“في فخ داعش”.. عائلات لبنانية تفجع بمقتل أبنائها في العراق

أسرار شبارو – الحرة

سلطت الضربات الجوية التي نفذتها خلية الاستهداف المشترك في قيادة العمليات المشتركة، وقيادة القوة الجوية العراقية، يوم السبت الماضي بمنطقة حاوي العظيم في محافظة ديالى، الضوء على عمليات تجنيد لبنانيين في تنظيم “داعش”، وذلك بعد مقتل عدد منهم في غارات شنتها طائرات “أف-16” التابع لسلاح الجو العراقي.




خلية الإعلام الأمني التابعة للجيش العراقي أوضحت في بيان أنه “بعد أن تعهدت قواتنا الأمنية بأخذ الثأر لشهدائنا الأبطال في حادثة ناحية العظيم التي راح ضحيتها عدد من المقاتلين، تمكن جهاز الأمن الوطني وبجهود مستمرة من تحديد الموقع الدقيق لمكان المجموعة في حاوي العظيم، وتم القصاص منهم بتوجيه ثلاث ضربات دقيقة، أسفرت حتى الآن عن قتل تسعة عناصر”.

وأفاد مصدر أمني لوكالة الأنباء العراقية بمقتل “3 لبنانيين من وادي النحلة شمال لبنان، أثناء قتالهم إلى جانب داعش خلال الضربة الجوية، وهم عمر سيف، بكر سيف، وأنس الجزار”، ومع مرور الساعات ارتفع عدد القتلى إلى ستة حيث انضم إليهم محمود السيد، عمر شخيدم وشقيقه يوسف، وكان وصل في شهر ديسمبر الماضي خبر مقتل الشابين، أحمد الكيالي وزكريا العدل، وذلك بعد اختفائهما من منطقة سكنهما في شمال لبنان.

سبق أن أكد وزير الداخلية اللبناني، بسام المولوي، خلال مقابلة تلفزيونية، في شهر يناير الماضي، التحاق 37 شابا من طرابلس بـ”داعش”، منهم سافروا بطرق شرعية، في حين قال المحلل السياسي، نضال السبع: “حسب المعلومات الأمنية بلغ عدد المختفين 52 شخصاً، 47 تمكنوا من مغادرة لبنان في حين اعتقلت الأجهزة الأمنية خمسة منهم على الحدود اللبنانية السورية في وادي خالد”.

اعتقال الشبان الخمسة يقف، كما قال السبع لموقع “الحرة”، “خلف عمليات المداهمة التي قامت بها الأجهزة الأمنية في مخيم البداوي شمال لبنان، والبحث مستمر عن خلايا التنظيم”.

أحد مشايخ الشمال الذين يتابعون قضية تجنيد الشبان (رفض ذكر اسمه كونه يدخل في مفاوضات مع بعض المغرر بهم للعودة إلى لبنان) أكد أن “الأجهزة الأمنية بات لديها خيوطاً أساسية حول القضية، وذلك بعد توقيف حوالي 10 أشخاص ممن يقومون بعمليات التجنيد، أحدهم دخل سوريا قبل إعادة تسليم نفسه لأحد الأجهزة اللبنانية، حيث كشف العديد من المعلومات، كما أن أصابع الاتهام تتجه نحو شبكة داخل سجن رومية لها دور فيما يحصل”.

 عائلات لبنانية تفاجأت بأنباء مقتل أولادها في غارة عراقية
بكر سيف وعمر سيف وعمر شخيدم ويوسف شخيدم وأنس الجزار

الوقوع في فخ “داعش”

الشقيقان عمر ويوسف شخيدم، من اللذين أعلن عن مقتلهما بالضربات العراقية، بعد أن غادرا منزلهما كما قال عمهما محمد منذ حوالي الـ25 يوماً، “خرجا في الصباح، وعندما مرت الساعات من دون عودتهما، تلقيت اتصالاً من شقيقي يطلعني عن مدى قلقه عليهما، طلبت منه الانتظار 24 ساعة قبل تبليغ القوى الأمنية وذلك بحسب ما ينص عليه القانون، سألنا عنهما أصدقاءهما، فتبين أن شابين آخرين اختفيا، من بينهما، أنس الجزار، ابن شقيق رئيس بلدية وادي النحلة خالد الجزار”.

في اليوم التالي، بلّغت عائلة شخيدم (من برج العرب في عكار، سكان وادي النحلة) الأجهزة الأمنية، وبعد ثلاثة أيام كما قال محمد لموقع “الحرة”: “تلقينا رسالة صوتية من رقم هاتف أجنبي أخبرانا أنهما في تركيا، ومن بعدها لم نعلم شيئاً عنهما، إلى أن صدمنا بأنهما فارقا الحياة في العراق من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام”.

