هل يرفض “حزب الله” إرجاء الانتخابات النيابيّة ولماذا؟

سركيس نعوم – النهار

لا تزال وسائل الإعلام تتساءل هل ستجري #الانتخابات النيابية في موعدها المقرّر أي 15 أيار المقبل، رغم استمرار القوى السياسيّة والحزبيّة الأساسيّة في التأكيد أنّها لن تؤجَّل وتالياً أنّ تمديد ولاية المجلس النيابي الحالي لن يحصل. ربّما أثار تعليق زعيم “تيار المستقبل” الرئيس سعد الحريري عمله السياسي وإعلانه عدم اشتراكه وتيّاره وعائلته في الانتخابات المُشار إليها قلقاً من عودة الزخم إلى فكرة تأجيلها الذي يتمنّاه ربّما كثيرون لكنّهم لا يتجرّؤون على الخوض فيه علانية. لكنّ مبادرة مفتي الجمهوريّة الشيخ عبد اللطيف دريان ورئيسَي الحكومة السابقين تمام سلام وفؤاد السنيورة ورئيس الحكومة الحالية نجيب ميقاتي إلى التصدّي لموضوع الانتخابات بكثير من الحزم والجديّة أقنعت المراهنين على التأجيل من أبناء “الشعوب” الأخرى والمتردّدين من أبناء السنّة في اتخاذ موقف نهائي منها بعد المفاجأة المؤلمة التي تلقّوها من الحريري، أقنعتهم بأنّ السُنّة لن يُقاطعوا ولن يطالبوا بالتأجيل. وأقنعتهم أيضاً بعدم السماح لأخصامهم داخل طائفتهم أو من الطوائف والمذاهب الأخرى باستغلال التعليق لرفد الدائرة الثانية في بيروت بشخصيّات سنيّة لا تُمثّل مزاجها الحريري وقريبة في الوقت نفسه من “الثنائيّة الشيعيّة” بأسباب متنوّعة أو من شخصيّات سنيّة “سياديّة” أخذت على الحريري علاقته بـ”#حزب الله” وربط النزاع الذي أجراه معه قبل سنوات. كما أنّهم لن يسمحوا لأخصام الحريريّة السنيّة في شمال لبنان كما في بقاعه وجبله سواء من السنّة أو من غيرهم باستغلال “الفراغ” من أجل تحقيق هدفين. أوّلهما الحصول على تمثيل سُنّي بعدد معقول يُضاف إلى التمثيل الشيعي والمسيحي الحليف، الأمر الذي يُبقي “الميثاقيّة” ومعها ربّما الغالبيّة النيابيّة الحاليّة. وثانيهما القضاء على الحريريّة التي وحّدت السنّة منذ 1992 حتّى اليوم رغم المطبّات التي وقعت فيها والأخطاء التي ارتكبتها والتي نجحت بعد استشهاد مؤسّسها رفيق الحريري في العمل مع الشركاء غير الشيعة في الوطن لاستعادة سيادته واستقلاله وللتخلّص من وصاية شقيقة عسكريّة وأمنيّة وسياسيّة.




صحيح أنّ الرئيس تمّام سلام قرَّر العزوف عن الترشُّح قبل إعلان الحريري تعليق مشاركته في الحياة السياسيّة بما فيها الانتخابات النيابيّة. لكنّ ذلك لم يعنِ أبداً الابتعاد عن تعاطي الشأن العام في مرحلة بالغة الخطورة على الوطن وعلى كلِّ شعوبه. وصحيحٌ أنّ الرئيس ميقاتي لن يترشّح كما نُقل عنه، لكنّه قطعاً سيمارس رئاسته للحكومة كما يجب وفقاً لصلاحيّاته ولكن بعيداً من الاستفزاز ولا سيّما للجماعات التي تُحاول مجتمعة ومُنفردة تعزيز صلاحيّات من يُمثّل بالمستويات الأولى في البلاد وإن على حساب صلاحيّات جماعات أخرى.

