“قصة من الأفلام” في لبنان.. توقيف رئيس مكافحة المخدرات بتهمة سرقة كوكايين

يتابع اللبنانيون اليوم، “قصة من قصص الأفلام” وفق ما وصفت على مواقع التواصل الاجتماعي، لما تحمله من غرابة وتناقض كبيرين، وتتمثل في توقيف الرئيس السابق لمكتب مكافحة المخدرات المركزي في لبنان، العقيد هنري منصور، في قضية سرقة كمية كبيرة من مادة “الكوكايين” من مستودعات مكتب مكافحة المخدرات.

وأصدرت قاضية التحقيق العسكري، نجاة أبو شقرا، قراراً يقضي بتوقيف العقيد منصور، بموجب مذكرة توقيف وجاهية، على خلفية قضيتين تتعلقان باختفاء كميات كبيرة من مادة الكوكايين تقدر بـ 9 كلغ من مستودع المضبوطات لدى مكتب مكافحة المخدرات، مقسمة على قضيتين بدأت مع اختفاء 4 كلغ، ليتم بعد التحقيقات اكتشاف فقدان 5 كلغ أخرى.




القضية كانت قد خرجت إلى العلن، نهاية شهر يوليو عام 2020، بعد تقارير صحفية كشفت عن الواقعة، حيث ورد إلى أحد الأجهزة الأمنية إخبار يتعلق ببيع كمية من مادة الكوكايين من مكتب مكافحة المخدرات لصالح أحد أشهر تجار المخدرات المعروفين في لبنان بلقب “أبو سلة”، وذلك بعد أن تعذرت عمليات تهريب المخدرات إلى لبنان بسبب الإغلاق العام مع بداية انتشار جائحة كورونا، الذي تزامن مع الانهيار الاقتصادي الذي ضرب البلاد وما أنتجه من مشاكل في توفير الدولارات اللازمة ومشاكل في الاستيراد والتصدير.

بتاريخ 19 أبريل 2021، أدين منصور من قبل المحكمة العسكرية بجرم مخالفة التعليمات في قضية اختفاء الكوكايين، وإساءة استعمال سلطته والإهمال الوظيفي، وحكمت عليه بالسجن لمدة شهرين ودفع غرامة قيمتها مليون ليرة، بعد التخفيف والمزج بين العقوبات.

وبحسب حيثيات الأحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية، ظهر تورط أربعة عسكريين من رتب مختلفة في القضية، حيث أقدم المؤهل أول “ن. ش” على اختلاس كمية من المخدرات المضبوطة وبيعها للملقب بـ”أبو سلة”، كما أقدم على دس كتابات غير صحيحة، والتحريف في زنة الكوكايين المضبوطة، واعتماد الحيلة لمنع اكتشاف الاختلاس، باشتراك المدني “م. عيتاني”.

كذلك طالت الأحكام المقدم “أ. س” والمؤهل أول “م. ش”، اللذين أقدما على مخالفة التعليمات العسكرية من خلال إهمال المقدم في متابعة أعمال التحقيق، والإهمال في التقيد بأمر الخدمة الذي يحدد مسؤولية الضابط المشرف.

كما وأقدم المؤهل أول “م. ش” على الإهمال بواجباته الوظيفية بصفته رئيس قلم مولج بنقل المضبوطات إلى المستودع من خلال إبقاء الصندوق الذي يحمل المضبوطات ثلاثة أيام في مكتبه قبل أن ينقلها إلى المستودع.

حماية سياسية؟

بعد أسابيع عدة على انطلاق التحقيقات التي أجرتها قوى الأمن الداخلي بالحادثة، صدرت مذكرة خدمة، بتاريخ الثالث من يوليو عام 2020، قضت بفصل 72 ضابطاً إلى مواقع مختلفة في مكاتب قوى الأمن، من بينهم العقيد منصور الذي جرى فصله من مكتب مكافحة المخدرات إلى قيادة فوج أمن السفارات. وهو ما اعتبر في حينها تساهلاً بحقه، نسبة لإجراءات أكثر قسوة اتخذت بحق ضباط في قوى الأمن الداخلي على خلفية مخالفات أقل نفوراً وتجاوزات أبسط بكثير، الأمر الذي طرح فرضية الحماية السياسية لمنصور.

بعد ذلك، وعلى الرغم من صدور قرار المحكمة العسكرية بتوقيفه، لم يجر تحويل منصور إلى المجلس التأديبي في قوى الأمن الداخلي، وإنما جرى فصله إلى ديوان المدير العام لقوى الأمن الداخلي، الأمر الذي أعاد علامات الاستفهام حول منصور والحماية التي يحظى بها، خاصة وان اسم منصور عاد وأدرج على جداول الترقيات، ليصبح برتبة عميد، في شهر يوليو المقبل.

اليوم وبالتزامن مع انتشار خبر توقيف المحكمة العسكرية للعقيد منصور، انتشرت أخبار تتحدث عن اتصال جرى بين رئيس التيار الوطني الحر، جبران باسيل، وأمين عام تيار المستقبل، أحمد الحريري، من أجل التدخل في قرار توقيف منصور.

إلا أن هيئة شؤون الإعلام في “تيار المستقبل” أصدرت بياناً قالت فيه: “يتم التداول بخبر كاذب عن اتصال النائب جبران باسيل بالأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري، طالباً منه التدخل في قضية توقيف رئيس مكتب مكافحة المخدرات العقيد هنري منصور”.

وأكدت أنه “يهم هيئة شؤون الإعلام في ‘تيار المستقبل’ نفي هذا الخبر، جملة وتفصيلاً، والتأكيد أن لا أساس له من الصحة، لا من قريب لا بعيد”.

مخالفات بالجملة

وكانت القاضية، أبو شقرا، قد استمعت، بتاريخ 18 نوفمبر عام 2021، إلى رتيبين (مؤهل ومؤهل أول) من مكتب مكافحة المخدرات، وأصدرت القرار بتوقيفهما بتهمة الاتجار بالمخدرات. وفي المقابل، اتخذ القرار بتأجيل الاستماع إلى العقيد منصور، المدعى عليه أيضا بالتهمة ذاتها، إلى 30 يناير عام 2021 بعد استمهال الأخير لتوكيل محام.

وكشفت التحقيقات التي جرت في القضية عن سلسلة مخالفات مسجلة للعقيد منصور، من بينها الإهمال الوظيفي في مراقبة العناصر والرتباء في مكتب مكافحة المخدرات، لاسيما لناحية الإشراف على مضبوطات الكوكايين والتحقيقات في هذه القضية، مما أدى إلى فقدان كمية منها.

كذلك أقدم منصور، وفقا للتحقيقات، على فض كمية الكوكايين المضبوطة دون مراجعة القضاء خلافاً لنص المادة 102 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تنصُّ على أنه “لا تُفض أختام الأشياء المضبوطة والمحفوظة إلّا بحضور قاضي التحقيق وكاتبه والمدّعى عليه أو وكيله والشخص الذي جرى التفتيش في منزله أو تمَّ إجراؤه بحضوره”.

منصور متهم أيضاً بالتواصل مع مطلوبين بقضايا مخدرات، إضافة إلى إساءة في استخدام السلطة، واستغلال مركزه لمآرب شخصية خلافاً للأصول القانونية، كما يواجه تهمة إتلاف كمية من المخدرات غير معروفة المصدر، إضافة إلى عدم إجرائه جردة بالمضبوطات في مستودعات مكتب مكافحة المخدرات، لدى تسلمه رئاسة المكتب.