يأس ميقاتي من التفاتة سعودية يدفعه صوب تركيا

تعكس زيارة رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي الثلاثاء إلى تركيا فشل مساعي القادة اللبنانيين للظفر بالتفاتة سعودية تنقذ البلد الغارق في الأزمات الاقتصادية من الانهيار الذي بات وشيكا.

ولم تفلح سياسة الصبر والتروي والمغازلة التي انتهجها ميقاتي تجاه السعودية في التأثير على موقف الرياض الحازم تجاه دعم لبنان والمشروط بتحجيم نفوذ حزب الله الموالي لإيران، إذ عبر رئيس الوزراء في وقت سابق عن أنه يفضل زيارة السعودية كوجهة أولى قبل أي بلد في المنطقة تزامنا مع تلقيه دعوة لزيارة تركيا.




ووصل ميقاتي إلى إسطنبول الثلاثاء في زيارة رسمية مرفوقا بوفد وزاري رفيع المستوى لمناقشة سبل التعاون بين البلدين في عدة مجالات اقتصادية.

السعودية هي الجهة الأكثر قدرة على دعم لبنان ومساعدته ماليا على الخروج من أزماته، وهو ما فعلته في السابق

ويستبعد محللون أن تثمر الزيارة نتائج تذكر لدفع الاقتصاد اللبناني المنهار أو مساعدته ماليا، إذ أن تركيا نفسها تعاني من أزمة اقتصادية حادة أجبرت الرئيس رجب طيب أردوغان على اللجوء إلى دول الخليج وعلى رأسها الإمارات لجلب استثمارات تساعده على تجاوز الصعوبات الاقتصادية التي عصفت بالليرة التركية.

ويشير هؤلاء إلى أن زيارة ميقاتي إلى تركيا تدخل في باب مساعي أردوغان لتكريس نفوذه سياسيا في لبنان بعد الانكفاء السعودي الذي حذر عدد من المحللين الخليجيين من تأثيراته بعيدة المدى على الساحة اللبنانية.

وتقول دوائر اقتصادية خليجية إنه لا يمكن لتركيا المأزومة اقتصاديا مد يد العون للبنان في هذه المرحلة المفصلية، وإن ما سيعلن عنه من توقيع اتفاقيات ثنائية يدخل في باب استثمار الأوضاع الداخلية اللبنانية لخدمة الأجندات السياسية التركية.

وتعتبر هذه الدوائر أن السعودية هي الجهة الأكثر قدرة على دعم لبنان ومساعدته على الخروج من أزماته، وهو ما فعلته في السابق.

وأرسلت السعودية في الأشهر الأخيرة إشارات تفيد بأنها لم تعد معنية بلبنان، في وقت تعرف فيه أن حزب الله هو المتحكم في المشهد اللبناني.

وبذلت الرياض كل ما في وسعها على مدى سنوات مضت لدعم لبنان وحث الفرقاء على منع ارتهانه لأيّ جهة خارجية، لكن اللبنانيين ظلوا ينظرون إلى المملكة كجهة مهمتها ضخ الأموال وتحريك الاقتصاد والسياحة دون أيّ التزام سياسي تجاهها، وهو خيار لم يعد يتماشى مع سياستها الجديدة.

وقدّمت المملكة المليارات في سبيل إعادة إعمار لبنان بعد الحرب الأهلية (1975 – 1990)، لكنّها بدت في السنوات الماضية غاضبة جراء فشلها في كبح جماح حزب الله المسلّح والنافذ والمدعوم من إيران.

وسجلت في الأشهر الأخيرة عودة الاهتمام السعودي بلبنان، لكن هذا الاهتمام لم يصل في واقع الأمر إلى إحداث تغير حقيقي في الموقف؛ فالرياض لا تزال تصر على ضرورة تحجيم نفوذ حزب الله كخطوة أساسية لاستئناف دعم هذا البلد، وهو شرط لم يلتزم به رئيس الحكومة المكلف السابق سعد الحريري.

أنقرة في الوقت الحاضر تراهن على ملء الفراغ العربي في البلد انطلاقا من اللعب بورقة تقديم مساعدات غير مكلفة ماديا

وترى الدول الخليجية، المناهضة للمشروع الإيراني في المنطقة، أن حزب الله، الحليف الأهم لطهران في المنطقة، يهيمن على مراكز القرار في الدولة اللبنانية التي باتت مؤسساتها، بما فيها الأمنية، مهمشة وخاضعة له.

ولذلك تعتبر الدول الخليجية أن أي دعم يمكن تقديمه للدولة اللبنانية سيسهم في تقوية حزب الله وتعزيز النفوذ الإيراني في لبنان بشكل أكبر.

وتهدد سيطرة حزب الله على ملفات عدة في لبنان ثقة العالم والدول العربية في الأمن والاستقرار المطلوبين للاستثمار في القطاعات اللبنانية.

وينظر أردوغان إلى الانكفاء السعودي وصرامة موقفها من دعم بيروت على أنهما فرصة مواتية لتوسيع نفوذه في لبنان.

وتعتبر مصادر سياسية تتابع التحرك التركي في لبنان أن أنقرة في الوقت الحاضر تراهن على ملء الفراغ العربي في البلد انطلاقا من اللعب بورقة تقديم مساعدات غير مكلفة ماديا لكنها ذات أثر اجتماعي وسياسي.

وتشير هذه المصادر إلى أن الابتعاد السعودي، بسبب معارضة الرياض لحزب الله، يفسح المجال لتوسع الدور التركي في لبنان خدمة لأجندات أردوغان التوسعية وفرض نفسه من خلالها لاعبا رئيسيا في المنطقة.

وإثر انفجار مرفأ بيروت في 2020 عرضت أنقرة على السلطات اللبنانية الاستخدام المؤقت لميناء هاتاي التركي إلى أن يعود ميناء بيروت إلى العمل، إضافة إلى الإمدادات الطبية والغذائية التي أحضرها نائب الرئيس التركي فؤاد أقطاي ووزير الخارجية مولود جاويش أوغلو خلال زيارتهما إلى لبنان بعد تلك الحادثة التي هزت البلاد.

وإلى جانب المساعدات توظف تركيا عدّة آليات لاختراق لبنان، لعل أبرزها الجماعات الإسلامية التابعة لها والجمعيات الخيرية، فيما يشهد الدور العربي فتورا متزايدا تجاه بيروت.