربهم وأهلهم. والطبقة السياسية هي من ارتكب كل هذه الجرائم.

الطبقة السياسية، اسماً اسماً وحزباً حزباً، هي من فعل ذلك، وهي إلى اليوم ما زالت المنافس الأقوى في الانتخابات النيابية.

إذا ما عرضنا هذه المعادلة على أي عاقل في العالم، فسيحل اليأس عليه، وسيشير على من يعرضها عليه بأن يغادر بقعة الظلام هذه إلى بلاد الله الواسعة!

المشهد عبثي فعلاً. السراق يتصدرون اللوائح الانتخابية، والمفارقات شديدة القسوة والوضوح. فمن يتهمهم قاضي التحقيق بالتسبب بانفجار المرفأ مرشحون أقوياء للانتخابات النيابية، وحاكم المصرف المركزي الذي ادعت عليه خمس دول بشبهات الفساد هو الرجل الأقوى في موقعه، ورئيس أكبر تكتل نيابي في مجلس النواب أصابته عقوبات أميركية، وزعيم أكبر طائفة غادر قصره مخلفاً عشرات الآلاف من الدائنين ومن الموظفين غير المستوفين حقوقهم.

ناهيك عن أن أكبر حزب في لبنان يجاهر بسلاحه ويتوجه مسؤول فيه إلى قصر العدل ويهدد قاضٍ أمام وسائل الإعلام! كل هذا والطبقة السياسية، هي المرشح الأقوى في الانتخابات.

تستحق هذه الحقيقة أن نتوقف بفعلها أمام أنفسنا. من نحن؟ وما كل هذه المازوشية؟ ذاك أننا نقترع ضد أنفسنا، ونقترع أيضاً لتواصل المصارف سطوها على مدخراتنا. هل سنفعل ذلك حقاً؟

هؤلاء الحمقى، رجال الإحصاءات، الذين يظهرون على الشاشات ليكشفوا أن استطلاعات الرأي تعطي حزب الله تقدماً كاسحاً عند الشيعة ووليد جنبلاط تصدراً عند الدروز والمسيحيون سينقسمون بين القوات اللبنانية والتيار العوني، ألا يشعرون بأن ثمة مصيبة حلت، وأن الناس ربما تغيرت وأن من عاش من دون كهرباء في ذروة الحر وفي ذروة البرد لن يقترع لمن أنار قصره وأطفأ منازل الناس؟

لكن المذهل أن رجال الإحصاءات يتحدثون بثقة عن أرقامهم. يعيدون ما قالوه في الانتخابات السابقة، وكأن السنوات الأربع الفائتة لم تشهد كل هذه المصائب. إذا كان ما يقولونه صحيحاً، فهذا سيكون درساً بالغ القسوة.

سيعني أن الفساد هو الأصل، وأن الفشل يجب أن يصبح جزءاً من مناهج التعليم بوصفه شرطاً للتقدم، وسيادة الدولة عبارة يجب محوها من الدستور. فوز السلطة في لبنان بالانتخابات يعني ذلك، وإذا أردت لابنك غير قيمها فعليك إرساله إلى دولة أخرى.

ثلاثة أشهر تفصلنا عن موعد الانتخابات. كل ما علينا فعله في التسعين يوماً هذه، هو ألا نصدق أهل الإحصاءات. أرقامهم التي يكشفونها أشبه برصاصات في رؤوسنا، وتعاميهم عن أثر موبقات أهل السلطة على خيارات الناخب فيه قدر من انعدام الحساسية، ناهيك أنه ينطوي على ترحيب بالتجديد لمجرمين.

المشهد الانتخابي اللبناني مزدحم بوقائع تدفع إلى اليأس. نواب يرشحون أبناءهم، وأحزاب عادت لتأتلف بعد أن فرقت بينها نزاعات على الغنائم، وإعلام باشر الاستثمار وعرض خدمات مقابل رشاوى، وانهيار العملة جعل المال الانتخابي في متناول مرشحين من صغار الفاسدين.

وفي مقابل كل هذا السوء جرى اختراع عدوٍ اسمه “المجتمع المدني” تولت آلة حزب الله الأيديولوجية إحلاله محل العدو المذهبي، وحولته إلى “شيطان أكبر”، مستعيضة فيه عن أعدائها التقليديين بعد أن انسحب سعد الحريري، وما عاد في الإمكان التعويض مسيحياً في ظل تراجع مؤشرات ميشال عون الانتخابية.

أي ثقب في جسم النظام يمكن أن تحدثه الانتخابات سيكون نافذة من الأوكسجين تعين على أن نبني عليها أفقاً ومستقبلاً. لا خيار أمامنا سوى أن نراهن على ذلك، من دون أن نبني قصوراً من الأوهام.

لا معنى للأرقام طالما أن ثمة متغير اسمه الانهيار لم نختبر بعد مفاعيله على خيارات الناخب. ليس أمامنا سوى أن نقول “كذبت جماعة الإحصاءات وإن صدقت”.