العونيون يسألون: لماذا جبران باسيل مكروه؟

نادر فوز – المدن

للتيار الوطنيّ الحر رأس واحد اسمه النائب، الوزير السابق، صهر الرئيس ميشال عون، جبران باسيل. ومن لا يرتضي بوجود باسيل، وحده، على رأس الهرم البرتقالي إما بات خارج التيار تنظيمياً، أو يهادن للمحافظة على موقع هنا ومقعد نيابي هناك. قياديون في التيار كانوا على وشك الانشقاق عن التيار في الأسابيع الأولى لانتفاضة 17 تشرين. منهم من فاوض المجموعات المنتفضة من باب فتح خط على العهد لتنظيم التباينات، ومنهم من كان ينتظر اللحظة المناسبة للقفز من المركب وترك جبران باسيل وحده مع الدفّة المترنّحة. لكن باسيل صمد. صحيح أنه وُسِم بـ”الهيلا هو”، لكنه لا يزال صهراً حاكماً بأمره في التيار وخارجه.




النواة والجوهر
قد يكون أنصار التيار الوطني الحرّ، الباسيليون منهم تحديداً، محقّين عند تصويرهم أنّ جبران باسيل يواجه رغبة سياسية جامعة وجامحة للإطاحة به سياسياً وانتخابياً. وفي الوقت نفسه، يوظّف الباسيليون كل ما يحدث على الساحة السياسية للدفاع عن باسيل. كل ما يحصل وما لا يحصل، المعني الأول به هو باسيل. الرجل بحاجة دائمة إلى الاهتمام الإعلامي والإعلاني والسياسي. هو النواة والجوهر، تدور حوله الكواكب في المجرّة العونية. وقف الهدر في الكهرباء، يراد منه وقف إنجازات باسيل. مواجهة سياسة السدود المشقّقة، مواجهة لباسيل. الاعتراض على المواقف الرسمية الصادرة عن الخارجية اللبنانية، استهداف لشخص باسيل. منع الإطاحة بالقوانين، حدّ لطموح باسيل.

الاغتيال المعنوي
في محطّة “الهيلا هو” الأخيرة، دفاع عوني شرس عن باسيل تجلّى في الادعاء أنّ باسيل يتعرّض -من خلال كل الحملات التي تشنّ ضدّه- إلى اغتيال معنوي. وفي محطة التحضير للانتخابات النيابية، شعور عوني جامح بأنّ كل المطلوب من الاستحقاق الانتخابي هو الإطاحة بباسيل. في دائرة الشمال الثالثة، في البترون تحديداً، يصوّر الباسيليون أنّ كل التحالفات والترشيحات التي تتمّ اليوم هي بهدف مواجهة باسيل. وقد يكون ذلك صحيحاً، ربما. القوات اللبنانية، الكتائب، الزعامات التقليدية، تواجه جبران باسيل. شمالنا وانتفاضة 17 تشرين تواجه الجميع. والعكس. لكنّ الحالة الباسيلية يعتريها الشعور بالكره والاشئمزاز. ولو كان ثمة أدوات لاستشعار كمّ الكره المكدّس للحالة الباسيلية، لانفجرت من كثرة الحماوة والطنين.

أكثر المكروهين
جبران باسيل مكروه بين اللبنانيين. قد يكون أول وأكثر المكروهين. تجمع على ذلك جماعات لبنانية من مختلف الأديان والطوائف والمذاهب والانتماءات السياسية والطبقات الاجتماعية. المقيمون لا يريدونه. المغتربون، الذين أعطاهم صفة “الانتشار”، صوّتوا ضده واعتصموا ضد عهده أيضاً في مختلف عواصم العالم. المسؤولون العرب لا يستقبلونه. المسؤولون الغربيون يتحاشونه، ناهيك عن العقوبات الأميركية. إعلام الغرب يفضحه. ثمة رغبة عابرة لكل شيء للإطاحة به. هو غير الخارج من عائلة سياسية تقليدية، سقط على اللبنانيين صهراً يدور حوله كل شيء. من أتفه تفاصيل التعيينات إلى أكبر قضايا تشكيل الحكومات والموازنات والمشاريع، بصمته حاضرة. معرقلة أو مسهّلة، لا يهمّ. هو موجود. يبني ويراكم تجاربه بغض النظر عن إيجابياتها أو سلبيّاتها. يعزّز حضوره، ويلعب في السياسة. يحصد الأدوار والجوائر، بلا كلل. ولو كان باهتاً ومفضوحاً، يحتلّ أعلى المراتب. يعرف كيف يصل، وعلى ظهر من وماذا.