منذ أشهر يعاني عمر ويوسف (22 سنة و24 سنة) من البطالة، هما اللذان كانا يعملان في لحام الكهرباء، تحت ظروف العائلة المادية مأساوية، والدهما يعمل في الخردة، ولديهما ثلاثة أشقاء يصغرانهما، وأكد محمد “كانا كبقية الشبان، يقصدان الجامع للصلاة، لكنهما بالتأكيد غير متشددين أو متطرفين، من هنا نعيش حالة ضياع عن سبب سلوكهما هذا الطريق، وكيف تمكنا من قطع الحدود من دون أن يتم توقيفهما من قبل أي جهاز أمني سواء لبناني، تركي أو سوري أو عراقي”.

من جانبه أكد رئيس بلدية وادي النحلة، خالد الجزار، لموقع “الحرة” أن ابن شقيقه أنس (23 سنة) اختفى قبل حوالي الشهر، لتصلنا بعدها رسالة صوتية منه، لم يحدد فيها مكانه، بل طمأننا عنه، وقد أبلغنا القوى الأمنية بذلك”.

علامات استفهام عدة طرحها الجزار عن كيفية مغادرة الشبان البلاد من دون جوازات سفر، ومن دون أن تقوم القوى الأمنية بتوقيفهم.

عدة عوامل تؤدي إلى وقوع الشباب في فخ “داعش”، منها بحسب ما قاله مفتي طرابلس والشمال، الشيخ محمد إمام، لموقع “الحرة”: “الجهل في الشريعة الإسلامية، والوضع الاقتصادي المتردي خاصة في الشمال وطرابلس وبعض المناطق، ولا ننسى أن هناك ضائقة عامة تدفع ببعض الشبان إلى السفر في المجهول في البحر بسبب الحاجة”.

وأضاف الشيخ إمام “نحن أمام حالات فردية معزولة، حيث يتم وعد الشباب بأمور عدة كالراتب والزواج، فيجدون أنفسهم متورطين، والنقطة الأهم أن طرابلس ليست حاضنة لهذه الأفكار ولا تشجعها، والدليل أن عائلات الشبان تتفاجأ بما يحصل، وأقرب الناس إليهم ليسوا بهذا التوجه ولا يشجعون هذه الأفكار”.

كلام الشيخ إمام أكده السبع، بالقول إن “داعش لا يعتمد فقط  على الخلفية الجهادية للشبان بل على الضائقة الاقتصادية، حيث يغررون بهم براتب يتراوح بين 500 دولار إلى ألفي دولار”.

وأوضح أن “الشبان الذين يتم تجنيهم ينقسمون إلى قسمين، قسم يعاني من ضائقة اقتصادية فوجد طريقة لتحسين وضعه المادي، والقسم الآخر لديه ملفات أمنية وهو يخشى من الملاحقة، ففضل أن يتسرب عبر الحدود خلسة”.

وأكد السبع أن “ما يطرح علامات استفهام (هو) اختيار التنظيم منطقة شمال لبنان في محاولة للتمدد والتجنيد، بينما الوضع الاقتصادي في سوريا سيء ما يجعل منها أرضاً خصبة للقيام بذلك”.

تعجب واستنكار

ثلاث طرق يسلكها الشبان للخروج من لبنان، بحسب السبع”عبر مطار بيروت باتجاه الأراضي التركية، أو الأراضي العراقية لمن ليست لديهم ملفات أمنية، أو براً عبر الحدود اللبنانية – السورية”.

وأشار السبع إلى أن “الأجهزة الأمنية الأميركية أبلغت الجانب اللبناني، عن نشاط داعش ومحاولته تنظيم مجموعات من الشباب اللبناني، أعمارهم تتراوح بين 17 و24 سنة”.

وفي شهر يوليو الماضي، حذرت الأمم المتحدة في تقرير من أن تهديد الجماعات الإرهابية مثل داعش والقاعدة آخذ في التوسع والانتشار في العديد من مناطق العالم، وأشار التقرير الذي قدمه إلى مجلس الأمن فريق المراقبة التابع للأمم المتحدة، المكلف بتتبع التهديدات الإرهابية في جميع أنحاء العالم، إلى أن تلك الجماعات الأصولية تشكل تهديداً متزايداً في معظم أنحاء أفريقيا وسوريا والعراق وأفغانستان.

قتل في الضربات الجوية كذلك محمود السيد (من وادي النحلة) الذي استفاق شقيقه بدر قبل نحو شهرين ليجده مغادراً المنزل، حيث شرح “لم يصلنا منه اي اتصال منذ ذلك الوقت، إلى أن تفاجأنا من مواقع التواصل بخبر موته”، وعن وضعهم الاقتصادي أجاب “منذ حوالي الستة أشهر توقف عن العمل في بيع الخضار وتنظيف مسجد”.

