“نبذة” عن فضائح خضوع المحققين لإرادة القتلة في “الغابة اللبنانية”

فارس خشان – النهار

في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال المناضل والمفكّر اللبناني لقمان سليم، نشرت منظمة” هيومان رايتس ووتش” تقريراً سلّط الضوء على الثغرات التي اعترت التحقيقات الأمنية-القضائية في ملفه كما في ملفات ثلاث ضحايا قتل آخرين، وهم: المصوّر جو بجّاني (21كانون الأول الأوّل/ ديسمبر 2020) والعقيد المتقاعد منير بو رجيلي (2 كانون الأوّل/ديسمبر 2020) ورئيس قسم الأخلاقيات وإدارة مخاطر الاحتيال في “بنك بيبلوس، أنطوان داغر (4 حزيران/ يونيو 2020).
اللافت للاهتمام في هذا التقرير هو تقاطع المعطيات التي يوثّقها مع ما تشعر به غالبية اللبنانيين والمعنيين بالشأن اللبناني، لجهة وجود قرار ضمني لدى الجهات الأمنية اللبنانية ومرجعياتها القضائية بتسجيل القتلة في خانة “مجهول”، عندما تحوم الشبهات الأوّلية حول “حزب الله” والمتواطئين معه الذين يشير إليهم تقرير هذه المنظمة الدولية غير الحكومية بعبارة “النخب والجماعات المسلّحة”.
وتسجيل القتلة في خانة “مجهول” لا يعود إلى انعدام كفاءة الأجهزة الأمنية المعنية ولا إلى افتقارها الى الإمكانات البشرية والتقنية، بل هو وليد قرار بإبعاد التحقيقات كلّياً في القضايا ذات الحساسية السياسية عن “النخب والجماعات المسلّحة”.
ويُبيّن التقرير الذي مرّ “مرور الكرام” مثله مثل سائر الفضائح التي تطال “النخب والجماعات المسلّحة” في لبنان وجود عيوب جسيمة في التحقيقات التي شملت هذه الجرائم الأربع، بحيث يظهر بوضوح التقصير، الإهمال الجسيم، انتهاك الإجراءات، التقاعس المتكرّر، وعدم اتّباع الخيوط الواضحة.
ولا يجري التقرير مقارنة بين النهج “التجهيلي” الذي اتبعته الأجهزة الأمنية في الملفات التي ركّز عليها وغيرها من الملفات التي جرى الكشف عنها، ولكنّه يفعل ذلك ضمناً، عندما يركّز على امتلاك القوى الأمنية القدرات التدريبية والتقنية للتحقيق في جرائم القتل، و”غالباً ما تكون قادرة على حلّ جرائم معقّدة”، وهو، بعد أن يكشف عن تحويل المجتمع الدولي ملايين الدولارات الى هذه الأجهزة، ينسب الى بعثة الاتحاد الأوروبي وسفارتي ألمانيا والولايات المتحدة في لبنان معلومات عن تقديمها مجموعة من التدريبات والمساعدات على مدى السنوات القليلة الماضية، بما في ذلك في مجال تحسين الاحترافية، والاستخدام الفعاّل للأدلة الشرعية والبيومترية، وإدارة الأدلة الجنائية، ومراقبة الجريمة المنظمة، وإدارة مسرح الجريمة.
على أيّ حال، ما هي أبرز تجلّيات هذا النهج الأمني-القضائي في “تجهيل” القتلة في ملفات سليم-بجّاني-بو رجيلي-داغر؟
كثيرة هي هذه التجلّيات، بدءاً بإهمال مسرح الجريمة وصولاً إلى إهمال المعلومات التي يقدّمها أبرز الشهود، ولكنّ البارز تُظهره الأمثلة الآتية:
في قضية لقمان سليم، أفادت زوجته أنّ شعبة المعلومات استجوبتها مرة واحدة، بعد أسابيع عدة من الجريمة وسألتها عمّا إذا كان أيّ شخص قد أراد قتل سليم بسبب خلاف شخصي أو إذا كان قد انتحر(بست رصاصات!!!)، وأضافت أنه لم يسألها أحد عن التهديدات التي تلقاها أو البيان الذي كتبه عام 2019، وحمّل فيه رئيس مجلس النواب نبيه بري والأمين العام ل”حزب الله” حسن نصر الله استباقاً مسؤولية حدوث أي شيء له، وقالت: “كان يجب أن يكون هذا موضع تساؤل: ما التهديدات التي تعرض لها لقمان؟ ولماذا كتب تلك الرسالة؟ وماذا حدث في يومها؟ كانت هذه الأسئلة لتكون منطقية، لكنهم لم يطرحوا أيا منها”.
وفي قضيتَي بجاني وداغر، يبدو أن عناصر وضباط شعبة المعلومات عرّفوا عن أنفسهم أمام العائلات باسم مستعار هو “جاد ضو”. لكن، عندما اتصلت عائلة داغر بالفرع للتحدث مع جاد ضو، قالت الأسرة إنه قيل لها “كلهم جاد ضو”. هذا الاسم على الأرجح نسخة مُعرَّبة من “جون دو”، وهو اسم يُستخدم بالإنكليزية، عندما يكون الاسم الحقيقي مجهولا أو يراد إخفاؤه عمدا”. وقال محامون إنه من غير القانوني أيضا بموجب القانون المحلي أن يعرّف عناصر وضباط الأمن عن أنفسهم بأسماء مستعارة.