لزوجة سياسية
لماذا جبران باسيل مكروه إلى هذه الدرجة؟ لأنه يعتمد لزوجة سياسية. عند الضغط والحرارة يعدّل موقعه، يتحرّك، يتخّذ شكلاً مناسباً وينساق مع الموجة. يتربّع عليها. يبقى موجوداً ومحافظاً على موقعه. مع حزب الله، هو مقاوم. ومع الغرب، يعترف بحق إسرائيل بالوجود والأمان. تفاهم مار مخايل يحمي لبنان، لكن يعيد التمحيص به. في الدستور ينتقد الصلاحيات ويتذرّع بها، لكن لا مانع لديه في تبوء الرئاسة. مع النظام السوري مطبّع أول، لكن حين يشاء يسحب ورقة 13 تشرين 1990. تيار المستقبل شريك في التسويات، وله الإبراء المستحيل أيضاً. القوات اللبنانية أخّ، لكن ميليشيا وعميلة للخارج. الرئيس نبيه برّي “بلطجي”، لكن “من المهم أن نتشارك وإياه في خوض معركة مكافحة الفساد”. انتفاضة 17 تشرين تحمل شعارات التيار الوطني الحرّ ومطالبه، لكن يقودها زعران وقطّاع طرق. يحمل لواء الدفاع عن حقوق المسيحيين، لكن مع مشروع الدولة المدنية. يريد الإصلاح، وفي وزارات تبوأها 40 مليار دولار ذهبت هباءً.

مسيرة أجيال
لماذا كل هذا البغض لجبران باسيل؟ لأنه في غضون 15 عاماً من العمل السياسي المباشر، لخّص مسيرة أجيال لأحزاب وزعامات في الحياة السياسية اللبنانية. خلال تجربته السياسية القصيرة نسبياً، فعل كل شيء. ولم يفعل شيئاً أيضاً. عارض، هادن، شارك في الصفقات، دخل السلطة ولم يخرج منها، افتعل الأزمات، خاض الاقتتال الداخلي، سيطر، تعرّض للحملات، ساق أخرى، متّهم بالفساد، أرسى حدائق خلفية في السياسة والاقتصاد، وفي المشاريع والسمسرات. مساوم وصاحب نظريات في تمرير الصفقات والتسويات. شريك أساسي فيها. ولا يجد مانعاً في نفض يده منها حالما ينهش مبتغاه منها. ومن دون كلل. ويبدو اليوم أصغر القيادات السياسية للأجيال القادمة. الأقوى من بين أبناء جيله. أكثرهم حنكةً (ليس بالضرورة بالمعنى الإيجابي) ومواربةً ولعباً على الحبال والتناقضات. أوضحهم على مستوى الطموح والمشروع. أكثرهم جرأة. هل في كل هذا بعضاً من المديح؟

لماذا كل هذا البغض لجبران باسيل؟ أيضاً لأنّ ماكيناته لا تعبأ بكل المشاعر السلبية ولا تسأل عنها. وتوظّفها من أجل تجسيده في دور الضحية. طيلة أكثر من 15 عاماً من العمل السياسي المباشر، لم يدفع جبران باسيل الثمن بعد. هو المكروه الأول. لبنانيون وعرب وأجانب، مسيحيون ومسلمون وعلمانيون ولادينون، يرون فيه مادة للسياسة اللزجة. فإما هو يستحق الكره، أو أنهم هم الحسودون. إما هو الخطأ، أو أنهم الخطأ. ولا مواقف وسطية في ذلك. إلا إذا كان نبياً (مجد النور) سقط علينا في زمن السوشايل الميديا. فزمن أزماتنا وانهياراتنا لا بد أن يكتمل بمدّعي النبّوة.