بيروت الثانية بعد سعد الحريري… فوضى انتخابيّة و”حزب الله” الأقوى

اسكندر خشاشو – النهار

على مشارف ذكرى 14 شباط، وفيما بيروت تتحضّر لإحياء ذكرى رفيق الحريري، تشهد المدينة حالة من الفوضى الانتخابيّة الكبيرة، ربّما لم تعرفها منذ سنوات طويلة.




من دون شكّ، إنّ قرار الرئيس سعد الحريري تعليق عمله وعمل “#تيّار المستقبل”، قد ترك آثاره على مستوى لبنان، فكيف على دائرته الانتخابيّة بالذات؟

أدّت التقسيمات الانتخابيّة التي أفرزها قانون الانتخاب الجديد، الى تغيير في “الستاتيكو” على الأرض، وجعلت “تيّار المستقبل” لاعباً أساسيّاً في بيروت الثانية، لكنّه لم يعد اللاعب الأوحد، لا بل أثبتت بل أظهرت أنّ له منافساً شرساً يقاسمه عدد مقاعده، إضافة الى عدد من المنافسين الآخرين، لكن بقدرات محدودة أو ضئيلة.

في بيروت الثانية، 11 مقعداً مقسّماً إلى 6 مقاعد سنّية، مقعدين شيعيّين، مقعدٍ أورثوذكسيّ، مقعدٍ للأقليّات، ومقعدٍ للدروز. ففي عام 2018، حيث شهدت الدائرة طفرة ترشيحات، وخاضت الانتخابات 9 لوائح، فازت لائحة المستقبل بـ6 مقاعدَ من بينها 4 مقاعدَ سنّية (سعد الحريري، نهاد المشنوق، تمّام سلام، رولا الطبش)، ومقعد أورثوذكسيّ (نزيه نجم)، ومقعد درزيّ (فيصل الصايغ)، فيما فازت لائحة “#حزب الله”، بأربعة مقاعد، شيعيّين (أمين شري، محمّد خواجة)، وسنّي (عدنان طرابلسي)، وأقلّيات (إدغار طرابلسيّ)، وفاز فؤاد مخزومي بمقعد واحد.

أمّا بالنسبة إلى دورة 2022، فحتّى الساعة يمكن وصف الوضع بالفوضوّي، وعدم الوضوح، فانسحاب “تيّار المستقبل” خلط الأوراق جميعها، إضافة الى انسحاب الرئيس تمّام سلام، وهو من أبناء الزعامة البيروتيّة، جعل الساحة فارغة وضائعة، ولم يتمّ تشكيل أيّ إطار حتّى الساعة، يمكّنه وراثة “التيّار” الأزرق.

هذا الانسحاب والفراغ الذي خلّفه، جعلا “حزب الله” اللاعب الأقوى والأكثر تمكّناً، خصوصاً أنّه لا زال يحافظ على كتلته الناخبة الموحّدة من دون أيّ تأثير يُذكر. وهو بحسب المعلومات المتوافرة، يعمل على تشكيل لائحتين للاستفادة القصوى من انسحاب المستقبل، لائحة تضمّه مع “حركة أمل” وبعض المرشّحين الذين يدورون في فلكهما، في مقابل تشكيل لائحة أخرى بوجه سنّي، تترأسها جمعية المشاريع الخيريّة الإسلاميّة (الأحباش)، الذين يرغبون في ترشيح شخصيّتين حزبيّتين بالتحالف مع “التيّار الوطنيّ الحرّ”، ومرشّح لطلال أرسلان عن المقعد الدرزيّ وبعض أبناء العائلات البيروتيّة الذين تعصف عائلاتهم بمشكلات.

ويكون الحزب بهذه الطريقة أبعد عنه إحراج “التيّار الوطنيّ الحرّ” من التحالف مع حركة أمل، كما أبعد عن الرئيس نبيه برّي إحراجه مع وليد جنبلاط بالنسبة إلى المقعد الدرزيّ، وأزال إحراج بعض العائلات من التحالف مع الثنائيّ.

