المصارحة بدء العلاج – مروان اسكندر – النهار

ثمة حقائق لا بد من التعرض لمفاعيلها اذا شئنا ان نحقق انعتاقًا من حالة الاختناق المعيشي والحضاري التي تضغط على نفسية ال#لبنانيين وتوقعاتهم.

احصاءات وزارة الشؤون الاجتماعية عن أعداد من يحتاجون الى الدعم تفيد بان عدد من تسجلوا للحصول على الدعم يبلغ 3.5 ملايين لبناني ولبنانية، اي ان غالبية اللبنانيين يعانون من الفقر والحاجة الملحّة لتأمين العلم واقساط التعليم لابنائهم، وهذه وضعية مأسوية تتجاوز معاناة اي شعب آخر في المنطقة، والعهد يريد تصوير المسؤولية عن الواقع الاليم بانها تقع على عاتق #مصرف لبنان وقضية ما يسمى التبديد الجرمي المحاسبي، وليس هنالك من تعريف لهذا الواقع.




افقار اللبنانيين كان حصيلة التمهيد لهذا العهد منذ 2013. ويمكن القول ان التمهيد حصل بتاريخ تسليم شؤون الطاقة الى “التيار الوطني الحر” وحلفائه، منذ 1999، اي على مدى 22 عامًا حتى تاريخه.

ماذا شهدنا على صعيد الطاقة وعلى صعيد الاتصالات وخدمات الانترنت في العقدين المنصرمين؟ ويجب ألّا ننسى فترات التعطيل الطويلة لتسيير شؤون الدولة لاغراض خاصة توزيرية ورئاسية منذ 2005.

اولاً اهمال مستمر لاخضاع وزارتي الطاقة والاتصالات لتدقيق جدي محاسبي. فوزارة الطاقة اشرف عليها منذ تكليف الوزير آلان طابوريان هذه المسؤولية وحتى اليوم النائب والوزير جبران باسيل.

لقد رفضنا تطوير اعمال الوزارتين عمدًا منذ ان استرجعنا رخص الاتصالات الخليوية من الشركتين العاملتين على تأمين خدمات الاتصالات الخليوية، ومن ثم وبعد تعويضهما عن اعادة الملكية للدولة مقابل مبلغ تجاوز المليار دولار، كان العمل في عهد الرئيس اميل لحود الذي تابعه بشكل مباشر.

لقد اعدنا عملية الاستثمار الى الشركتين القائمتين بالخدمات انما شرط الحفاظ على حرية وزراء الاتصالات بإنجاز التعيينات، وهذا ما حصل بإشراف الوزير نقولا صحناوي حيث انجز تعيين 7000 محازب واستأجر من صديق له مبنى بتعويض 15 مليون دولار على سنتين ولم يستعمل.

حصيلة محاولة تصحيح استثمار عمليات الاتصالات والانترنت كانت تدنّي العوائد بما يساوي 280 مليون دولار سنويًا، اي ما يساوي على 10 سنوات 2.8 ملياري دولار.

التبديد الكبير تجلى في وزارة الطاقة، علمًا بان مشاريع تطوير انتاج الكهرباء وتوزيعها لقيت اهتمامًا من الرئيس رفيق الحريري الذي اشرف على انجاز اربع محطات بطاقة اجمالية بلغت 1060 ميغاواط، وباشر التوجه نحو استيراد الغاز وكان وراء اتفاق استيراد الغاز المصري منذ عام 2004. واوائل القرن الحادي والعشرين كان لبنان ينعم بالكهرباء على مدى ساعات كل يوم، وكانت خطط التطوير موضوعة والابحاث جارية مع هيئات اختصاصية منها شركة الكهرباء الفرنسية التي وضعت دراسة مفصلة منذ عام 1996 والبنك الدولي الذي وضع دراسة متكاملة منذ عام 2000.

بعد محاولة اقصاء رفيق الحريري عن رئاسة الوزراء واستعادته الموقع نتيجة انتخابات انجزت صيف الـ 2000 تشعب البحث وشمل فرص التمويل من المؤسسات العربية والدولية، وتدفقت الاستثمارات على لبنان وشهد البلد ارتفاعًا في فائض حسابات ميزان المدفوعات واستقرت اسعار الصرف وانتعشت اوضاع المصارف.

