رغم أنه بات “مكروهاً” من الفرنسيين.. لماذا تبدو احتمالات إعادة انتخاب ماكرون مرتفعة؟

تبدو فرنسا في مزاجٍ قاتم حيال الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرى في إبريل/نيسان القادم، إذ أن 60% من سكَّانها لا يوافقون على إيمانويل ماكرون، لكن يبدو الرئيس البالغ من العمر 44 عاماً في طريقه ليصبح أول رئيس يُعاد انتخابه منذ جاك شيراك في عام 2002.

هذا ليس متناقضاً كما يبدو. لعقود من الزمان، كان جميع الرؤساء الفرنسيين غير محبوبين في نهاية فترة ولايتهم الأولى، علاوة على أن نسبة تأييد ماكرون -التي تقارب 40%- مرتفعة نسبياً، كما يقول تقرير لصحيفة The Times البريطانية.




لماذا تعتبر احتمالات إعادة انتخاب ماكرون مرتفعة؟

على الرغم من أن ماكرون مكروهٌ من قِبَلِ قطاعاتٍ واسعة من البلاد من اليسار حتى اليمين، لكونه متعجرفاً، يُنسَب إليه الفضل من قِبَلِ الكثيرين في إضفاء “لمسة حديثة وشابة” مع الجائحة بعد إخفاقه في بدايتها، كما تقول التايمز.

إذ إنه بات مسؤولاً عن أحد أعلى معدلات التطعيم في العالم وأبقى المدارس والاقتصاد مفتوحين إلى حد ما، بينما كان ينفق المليارات في عملية بَذَلَ فيها “كلَّ ما يتطلَّبه الأمر” لإبقاء الأعمال قائمة.

وتقول الصحيفة البريطانية إن ماكرون لا يزال يتمتع بالثقة بالنفس، ويحصد الفوائد من انتصاره الكبير في عام 2017 من خلال حملةٍ مستقلة طغت على الحزبين التقليديين في الحكومة. ومن خلال انتقاء موظفيه من الجمهوريين المحافظين والاشتراكيين من يسار الوسط، بما في ذلك تعيينه لاثنين من الجمهوريين كرئيسَين للوزراء، فقد احتل الوسط، وجذب “المعتدلين” من كلا الجانبين.

تكافح أخطر منافسي ماكرون، الجمهورية فاليري بيكريس، لإظهار كيف تختلف عنه. أما الاشتراكيون، الذين تمثلهم آن هيدالغو، عمدة باريس، فهم متأخرون للغاية لدرجة أنهم يواجهون الانقراض السياسي. ولا تزال غالبية البلاد تعتبر أن أقصى اليمين، متمثِّلاً في مارين لوبان، الشعبوية المخضرمة، وإريك زمور، كاتب المقالات المناهض للإسلام، متطرِّفون للغاية بحيث لا يمكن انتخابهم.

رئيس فرنسي منتخب لدورة ثانية و”زعيم أوحد” لأوروبا

ستعزِّز فترة ولاية ثانية في قصر الإليزيه جهود ماكرون لترسيخ نفسه كزعيم للاتحاد الأوروبي، وهو الدور الذي ادَّعى أنه حقَّق نتائج متباينة منذ عام 2017. ومع تضاؤل مكانة ​​بريطانيا، في نظره، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وخروج أنجيلا ميركل من منصب المستشارة الألمانية، من المؤكَّد أن ماكرون المُعاد انتخابه سيضع نفسه في مركز الصدارة.

وهذا يعني المزيد من الاحتكاك مع لندن ومع الجيران الشرقيين الذين لا يتفقون مع ماكرون في أن “العظمة الفرنسية مرادفة لمصالح أوروبا”.

وفي 9 ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، في مؤتمرٍ صحفي نادراً ما يُعقَد مثيله، اقتبس ماكرون من سابقه شارل ديغول، وأعلَنَ أن “هدفنا يجب أن يكون خلق أوروبا قوية نشطة في العالم، ذات سيادة كاملة، حرة في اختياراتها وتتحكم فيها، وتكون سيدة مصيرها”. وعلى غرار ديغول لا يريد ماكرون أن تكون أوروبا -أو فرنسا- مراقباً عاجزاً في عالمٍ تتزايد فيه المنافسة على النفوذ بين القوى الكبرى الأخرى.

من هم المرشَّحون المُتوقَّعون في انتخابات الرئاسة الفرنسية 2022؟

1- إيمانويل ماكرون

وُلِدَ إيمانويل ماكرون، 44 عاماً، في أميان بشماليّ شرق فرنسا، وهو متزوجٌ من بريجيت، 68 عاماً، وهي مدرسة للغة الفرنسية قابلها عندما كان تلميذاً في المدرسة التي تعمل فيها. لديها ثلاثة أطفال من زواجها السابق، وهو ليس لديه أبناء.

بعد تخرُّجه في المدرسة الوطنية للإدارة، أرقى مؤسسة للتعليم العالي في فرنسا، عمل موظفاً حكومياً ومصرفياً استثمارياً حتى عام 2012، وأصبح وقتذاك مستشاراً للرئيس الاشتراكي فرانسوا هولاند ثم وزيراً للاقتصاد.

استقال ماكرون من مجلس الوزراء في عام 2016 لإطلاق حركته السياسية الوسطية “الجمهورية إلى الأمام”. وعلى الرغم من أنه لم يسبق له الترشُّح في أيِّ انتخابات من قبل، فقد ترشَّح ليصبح رئيساً في عام 2017، وفاز بعد حملةٍ طغت عليها مزاعم مُروِّعة ضد فرانسوا فيون، مرشَّح يمين الوسط.

