النعل الذهبي

الياس خوري – القدس العربي

عام 1999 أنهى المخرج السينمائي السوري عمر أميرالاي تصوير فيلمه الإشكالي «الرجل ذو النعل الذهبي». وعرض الفيلم عام 2000، أي قبل خمسة أعوام من اغتيال بطل هذا الفيلم رفيق الحريري.




أغلب الظن أن المخرج السوري استوحى الاستعارة الفرنسية من «الرجل ذو نعل من الريح»، وهو التعبير الذي أطلقه الشاعر الفرنسي فيرلين على صديقه الشاعر أرثور رامبو.

كما أنني متأكد من أن قصيدة أدونيس التي تصف علاقة الشاعر بالقمع وتنتهي بهذا البيت: «آه يا عصر الحذاء الذهبي/ أنت أغلى أنت أجمل»، لم تخطر في بال أميرالاي، فالفيلم يتكلم عن رجل احتل الحياة السياسية، ولم يلجأ يوماً إلى القمع المباشر.

توقفت عند عنوان هذا الفيلم كي أشير إلى أن أحد أهم أسلحة المخرج كان الإبهار، ففي مواجهة رجل يمتلك السلطة والمال وجيش من الصحافيين الملتحقين بديوانه، أراد أميرالاي إبهارنا بالذكاء والبراءة ومحاولة التملص من أثر الرجل الطاغي، فاختتم لعبته الذكية بالاستنجاد بثلاثة مثقفين: فواز طرابلسي، والشهيد سمير قصير، وكاتب هذه السطور، من أجل استعادة توازن افتقده الفيلم.

وبصرف النظر عن نقدي للفيلم، وانزعاجي من الطريقة التي جرى فيها تصوير هذا المشهد من كاميرات في السقف، بحيث كنا نقيض المشهد البريء لوالدته وهي تدافع عن الحريري، فإن هذا الفيلم هو وثيقة بصرية مهمة.

رجل دخل إلى الحياة السياسية اللبنانية مع عاصفة إعمار وسط بيروت، وخرج منها ومن الحياة بعاصفة من المتفجرات التي قتلته.

حضرت صورة هذا الأب بضخامتها أمام صورة الابن والوريث سعد الحريري وهو يعلن انسحابه من الحياة السياسية، مسدلاً الستارة الأخيرة على المشهد الذي أريد له أن ينتهي بشكل تراجيدي منذ سبعة عشر عاماً.

موت الأب أبكى الألوف، وفجّر انتفاضة شعبية كبرى في وجه الهيمنة السورية.

أما اعتزال الابن فإنه لم يُبك سوى الابن نفسه. هذا هو الفرق بين التراجيديا وتقليدها الميلودرامي.

أذكر أنني في ذلك الحوار المصور في الفيلم، قلت إن نهاية تراجيدية تنتظر الحريري بعد حوالي عشر سنين.

لم أفكر يومها بالاغتيال، لأن الصورة التي خطرت في بالي كانت صورة انهيار يوسف بيدس بعد دفع مصرف «انترا» إلى الإفلاس.

أعترف الآن بأنني ارتكبت خطأين:

الخطأ الأول في التوقيت، فالتراجيديا الحريرية لم تنتظر عشر سنين، بل حدثت بعد ست سنوات.

والخطأ الثاني هو التشبيه المضمر بين الحريري وبيدس. الفلسطيني يوسف بيدس كان رجل مال طموحاً، ولم يشكل تعبيراً عن نفوذ قوة أجنبية في لبنان، لذا كانت تصفيته ونهبه من قبل الأوليغارشية المهيمنة مسألة سهلة.

أما اللبناني- السعودي رفيق الحريري، فكان مقاولاً انتقل إلى العمل السياسي كممثل شخصي للملك السعودي فهد بن عبد العزيز في لبنان، ثم تحول إلى تجسيد للتقاطع- التحالف بين النظامين السعودي والسوري، بمباركة أمريكية وتعاطف فرنسي. لذا، لم يكن أمام من قرر تصفيته سياسياً سوى قتله عبر ذلك الانفجار الوحشي.