وزارة الطاقة، منذ ان تسلّمها جبران باسيل، تمنعت عن قبول مشاريع من صندوق كويتي كان يرأسه وزير مالية سابق ورجل ذو سمعة عالمية، وقد عرض على الوزير باسيل تمويل محطتين لانتاج 3000 ميغاواط مع تمويل طويل المدى بفائدة متدنية، فرفض الوزير باسيل ذلك على اساس انه كان قد حصل من الحكومة على تمويل يوازي 1.2 مليار دولار حينذاك، وبعد العرض الكويتي الرسمي تحصّل للرئيس نجيب ميقاتي عرض من شركة كويتية تنجز بناء معامل الطاقة ومعالجة النفايات بشروط ميسرة، واذا بعراقيل تعوق العقد، والوزير باسيل يوقع عقدًا مع شركة قبرصية – يونانية على انجاز معمل لانتاج الطاقة على مستوى 450 ميغاواط. لكن الاعمال التمهيدية لتسليم الارض الواقعة على مقربة من المعمل القائم في دير عمار لم تنجز والعمل توقف، والمناكفات ترصدت في محاكم بريطانية حكمت باستحقاق 200 مليون دولار تعويضا من لبنان للشركة.

الفرصة الثالثة سنحت بتاريخ زيارة انغيلا ميركل الى لبنان مع فريق من شركة “سيمنز” انجز بناء معامل لانتاج الكهرباء في مصر بطاقة 15 الف ميغاواط ،وعرض الالمان انجاز محطتين يمكن تفعيلهما بطاقة 1500 ميغاواط خلال سنة، اي قبل نهاية شباط 2020 و1500 ميغاواط قبل نهاية شباط 2022، مع تمويل طويل الامد، لكن وزير الطاقة في ذلك الوقت رفض العرض قائلاً: نحن كبلد صغير طورنا ادارة منشآت توليد الكهرباء بفعالية اكبر مما يتحقق لكم في المانيا.

حينئذٍ عاجله رئيس مجموعة “سيمنز” بطلب تدريب 100 خبير الماني على وسائل العمل في لبنان، وسأله عن المؤسسات التعليمية والتدريبية فيه، فانكشفت الادعاءات الفارغة لدى الوزير الذي كان قد اعلن في مؤتمر عقد في شباط عام 2017 في فندق الريفييرا عن مشروع لتأمين الكهرباء 24/24 ساعة خلال سنتين، واليوم بعد خمس سنوات على تأكيدات الوزير سيزار ابي خليل لا تؤمَّن اكثر من ساعة واحدة من الكهرباء، ولدينا مشروع جديد من وزير جديد كان يعمل في شركة استشارية اميركية.

يبدو حتى تاريخه ان مشروع الوزير الجديد غير متكامل، فهو يعتمد على توافر الغاز من مصر خلال 4 اشهر، وكميات من الوقود الحراري من العراق…وهذه مشروطة بتعويضات تتمثل بصادرات من المنتجات اللبنانية – والعراق كان اكبر دولة مستوردة للانتاج اللبناني – والوزير الجديد لا يحتسب كلفة هذه الصادرات، وهو لم يحتسب كلفة استيراد الغاز من مصر، ومعلوم ان اسعار الغاز ارتفعت 6 اضعاف هذه السنة، وربما استيراد الكهرباء من الاردن الناتج عن حقل لانتاج 1000 ميغاواط من الالواح الشمسية الزجاجية لانتاج الطاقة قد تكون كلفتها مقبولة ومتمثلة في كلفة النقل عبر سوريا.

جميع مقترحات وزير الطاقة الجديد طُرحت سابقًا ولم تتحقق، وجميع سنوات العهد العوني شهدت تجاوزًا في عجز الموازنة، وانحسار الرغبة في الاستثمار في لبنان، وهذا آخر تقرير للبنك الدولي الذي سحب تسهيلات مالية كان متعاقَدا عليها لانجاز سد ظهر ان اعمال انشائه غير مجدية. ورفع رسوم اشتراكات الكهرباء بـ20 ضعفًا لن يؤدي الى انحسار الواقع السيىء لانتاج وتوزيع الكهرباء ولا يشكل بحد ذاته خطوة جريئة. فالاقتراح تقدم به الوزير فؤاد السنيورة منذ عام 2005 اضافة الى تشكيل هيئة للاشراف على برامج الكهرباء لا تخضع لوصاية وزير الطاقة.

حضرة الرئيس ميشال عون، اذا شئت ضبط العجز والتقهقر عليك ان تبادر اولاً الى تكليف المحاسبين الدوليين مراجعة حسابات وزارة الطاقة غير المتوافرة منذ عام 2013، ومجلس النواب اصر على هذه الخطوة من دون ان نسمع اي رد من قِبلكم.

اوضاع لبنان المالية تعود الى مسؤولية الحكم والحكام وليس الى حاكم مصرف لبنان او فريق مصرف لبنان. فهؤلاء قاموا ولا يزالون بعملهم ووفروا ميزانيات واضحة وارقاما اقرت في جلسات المجلس المركزي التي يشارك فيها المدير العام لوزارة المال. زمن التهاون مع حسابات الوزارات ومع الوزراء والمديرين العامين والمتعاقدين هو اليوم وليس غدًا، وعلى الرئيس عون ان يدرك وقائع الحياة الاقتصادية والمالية قبل كيل الاتهامات.