لماذا تردّد جهات سياسيّة وإعلاميّة بين الحين والآخر أن “حزب الله” يميل إلى إرجاء الانتخابات رغم تأكيد أمينه العام ونائبه وقياداته الدينيّة والسياسيّة العليا تمسّكه بإجرائها في موعدها المُحدّد؟ لأسباب عدّة يُجيب مُتابعون له من قرب على الساحة اللبنانية. أوّلها رفض شريكة “الحزب” في “الثنائيّة الشيعيّة” “حركة أمل” وتحديداً رئيسها ورئيس مجلس النوّاب نبيه برّي إرجاء الانتخابات “ولو دقيقة واحدة” على ما قال لوفدٍ من نقابة الصحافة زاره الأسبوع الماضي. وهو يعرف طبعاً أنّ موقف شريكه فيها أي “الحزب” لا يختلف عن موقفه هو. لكنّه أراد في الوقت نفسه إفهام الجميع، حلفاء وأصدقاء وأخصاماً، أنّه متمسّك بالانتخابات في موعدها مهما تكن الأسباب والاعتبارات وخصوصاً إن كان الهدف من ذلك سياسياً أو شخصياً أو غير وطني. وقد أظهر عدم استعداده للتخلّي عن مواقف له من قضايا بالغة الأهميّة رغم تبنّي “شريكه” موقفاً مُناقضاً من دون “أن يُفسد ذلك للودّ قضيّة” أو للتحالف “الوجودي” بينهما. وهي كلمة صارت تستعمل كثيراً هذه الأيّام. وكان الموقف عدم انتخاب مرشّح الشريك أي “حزب الله” لرئاسة الجمهوريّة العماد ميشال عون قبل نيّف وخمسة أعوام.

ثاني الأسباب وثوق “الحزب” وشريكته “أمل” بأنّ الحصّة الشيعية في مجلس النواب التي تبلغ 27 نائباً لن تتأثّر في الانتخابات المقبلة بعد نيّف وثلاثة أشهر. وهذا مكسب لا يمكن التفريط به ولا سيّما في الأحوال الصعبة للداخل اللبناني والأحوال المتفجّرة والمتصادمة في الإقليم وبين كباره المتناقضة مصالحهم.

ثالث الأسباب هو شعور السُنّة بالقلق والبعض يقول بالضياع بعد قرار الحريري تعليق عمله السياسي وعمل تيّاره وعائلته. وهذه حالةٌ ربّما تسمح لـ”الثنائيّة” أو لأيّ من طرفيها ولا سيّما “الحزب” بزيادة حصّته من النواب السنّة في بيروت وفي دوائر انتخابيّة أخرى، وذلك بتشجيعه حلفاءه من شخصيّات منفردة و”مستقلّة” أو جمعيّات دينيّة إسلاميّة على خوض الانتخابات بقوّة لتحقيق نتائج مقبولة فيها. وهؤلاء لن يكونوا أتباعاً له أي لـ”حزب الله” بل حلفاء يراعيهم في قضايا كثيرة.

رابع الأسباب هو حرص “حزب الله” على عدم تحمُّل مسؤوليّة إرجاء الانتخابات. فظروف إجرائها بعد أشهرٍ قليلة لا تزال جيّدة ومتوافرة رغم متغيّرات حصلت وأخرى قد تحصل من شأنها التسبُّب بإقلاقه. لكنّ أحداً لا يستطيع أن يضمن منذ الآن أن تكون ظروف إجراء الانتخابات في موعدها أفضل من الظروف الحاليّة “الجيّدة” وإن نسبيّاً. فالمنطقة “حبلى” بكلّ أنواع التطوّرات التي بعضها إيجابي للبنان بكلّ شعوبه أو إيجابيّ لبعضها وسلبيّ لبعضها الآخر. لذلك فإن مقولة “عصفور في اليد أفضل من عشرة على الشجرة” تنطبق على الحال السياسيّة – الانتخابيّة الراهنة، إذ من يضمن مثلاً أن لا يقوى المجتمع المدني – الثائر منذ 17 تشرين الأول 2019، وأن لا يتوحَّد، وأن لا يُشكّل خطراً جديّاً على المنظومات السياسيّة كلّها ولا سيّما إن كانت التطوّرات في الإقليم في مصلحته جزئيّاً أو كليّاً. وهي قد تكون عربيّة أو دوليّة وإسلاميّة غير عربيّة.

أمّا خامس الأسباب وآخرها فهو أنّ “الحزب” قادرٌ الآن على المحافظة على وحدة حليفه “التيّار الوطني الحر” وعلى مساعدته كي يأتي بعدد نوّاب مقبول في الانتخابات المقبلة بعد تردّي وضعه الشعبي في الساحة المسيحيّة، وبعد مبالغة رئيسه النائب جبران باسيل ومؤسّسه الرئيس عون في “نكوزة” “الحزب” ومضايقته والإضرار بمصالحه في السنوات الأخيرة. ومن شأن ذلك كلّه مساعدته للحصول مرّة ثانية على غالبيّة نيابيّة أو على أكبر أقليّة في مجلس النواب بحيث يكون قادراً بالثلث النيابي على تعطيل قرارات تتناول قضايا وطنيّة وإقليمية دوليّة أساسيّة. أمّا ما يحصل لـ”التيار” بعد الانتخابات، سواء من استعادة تمثيل شعبي وقوّة سياسيّة أو من تفاقم للضعف الحالي، فأمرٌ يمكن التعامل معه في حينه.