لبنان غير ملتزم وغير جدي تجاه الصندوق… فلم يطلب الدعم؟

سابين عويس – النهار

تتناقض المعلومات كما التحليلات المتصلة بالتفاوض الرسمي الحاصل مع #صندوق النقد الدولي من دون ان تتضح طبيعة المواضيع المطروحة والآليات المعتمدة، والتي تدخل في صلب عمل الصندوق مع أي دولة تطلب برنامج دعم.




ليست حتماً مسؤولية الصندوق في الشرح والتوضيح، بل هي حكماً مسؤولية #الحكومة اللبنانية من منطلقين أساسيين، أولهما الشفافية المطلوبة في مسار كهذا ، وثانيهما ضرورة مصارحة الشعب اللبناني بما هي الدولة مقدمة عليه من التزامات تتطلب سياسات تقشفية واجراءات غير شعبية على مدى طويل، كما هي حال لبنان.

الاكيد ان اللبنانيين لا يفقهون حتى الآن بما تعتزم دولتهم القيام به في ظل التكتم وعدم الإفصاح عن مندرجات خطة التعافي الاقتصادي والمالي التي لا تزال تمحصها الحكومة درساً ولم تتقدم بها بعد الى مجلس الوزراء لاقرارها، سيما وان هذه الخطة هي الأساس الذي سيقوم عليه البرنامج مع الصندوق. لكن ما هو اكيد بحسب مسار الأمور ان الحكومة تسعى الى التنصل من أي مسؤولية في اتخاذ القرارات الصعبة المطلوبة على مسافة أشهر قليلة من انتخابات نيابية تستوجب خطاباً شعبوياً وحوافز للناخبين وليس العكس. وفي تعاطٍ كهذا ، ترمي الحكومة مسؤولية الإجراءات الصعبة على الصندوق، وهذا ليس مستغرباً على المؤسسة الدولية المعروفة وبصفاتها الصعبة. ولكن، ومع كل ما مر به لبنان في العامين الماضيين من انهيار وافلاس وتقهقر وتحلل لمؤسساته العامة ولانتاجيتها،هل لا يزال ممكناً للسلطة الاستمرار في حال الإنكار وتقاذف المسؤوليات والتلكوء عن السير في العمليات الجراحية المطلوبة لمعالجة الاختلالات القائمة ووضع البلد على طريق التعافي؟

بقطع النظر عن كل ما يتم تداوله عن رأي الصندوق، لا تزال كل التسريبات في إطار المواقف المسبقة، والاحكام المسبقة على السواء. ذلك ان كل الجولات التي انعقدت بين الجانب اللبناني وممثلي الصندوق عبر الفضاء الالكتروني، لا تزال في إطار المناقشات التمهيدية ولم تبلغ بعد مرحلة التفاوض الرسمي لسبب بسيط حداً ان الحكومة لم تتقدم بعد بالخطة التي يتوجب التفاوض عليها، الا اذا كانت تتفاوض على مستند او اقتراحات لم يتم اقرارها رسمياً بعد.

قد تكون الأفكار والمقترحات موجودة لكنها لم تتخذ بعد إطارها الرسمي، بحيث تتحول الى خطة تفرض على السلطات اللبنانية الالتزام بها.

حتى الآن، لم يلمس الصندوق وجود رؤية واضحة او برنامج او خطة يمكن البناء عليها، علماً ان ثمة حسن نية والتزاما واضحا من قبل الصندوق للمساعدة، حتى ان ثمة من ذهب ابعد بالقول ان الصندوق أبدى الاستعداد للمساعدة في وضع البرنامج من اجل تسهيل مهمة الحكومة ان لم تكن تعرف من أين تبدأ او كيف تبدأ. وما يثير استغراب الصندوق ان المقاربات الجاري العمل عليها لا تعكس التزاماً ثابتاً للسير بالاصلاحات المطلوبة. فمشروع الموازنة لم يعكس اي توجهات واضحة، تماماً كما مسألة اقتراح فصل سلفة الكهرباء عن المشروع، الذي لا يراعي اي شفافية في مسألة الإنفاق او الرد على مطارح الإيرادات التي سيؤمن منها تمويل السلفة. وهذا يعكس فراغاً او نقصان في الموازنة.

لقد بدأ الحديث مع الصندوق في شكل تفصيلي حول المحاور الاساسية المتصلة بالخسائر المالية وتأثيرها على وضعية المصارف، والاصلاحات المالية المطلوبة، كما الإصلاحات القطاعية المختلفة في الكهرباء او الاتصالات او القطاع العام، او الحماية الاجتماعية، فضلا عن ازمة الدين العام،ولكن الحكومة لم تطرح حتى الآن رؤيتها او تصورها لمقاربة هذه المسائل.

هل يمكن إنجاز برنامج قبل موعد الانتخابات؟ لا يبدو الامر سهلاً في ظل التقدم البطيء الحاصل في المشاورات، ولكنه غير مستحيل اذا توافرت النية الجدية، وأظهرت السلطات اللبنانية التزاماً جدياً وواعداً في هذا السياق.

والسؤال المحير لماذا تلجأ السلطات اللبنانية الى الصندوق للحصول على الدعم الدولي من خلاله، فيما تتلكأ او تعجز عن القيام بما هو مطلوب منها في المقابل، فهل الهدف الحصول على الدعم من دون اي جهد، لأنه اذا كانت هذه هي الحال، فعلى لبنان الا يتوقع شيكات على بياض! علماً ان لبنان قادر على الضغط على الصندوق من خلفية تغاضيه عن حجم الفجوة المالية التي كانت ظاهرة في حسابات المصرف المركزي كما القطاع المالي، وعدم التحذير من مخاطرها، وهذه في الأساس واحدة من مهمات الصندوق تجاه الدول الأعضاء.

حتى الآن، لم يلمس الصندوق الا النوايا الحسنة. لعل هذا ما دفع المتحدثة بإسم الصندوق الى التأكيد قبل فترة قصيرة على اهمية ان يكون هناك “دعم مجتمعي لتنفيذ استراتيجية إصلاح شاملة، يمكن لأي حكومة مستقبلية ان تدعمها”. وهذا يعبر عن شكوك الصندوق حيال قدرة السلطات اللبنانية على وضع البرنامج في الوقت المتبقي قبل الانتخابات التي ستفرض قيام حكومة جديدة يفترض ان تستمر بالتزامات من سبقها.