2- مارين لوبان

أما مارين لوبان، 53 عاماً، فقد وُلِدَت في ضاحية نويي سور سين الباريسية الأنيقة ونشأت في قصر العائلة في سان كلاود القريبة. تزوَّجت مرتين ولديها ثلاثة أبناء، لكنها الآن تشترك في شقةٍ مع صديقتها المُقرَّبة وست قطط، قائلةً إنها “لا تريد وجود ذكور من أيِّ نوعٍ في منزلها”، كما تذكر التايمز.

تمتلك لوبان شهادةٌ في القانون، ولم تفعل شيئاً يذكر لإنهاء الشائعات بأنها ستترك السياسة لتصبح مربيةً قطط بدوام كامل إذا فشلت في أن تصبح رئيسة.

بعد أن أصبحت زعيمةً لحزب التجمع الوطني في عام 2012 بعد تقاعد جان ماري لوبان، والدها ومؤسِّس الحزب، اختلفت معه فيما بعد بشأن محاولتها جعل الحركة أقل تطرُّفاً وأكثر قابلية للانتخاب.

اليمين المتطرف
زعيمة اليمين في فرنسا، مارين لوبان – رويترز

3- جان لوك ميلانشون

هناك أيضاً جان لوك ميلانشون، 70 عاماً، الذي وُلِدَ في طنجة المغربية عندما كانت منطقة منزوعة السلاح يديرها المجتمع الدولي. كان والداه من “ذوي الأقدام السوداء”، وهو مصطلحٌ يشير إلى الأشخاص من أصلٍ أوروبي الذين كانوا يعيشون في شمال إفريقيا إبان الفترة الاستعمارية. وهو مُطلَّقٌ وله ابنةٌ واحدة، ويقول إنه أعزب الآن، رافضاً مزاعم وجود علاقة مع إحدى عضوات الحزب.

كان جان لوك وزيراً اشتراكياً سابقاً للتعليم العالي، استقال من الحزب في عام 2008، واستمرَّ في إطلاق حركات خاصة به، كان آخرها حزب “فرنسا الأبيَّة” الذي تأسَّسَ في عام 2016. إنه يساري راديكالي، يريد أن تترك فرنسا الناتو وأن تفرض ضريبة ميراث بنسبة 100% على الإرث الذي يزيد عن 12 مليون يورو.

جان لوك ميلانشون/ reuters

ترشح جان لوك مرتين في الانتخابات الرئاسية، وحصل على 11.1% في عام 2012 و 19.58% بعد خمس سنوات. إنه أفضل مرشَّح يساري هذا العام كما تصفه التايمز، لكن مع ميل الناخبين إلى اليمين، فإنه يواجه معركةً شاقة لتحسين نتيجته لعام 2017.

4- فاليري بيكريس

أما فاليري بيكريس، المرشَّحة عن الحزب الجمهوري، فهي باريسية تبلغ من العمر 54 عاماً دخلت السياسة كعضوةٍ في طاقم الرئيس شيراك في عام 1997 بعد تخرُّجها في النخبة المدرسة الوطنية للإدارة، وعملت لمدة أربع سنوات كقاضية في مجلس ولاية.

اليمين الفرنسي
فاليري بيكريس ستواجه ماكرون في الانتخابات الرئاسية الفرنسية – رويترز

شغلت فترتين كنائبةٍ في البرلمان عن فرساي قبل انتخابها رئيسة لمجلس إيل دو فرانس، منطقة العاصمة، في عام 2015. وبعد إعادة انتخابها العام الماضي، وضعت نصب عينيها منصب الرئاسة وعادت من الخلف لتفوز بترشيح الجمهوريين للرئاسة في ديسمبر/كانون الأول. وبصفتها معتدلة ومؤيدة لأوروبا ذات الصورة الحضرية الأنيقة، كانت أول مرشَّحة من التيار المحافظين تكافح من أجل فرض شخصيتها.

5- إيريك زمور

بالنسبة لإيريك زمور، 63 عاماً، فهو صحفيٌّ سياسيٌّ في صحيفة Le Figaro الفرنسية، اقتحم الحملة الرئاسية كقومي مستقل مناهض للإسلام بعد أن اكتسب شهرةً على مدار الخمسة عشر عاماً الماضية كمُحلِّل تلفزيوني ومؤلف لكتبٍ كانت من الأكثر مبيعاً بعناوين مثل “الانتحار الفرنسي”.

وزمور هو ابنٌ لأبوان يهوديان جزائريان هاجرا في الخمسينيات من القرن الماضي. وهو ينتهك بالعادة حدود الكلام المقبول. وقد أُدينَ ثلاث مرات بالتحريض على الكراهية العرقية أو الدينية، كان آخرها الشهر الماضي، يناير/كانون الثاني.

ويبدو أن حملة زمور تتغذى على عداء المهاجرين، فقد كانت آخر تصريحاته المثيرة للجدل خلال تجمع انتخابي يوم السبت 5 فبراير/شباط 2022، هاجم فيها الجاليات العربية والمسلمة في فرنسا، ووصفهم بأنهم “أكثر من منحرفين”.

خلال خطابه التقديمي للترشح، رفض إيريك زمور أمام أنصاره وصفه بـ”اليميني المتطرف”. ووعد بإنهاء الهجرة وإلغاء حق لم شمل الأسر وطرد المهاجرين غير النظاميين وإلغاء المساعدات الاجتماعية والطبية للأجانب غير الأوروبيين.