٨٢٪ من اللبنانيين فقراء!

غسان العياش – النهار

لم يكن التقرير الذي بثّته شبكة CNN الأميركية أسوأ ما نُشر عالمياً عن #الأزمة الاقتصادية والمالية غير المسبوقة التي تعصف ب#لبنان. فقد سبق للبنك الدولي في بيروت، على سبيل المثال لا الحصر، أن وصف هذه الأزمة بأنها من بين الانهيارات الاقتصادية الأكثر حدّة عالمياً منذ خمسينيات القرن التاسع عشر.




إلا أن تقرير CNN يبيّن المدى الزمني الطويل الذي يحتاج إليه لبنان لكي يستعيد بعضاً من سمعته واحترامه في العالم، لأن التقرير الذي بثّه فريد زكريا، مقدّم البرامج الذائع الصيت في الشبكة، والكاتب البارز في واشنطن بوست ونيوزويك ومجلة تايم، جاء فيه أننا “عندما نفكر في الدول الفاشلة، فإن الصور التي تتبادر إلى الذهن هي أفغانستان أو اليمن أو جنوب السودان. لكن لبنان، الذي كان الدولة الأكثر روعة في الشرق الأوسط، ينضمّ الآن إلى تلك الدول”.

تقرير جديد للأمم المتّحدة عن الوضع الاقتصادي العالمي وآفاقه سنة 2022، خصّص حيّزاً خاصّاً عنوانه “تشريح الأزمة المالية في لبنان”. حسب النشرة الاقتصادية الأسبوعية لبنك عوده، أشار التقرير إلى انكماش الاقتصاد اللبناني خلال سنتي 2019 و2020 بنسبة 7.2 بالمئة و37 بالمئة على التوالي، وأكّد أن معدّل الفقر في لبنان ارتفع من 42 بالمئة سنة 2019 إلى 82 بالمئة سنة 2021، وأن نسبة الفقر المدقع في البلاد تبلغ 40 بالمئة.

“مرصد الاقتصاد اللبناني” الذي يصدر كل ستة أشهر عن #البنك الدولي في بيروت، ذكر أن إطار الكساد الراهن في لبنان يؤدّي إلى تفكّك الركائز الأساسية للاقتصاد السياسي لفترة ما بعد الحرب الأهلية. وأعاد المرصد التذكير بما شدّد عليه في تقريره الدوري السابق بأن الكساد الذي يعيشه لبنان هو “كسادٌ متعمّد”، فرضته على اللبنانيين النخب التي تتحكّم بالنظام اللبناني منذ أمد بعيد.

في الوقت الذي صدر فيه هذا التقرير، تسرّبت إلى الرأي العام الملامح الأوّلية لتصوّرات اللجنة الوزارية التي يرأسها نائب رئيس الحكومة بشأن خسائر الجهاز المصرفي اللبناني (مصرف لبنان والمصارف) وطريقة توزيعها. فقدّرت الخسائر، كما نُشر من قبل، بمبلغ 69 مليار دولار. منعاً لتضليل الرأي العام، فإن هذا الرقم لا يشمل كل الخسائر “الاقتصادية الوطنية” الناجمة عن الانهيار الراهن، بل هو يقتصر حصراً على ما سُمّي الفجوة بين مطلوبات الجهاز المصرفي بالعملات الأجنبية وموجوداته. أما الخسائر التي نجمت عن الكارثة فهي تتخطّى كثيراً هذا الرقم.

والجديد في المعلومات المسرّبة ما نُشر عن الطريقة المقترحة لتوزيع الخسائر، بما في ذلك النسب والشطور، فيتحمّل القطاع العام 26 بالمئة من الخسائر مقابل 19 بالمئة لمساهمي المصارف و55 بالمئة للمودعين، وفقاً لطريقة توزيع تختلف بين مودع وآخر.

الكارثة الحقيقية التي تهدّد مستقبل الأجيال المقبلة من اللبنانيين، قبل أن تطال الجيل الحالي، هي عدم تحميل المسؤولية لأيّ من الأطراف التي قادت البلاد إلى هذا الانهيار الكبير. وهذا يعني أن نفس اللاعبين الكبار، أو ورثتهم، يمكن أن يقودوا البلاد في مرحلة لاحقة إلى نفس النتيجة، عبر نفس المسار.

مؤسّسة دولية بحجم البنك الدولي وأهمّيته لا تعتقد بأن الكارثة اللبنانية هي من صنع الطبيعة، أو من إنتاج قوى كونية خارقة، بل تؤكّد تكراراً أن “الكساد متعمّد” ومقصود، وأنه من صنع النخب التي تحكم لبنان. فلا يجوز، بالتالي، أن يتغاضى الرأي العام اللبناني عن احتمال وجود جريمة بهذا المستوى هزّت كيان المجتمع اللبناني، ودفعت القسم الأكبر من أبنائه إلى أتون الفقر، بل هي، يمكن القول، “قبعت” الاقتصاد اللبناني من جذوره وقضت على دور بارز كان له في هذه المنطقة من العالم.

الذين عناهم البنك الدولي واتّهمهم بارتكاب المجزرة، ما زالوا هم أنفسهم يديرون الدولة، ويتحكمون بمؤسّساتها، ويتلاعبون باقتصادها، ويتقاسمون منافعها. والناخبون يتأهّبون اليوم لتجديد صلاحية وجودهم في السلطة.

تقضي الأمانة للحقيقة بالقول إن المسؤولية عمّا وصلت إليه البلاد لا يتحمّلها طرف واحد، بل تتوزّع على النظام السياسي، أوّلاً، ثم على السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والنقدية. وستكون لنا وقفة متعمّقة، تشبه القرار الظنّي، تحدّد مسؤولية كل طرف من هذه الأطراف ودوره في التراجيديا اللبنانية.