لعبة رفيق الحريري ودوره كوزير خارجية غير معلن لحافظ الأسد، بدأ ينتهي مع صعود بشار إلى مرتبة وارث لوالده، ثم انتهى عملياً بعيد الغزو الأمريكي للعراق، وتخوف النظام السوري من المصير الذي لاقاه شقيقه البعثي العراقي على أيدي الأمريكيين.

قامت الحريرية على توازن عربي دقيق، وعلى افتراض أن السلام مع إسرائيل آت لا محالة، وأن لبنان سيشكل نافذة دول الخليج على هذا السلام. هذا المشروع انتهى بشكل كامل عام 2003. السنتان اللتان بقيتا من عمر رفيق الحريري كانتا مجرد تمارين على ما سيأتي، من القرار 1559 إلى محاولة اغتيال مروان حمادة.

المرحلة الحريرية التي شهدت جموح النيو ليبرالية، وانتشار ثقافة الرشوة، وتحول النارجيلة البيروتية إلى نمط للعيش، تحتاج إلى قراءة تاريخية معمقة. رجل جاء من خارج السياسة ليتحول إلى زعيم لطائفته، وإلى ندّ لقادة ميليشيات الحرب، وإلى مشروع زعيم وطني عابر للطوائف.

خلال عقد من الزمن، صار الحريري زعيماً فوق الزعماء. غير أن لعبة سيد دمشق، وهو المحنك في كيفية الاحتفاظ بالسلطة إلى الأبد، غرست في لبنان، وعبر التحالف مع إيران بذور زعامة مضادة أتت أيضاً من خارج الملعب اللبناني التقليدي.

فإذا كان الحريري تعبيراً عن حالة سعودية تتقاطع مع سورية، فإن حزب الله، الذي نشأ كذراع للحرس الثوري الإيراني، هو نقطة التقاطع الإيرانية السورية الموازية.

زعامة بالمال والإعمار توازيها زعامة بالمقاومة والقتال.

وبين هاتين القوتين الصاعدتين سُحقت المقاومة التي أطلقها اليسار، وهمشت المارونية السياسية، أما زعامات الميليشيا الحليفة كحركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي فصارت زعامات في الصف الثاني.

لكن الساحة انفجرت في 14 شباط-فبراير 2005، قتل الحريري وخرج الجيش السوري من لبنان، وعاد زعماء الموارنة إلى السياسة لينقسموا بين التيارين الكبيرين، الحريرية التي ورثها سعد، وحزب الله بقيادة نصر الله.

انقسام السياسة اللبنانية بين قوتين سياسيتين ميزتهما هي أنهما امتداد مباشر وبلا وسائط لقوتين إقليميتين متصارعتين، جعل لبنان يعيش منذ 2005 في حرب أهلية غير معلنة، سمتها الأساسية الاغتيالات والتفجيرات المسلحة الموضعية، وبروز ملاح الانهيار الاقتصادي، وطبقة سياسية لا حدود لجوعها إلى النهب.

وبينما كان حزب الله قوة عسكرية متماسكة وطرفاً في الحروب الإقليمية التي تخوضها إيران، كانت الحريرية تواجه مأزقها التكويني. فالحريرية تشكلت كقوة مالية ضخمة بسبب ثراء مؤسسها والدعم السعودي له، وكقوة سلام أهلي جاءت من خارج منطق الحرب.

الثروة الشخصية تضاءلت وانتهت بعد اعتقال محمد بن سلمان للحريري في السعودية، ومع تفليس شركة «أوجيه»؟

السلمية لم يعد لها مكان أمام طموحات أمير انقلابي بدأ حياته السياسية بإشعال اليمن، وطمح إلى تفجير التوازن اللبناني الهش الذي صار لمصلحة إيران وحزبها في لبنان.

إذا لم تعد الحريرية ذراعاً سعودياً فماذا ستكون؟

سعد الحريري أجاب عن هذا السؤال عبر خطاب التنحي، معلناً أفول الظاهرة ونهايتها.

هل يستطيع اللاعب السعودي أن يجد بديلاً للحريرية التي صنعها وقتلها؟

أم أن السؤال هو عن أفول الحريرية التي قد تعني دخول لبنان في هاوية التمزق؟

أم أن البديل عن كل هذه المسخرة التي تدور منذ مئة عام، هو تأسيس وطن علماني وديموقراطي ومستقل؟