وعلى الطرف الآخر، لا تزال الشخصيّات التي تدور في فلك “تيّار المستقبل” متريّثة، فالرئيس فؤاد السنيورة يجري اتّصالات مع عدد من الشخصيات البيروتيّة، ومع عدد من النوّاب السابقين الذين عملوا مع الرئيس رفيق الحريري، لكن حتّى اللحظة لم ينتج أيّ شيء جديد، وخصوصاً أنّ أصواتاً بيروتيّة بدأت ترتفع اعتراضاً على ترشّحه في العاصمة.

أمّا رئيس “جمعية بيروت للتنمية الاجتماعيّة” أحمد هاشميّة، الذي كان بدأ بتشكيل لائحته، أوقف محرّكاته، في هذه الأثناء، في انتظار انقضاء ذكرى 14 شباط وعودة سعد الحريري، فيما المرشّح نبيل بدر المقرّب من هاشميّة، لا يزال يتحرّك إنّما منفرداً من دون مؤازرة واضحة من هاشميّة ومن يدور في فلكه.

ومن الجانب السنّي أيضاً، أتى كلام بهاء الحريري لإحدى الصحف السعوديّة مبهماً، حيث أعلن أنّه سيشارك في الانتخابات النيابية، وبقي من غير الواضح ما إذا كان سيترشّح شخصيّاً أو عبر جمعيّته “سوا بيروت”، وما إذا كان الترشّح سيكون في بيروت أم في صيدا، ولكن إذا قرّر عدم الترشّح شخصيّاً في العاصمة، فجميع المعطيات حتّى الساعة لا تعطي له حضوراً جديّاً أو مؤثّراً في العاصمة.

ويبقى النائب فؤاد مخزومي الذي يُجري اتّصالاته مع بعض جمعيّات المجتمع المدنيّ، لكنّه حتّى اللحظة، يواجه مشكلة في إكمال لائحته وتحالفاته، فيما تؤكّد جميع المعطيات الانتخابيّة أنّ قدرته الانتخابيّة بين 0،7 وحاصل واحد.

أمّا من ناحية المجتمع المدنيّ، فأيضاً لا تزال الأمور مبهمة وغير واضحة، ولا اتّفاق بين المجموعات حتّى الساعة على لائحة واحدة، وهناك تخوّف من تكرار تجربة عام 2018، في أن يتوزّع المدنيّون على لوائح متعدّدة من دون أن يتمكّنوا من تحقيق أيّ خرق. وفي أولى المبادرات، تمّ إطلاق حملة “بيروت تقاوم”، وهي حملة تجمع معارضي أحزاب السلطة، ومنبثقة من رحم ثورة 17 تشرين، من دون إعلان لوائح مرشّحين، ولكن بحسب ناشطين، إنّ هذه الحركة ليست جامعة، ومن المتوقّع أن تطلق حملات أخرى في القريب العاجل، بالإضافة الى حزب “مدينتي” (بيروت مدينتي سابقاً)، الذي بدأ أيضاً اتّصالاته لتشكيل لائحة، ويكشف الناشطون أنّ العمل الانتخابيّ لا يَقرأ بشكل جيّد خصوصية العاصمة والعائلات فيها، ويتمّ بطريقة فوقيّة من قبل ناشطين ليسوا من العاصمة، ويريدون أن يسقطوا عليها بالمظّلة، إضافة الى نزوح “ترشيحيّ” شيعيّ من خارج العاصمة، ممن يرى أنّ العاصمة تخلق له آفاقاً لا يستطيع أن يفتحها في الجنوب أو في البقاع.

وفي المحصّلة، تبقى العيون شاخصة على استحقاق 14 شباط وعودة الحريري الى بيروت، وما يمكن أن تحمله من مفاوضات أو إشارات يمكن أن يُبنى عليها، فتغيّر جميع المعادلات، وتؤثّر بشكل مباشر على نسبة الاقتراع، التي تُعتبر بدورها ناخباً أساسيّاً يساهم في التغيير إذا ارتفعت أو انخفضت.