سمير عطا الله

كيف تُشحن الأفيال – سمير عطالله – النهار

مَن ينتظر أن تطير البطة المشويّة إلى فمه، عليه أن ينتظر طويلاً”.
جول رينارد

روى رجل أعمال #لبناني انه كان مرة في قطاع الشحن بمطار فرانكفورت، عندما شاهد شيئاً غريباً: يُدفعُ بفيل الى الطائرة، ومن ثم تُرسل خلفه عشرات الصيصان. أذهله المشهد، فتقدم من المسؤول المشرف على العمل، وسأله: ما الذي يضع الفيل والصيصان في طائرة واحدة؟ شرح الرجل بأن ما من حبال يمكن ان تجمّد الفيل في مكانه طوال سبع ساعات. لذلك، توضع الصيصان بين أقدامه. وخوفاً من أن يؤذيها، فإنه لا يتحرك طوال الرحلة من فرانكفورت الى نيويورك.




استبق كتّاب الكويت البارزون مؤتمر وزراء الخارجية العرب حول لبنان، بموجة من الافتتاحيات المستنكِرة تصريح جبران باسيل إلى صحيفة كويتية حول “المشروع المنتصر”. ورأى الدكتور محمد الرميحي في ذلك نوعاً من الغطرسة الفاشية، وقال آخرون ان هذه اللهجة المتعالية مقصود بها، خصوصاً، الكويت، بلد المبادرة والمؤتمر معاً.

والأرجح أن مؤسس الديبلوماسية اللبنانية الحديثة لم يكن يتقصد جهة معيّنة، وإنما هو كلام عفوي على سجيّته وطبيعته. فكل شيء عنده حرب، وكل حرب يخرج منها منتصراً. ولا بد لسلسلة الانتصارات من ان يدوّنها التاريخ: من حرب الرغيف، الى العزة والكرامة والسيادة. أعمق ما سمعت في وصف حالنا، ربة بيت تقول: “فَضّوا بيوتنا”.

يحرص صاحب الجمهورية حرصاً لا مثيل له، على الجمع بين الجرح والإهانة، كما يقول المثل: يعطي هنا ويحجب هناك، ولكن دائماً بعفوية التواضع التي شرحها رئيس الجمهورية للرعايا عندما قال: إن الرجل “نشأ على يديه”. وهي مؤهلات حاسمة في حصر الإرث.

“المشروع المنتصر” بماذا وعلى مَن؟ حلبة ليس فيها سوى ضحايا وفقر وبؤس وإهانات، وجوع، وحرامية بنوك، وقطّاع طرق في عز الظهيرة، وعتم ومدارس معتّرة، وصيدليات فارغة، وبطالة وافلاسات عَ مدّ النظر، فأين الانتصار؟ إلاّ إذا كان في تطفيش سعد الحريري، فهو حقاً نصرٌ عظيم يضاف الى لوحة نهر الكلب، خصوصاً أن صاحب النصر لم يخفف من لياقته ذرة واحدة، فسارع إلى التحذير من ان تُفهم هزيمة الحريري على أنها هزيمة للسنّة، فأعلن ان السنّة طائفة “تكوينية تأسيسية”. وبالشكر تدوم النِّعم.

جاء اعتراف صاحب الجمهورية بالسنّة، تأسيساً وتكويناً ونعمة من لدنه، فيما هلّ عليهم هلال الأخوة والفضيلة مع ظهور وتجلّي بهاء الدين الحريري. العائلات اللبنانية في أجمل وحدتها. واحد يُفرِّقها في “قلب لبنان” وآخر من عليائه في واشنطن وجنيف واسطنبول وسائر ملحقات القوم، إلا لبنان، الذي لم يكن يأتيه لا في غياب الأب ولا في حضوره.

الحقيقة ان التوريث محرج احياناً للمورث. مثال على ذلك جورج بوش الأب والإبن. بيل كلينتون والسيدة حرمه. والتوريث نوعان: التعيين كما في حالة باسيل الذي سجد على المسرح شاكراً لمن تقبَّل سجوده، والانتخاب، وهو ما أحلى التعيين، كما في حالة جورج دبليو ومنسوب الذكاء والثقافة وسائر المنسوبات.

لا يُنصح دائماً بالتوريث الجمهوري، لأنه ينخر العائلة نفسها اولاً. وإذا لم يفرِّق بين الأخوة فيفرِّق بين الاصهار. وكان في عائلة كينيدي اعلى واوسع نسبة من الألمعيين مستحقّي الرئاسة، إثنان منهم قُتلا غيلة، وثالثهما كانت حصته من الرئاسة لبنانية منعته من التفكير فيها. وإثنان (جاك وروبرت) أحبّا المرأة نفسها. أما هي فاختارت الزواج الثاني من يخت أوناسيس وجزيرته وسفنه. وبالرفاه بلا بنين.