لم يكن يملك ابن التسعة عشر عاماً هاتفاً ولم تبدُ عليه أي علامات تغيير قبل اختفائه، وقال بدر لموقع “الحرة”: “نطالب الدولة اللبنانية الكشف عمن يغسل عقول الشباب ويدفعها إلى هذا الطريق، كما نطالب باسترداد جثامينهم”.

من جانبه، أبدى المحامي، محمد صبلوح، تعجبه لما حصل مع بكر سيف، الذي قتل في العراق هو الآخر، مؤكدا أن “الشاب كان موقوفاً في السابق، قبل أن يخرج ويعاود الانخراط في المجتمع، عقد قرانه على فتاة وحدد يوم زفافه في ٢٥ شباط (فبراير)، وقبل فترة خرج من المنزل طالباً من والدته تجهيز الغداء ليختفي بعدها، قبل أن يرد اتصال هاتفي إلى عائلته من مخفر البداوي أطلعت خلاله أن بكر موقوف لدى الأجهزة الأمنية بسبب وثيقة اتصال (وثائق الاتصال ملغاة وغير قانونية وقد تم إلغاؤها عام ٢٠١٤ بمرسوم مجلس الوزراء)”.

وهو ما أكده محمود، شقيق بكر، الذي قال: “في الوقت الذي كنا نعتقد فيه أن شقيقي موقوف لدى الأجهزة الأمنية كما أطلعنا منها، تفاجأنا باتصال منه حيث قال: “أنا في العراق، الله يظلم الذي ظلمني”، وتساءل: “كيف لموقوف لدى الأجهزة الأمنية أن يصل إلى العراق؟”

وقال محمود: “لم نكن على علم بأنه غادر لبنان ولو كان لدينا أي معلومة صغيرة عما سيحدث كنا منعناه”، محمّلاً “السلطة اللبنانية المسؤولية عن عدم قيامها بواجباتها على الحدود اللبنانية ومنع الشباب من التسلل خارج البلاد”.

تحديات كبيرة

لا يزال تهديد داعش، بحسب تقرير الأمم المتحدة، ماثلا في العراق وسوريا، حيث حصل التنظيم  على تمويل يقدر بـ 25 مليون دولار إلى 50 مليون دولار، وبحسب السبع “نشهد في المرحلة الراهنة  تنامي تنظيم داعش سواء في العراق أو سوريا”.

وأوضح قائلا: “صحيح أن التنظيم انتهى في عام 2019، لكننا شهدنا إعادة تنامٍ لعملياته في السنتين الماضيتين وعلى مشارف هذه السنة، وما حدث قبل أسبوعين من استهداف الأمن العراقي وقتل 12 بين ضابط وعسكري، وما حدث في سجن غويران في الحسكة لافت جداً، خاصة مع ارتفاع وتيرة التوحش لدى هذا التنظيم الذي كان يعتمد سابقاً على زرع العبوات، في حين أنه استخدم سيارتين مفخختين في اقتحام السجن”.

طالب محمد السلطات الأمنية أن تولي القضية الاهتمام الكافي “للتأكد من صحة مقتل ابني شقيقه، وجلب جثمانهما إن كان ذلك حدث بالفعل”، وهو ما أشار اليه السبع الذي تساءل: “كيف تم تحديد أسماء الشبان الذين قتلوا والجزم بأنهم من طرابلس؟، الخشية من أن يكون تم اخفائهم لدسهم في عمليات أخرى، والخوف الأكبر من أن نشهد في مرحلة مقبلة ما حدث في أفغانستان، حيث بعد انتهاء الحرب عاد ‘المجاهدون’ إلى مجتمعاتهم واصطدموا معها”.

ما يحصل يفرض على المجتمع الدولي وفقا للسبع “تحديات كبيرة لتقديم الدعم المباشر للأجهزة الأمنية، فالعسكري الذي يتقاضى 40 و50 دولار شهرياً قد يغض النظر عما يجري على الحدود”.

وفيما إن كان الشيخ إمام يتابع ما يحصل مع الأجهزة الأمنية أجاب: “بالطبع ننسق مع بعضنا البعض، فالأجهزة الأمنية تحاول قدر المستطاع منع الشبان من الالتحاق بداعش، ومن جانبنا نبذل جهدنا لتوعيتهم وتلقفهم ومتابعتهم، لكن على الدولة أن تشعر بخطورة أي تأخير بأيجاد الحلول وخطورة انعكاس ذلك، ولا يجب التصدي فقط لما يجري بل علينا الوقاية منه”.

وتوجه إلى الشباب بالقول: “تأنوا، اسألوا أهل العلم قبل الإقدام على أي خطوة”.