وفي ملف بجّاني، أجرت قوى الأمن الداخلي أوّل مقابلة مع زوجته في المستشفى حيث نُقلت جثة زوجها صباح يوم الجريمة.
وكشفت الزوجة أنّ الضابط أخبرها أن ثمة ثلاث نظريات لا غير لمثل هذه الجرائم: القمار أو المخدرات أو النساء. وعندما اتصلت بالجهاز لتقديم شكوى ضد الضابط، قال لها من تلقى اتصالها “ما تواخذينا، هو جحش”.
وكشف مصدر مقرب من الأسرة أنّ زوجة بجاني التقت بوزير في آذار (مارس)2021، حيث قال لها: “أنصحك بعدم الحديث إلى وسائل الإعلام. لماذا يجب أن تفقد بناتك والدتهن؟ لا يمكننا حمايتك، نحن نعيش في مزرعة”.
وفي قضية داغر، أثناء استجوابها، أفادت شقيقته المحققين أنّه أبلغها، قبل شهر من اغتياله، بأنّه يعمل على قضية احتيال كبرى. سأل المحققون مدير القسم القانوني في بنك بيبلوس عن قضية الاحتيال هذه، لكنه نفى وجودها.
وكشفت العائلة أنّ المحققين لم يستجوبوا العديد من الموظفين الكبار في المصرف، وأعلن أحد أولاده لـ هيومن رايتس ووتش: “طلبوا فقط مدير القسم القانوني في البنك، الذي يتمثل عمله في حماية الشركة، ولم يكلفوا أنفسهم حتى عناء الضغط عليه. لم يحاولوا التحدث مع رئيسه، أو الأشخاص الذين كانوا يعملون معه”.
وأشار أفراد في عائلة داغر إلى أنّهم زاروا رئيس الجمهورية ميشال عون في تموز/يوليو 2020 بسبب عدم إحراز تقدم في قضية والدهم، حيث أخبرهم الرئيس أنّ والدهم كان يعرف الكثير على ما يبدو.
إذن، بين “جاد ضو” و”الجحش” و” كان يعرف الكثير” و”اصمتي”، و”المزرعة” اكتملت “شريعة الغاب” وتاه التحقيق في عالم المجهول.
ولا غرابة في ذلك، فالقضاة اللبنانيون والمسؤولون عن الأجهزة الأمنية اللبنانية، كما سبق أن أكّد العارفون قد “تربّوا”.
على مستوى القضاء، وثّقت منظمات حقوقية لبنانية ودولية، منذ سنوات، التدخل السياسي، وانتقدت عدم استقلاليته، ففي 2018، أعربت “لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة” عن قلقها بشأن ممارسة ضغوط سياسية على السلطة القضائية، لا سيما في تعيين المدعين العامين وقضاة التحقيق الرئيسيين، وإزاء الادعاءات بأن السياسيين يستخدمون نفوذهم لحماية مؤيديهم من الملاحقة القضائية.
وليس أدلّ على ذلك سوى مشروع مرسوم التشكيلات القضائية الذي “نسيه” رئيس الجمهورية ميشال عون، منذ سنوات، في أدراج مكتبه، بسبب خلوّه من المناصب التي يطلبها لقضاة موالين له.
وعلى مستوى الأجهزة الأمنية التي تعمل، بالتنسيق اللصيق مع النيابات العامة وقضاة التحقيق، فإنّ سلامة المسؤولين فيها لم تحل دون الاهتمام الواجب بملفات سليم-بجّاني-بو رجيلي-داغر فحسب، بل هي تقف، حتى تاريخه، وربّما حتى انقضاء عصر” النخب والجماعات المسلّحة”، دون كشف القتلة الذين اغتالوا زملاءهم الذين حلّوا مكانهم مثل النقيب وسام عيد واللواءين فرانسوا الحاج ووسام الحسن، أيضاً.
إن كشف حقيقة الجرائم في لبنان يبقى سهلاً جدّاً طالما أنّ الشبهة لا تحوم حول “النخب والجماعات المسلّحة”.
الأمر لا يحتاج الى تقرير موثّق تعدّه المنظمات الدولية. اللبنانيون يعرفون ذلك، أقلّه منذ الأوّل من تشرين الأوّل(أكتوبر) 2004، تاريخ محاولة اغتيال الوزير السابق مروان حماده حتى اغتيال زميله محمّد شطح في السابع والعشرين من كانون الأوّل/ديسمبر 2013.
ومن لم يكن يصدّق ذلك، عاد وفعل بعدما اكتشف قدرات “النخب والجماعات المسلّحة” في ضوء تعاطيها الإجرامي المفضوح، في قضية انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب (أغسطس) 2020.