الإرث فرَّق بين سعد الحريري (محسوبكم سعد) وبين الشقيق الأكبر. واحد كاريزماتي شعبي قريب الى القلب وإلى الناس، وواحد ليس كذلك. واحد قال بكل طيبة إنه مستعد لتقبيل يد شقيقه الأكبر، وشقيقه الأكبر علّق على هذا القول بابتسامة ساخرة، وكاد يهتف من جديد: يا قوم.

كل هذه شؤون عائلية. وكلٌّ في بيته يصطفل. المسألة تتعدّى ذلك عندما تصل الى بيوت الناس وبيت الحكومة وبيت الجمهورية. وعندما تصل الى مصائرهم وحياتهم وحياة ابنائهم و… “فَضّوا بيوتنا”! عندها لا تعود القضية مَن يرث رفيق الحريري، ومَن يأخذ كرسي الرئاسة من ميشال عون، بل مَن يتفرد بدقّ المسمار الأخير في بيت الجميع.

المتسابقون على ذلك كثيرون. خذلنا زمن “المشروع المنتصر” وصار من غبار التاريخ والديناصورات الاخلاقية قول مثل “لا غالب ولا مغلوب” أو “لبنان واحد لا لبنانان”. وعدنا الى قول لا اخلاقي، لكنه صحيح، من نوع “سلبان لا يؤلفان ايجاباً”، أو من بضاعة “راح تنزل عَ الشارع”، أو من متاعات السفاهة التي تنافس موجة الثلوج الطامرة لكن على غير ألوان.

نحن في ازمة اخلاقية اولاً. الازمات الباقية نتيجة لا سبب. كل ازمة أخرى موقتة، هذه لا حلول بعدها ولا ازمات: إن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا. لا نريد ان نجعل قضية من صاحب “المشروع المنتصر” في اعالي اللقلوق. اعتدنا ولم يعد شيء يفاجئنا. ال مش عاجبو يفلّ. ولا من بيانات وتجليات الأخ الأكبر المرابط في مونتي كارلو، يناضل في سبيل الطائفة التأسيسية التكوينية. أين بلاغة بشارة الخوري. سماحة محمد بولس بطرس المعوشي. بدل ان يصلّي المشايخ في بكركي ذهب قادة الموارنة الى دار الإفتاء: اطمئنوا، فما انتم إلا طائفة تكوينية تأسيسية. وما حدث لسعد الحريري وتياره وإفراغ قلب بيروت وتسكيره، مجرد سوء فهم عبَّر عنه بلبل التيار السابق. “فضيت” بيروت و”فَضّوا بيوتنا”. والأمل الكبير الآن في “المشروع المنتصر” والزعيم العائد بعد ثلاثة عقود من النضال على بحيرة الليمان، من اجل إنقاذ “ديننا” مما فعله سعد الحريري، الرجل الذي قال انه لا بديل من المناصفة، والذي ضُبط امام شجرة الميلاد في منزله.

كثيرة اخطاء سعد الحريري، الذي لم يدرك ان هذه الغابة لا تنفع بها طيبة محسوبكم سعد. ولا تنبه الى ان الشراكة مع زعيم التيار أصعب من الخروج منها. تلك اخفاقاته ومسؤوليته. وقد كان له من الشجاعة ان اقرَّ بها. ومن ثم هذا هو لبنان، قبل وبعد. يوم لا دنيا ويوم لا آخرة، ودائماً “المشروع المنتصر” على فريق واحد هو “الذين فضيت بيوتهم”.

بدل ان يتركوا اللبنانيين في حالهم يبكون بلدهم وديارهم وبيوتهم وهناءهم ومستقبل اطفالهم، لحقوا بهم الى الكويت يمنّنونهم بـ”المشروع المنتصر”. الخليفة العباسي اعتبر نفسه “المنتصر بالله”، أما هنا فهو المنتصر بالانجازات. عَ مدّ النظر.

أهمها طبعاً الانتصار على سعد الحريري في معركة “يا انا يا هوّي”. والحمد لله على وجود رئيس الجمهورية الذي يحاول التخفيف من عظمة الانتصارات الوطنية. فعندما وصف الفتى الرئيس نبيه بري بـ”البلطجي” قام الرئيس عون بزيارته، وعندما انتصر في المعركة التأسيسية التكوينية، قام الرئيس عون بزيارة دار الافتاء. لا أحد يعرف جدول الزيارات المقبلة.