زعامة الحريري بين تجربتين

عارف العبد – المدن

لا جدال بأن القرار الذي وصل إليه سعد الحريري بتعليق مشاركته في الحياة السياسية في لبنان، وإقدامه على إعلانه بالصورة التراجيدية التي تمت، شكّل صدمة للرأي العام اللبناني والخارجي، فهو اتخذ وأعلن قراراً غير مسبوق إن في لبنان أو الوطن العربي على مختلف المستويات.




قوة وغرابة قرار الحريري قلصت عدد المؤيدين والمرتاحين من قراره إلى قلة تعد على الأصابع، انحصرت به وعائلته الصغيرة، أي زوجته وأولاده، وبالطبع أخصامه المحليين والإقليميين. وهذا إن دل على أمر فهو يدل على حجم المعاناة التي كان يعيشها الرجل وعائلته الصغيرة، نتيجة انغماسه في مهمة ومهنة لم يكن يريدها أو يحبها.

والراهن، أن الحريري هو واحد من ثلاثة زعماء في لبنان أُقحموا في الدور الذي يلعبونه إقحاماً من قبل القدر المتربص بأي إنسان، وكان التربص بالحريري أشد قسوة عليه، من زميليه الآخرين في المهنة وتشابه الأدوار.

الزعيم الاول، الذي يشابه الحريري في دوره ولعبته، كان وليد جنبلاط الذي كان يتمتع بعيش دور أبعد ما يكون عن السياسة والزعامة الحزبية والطائفية والعائلية، إلى حين اغتيال والده كمال جنبلاط.

ليس جديداً القول أن وليد جنبلاط كان يهوى ويرغب العيش بحرية عاشها أقرانه الشباب فترة السبعينيات. ارتداء سروال من الجينز، مع سترة من الجلد والتجوال على ظهر دراجة نارية بين الجامعة الأميركية في راس بيروت وجريدة النهار في شارع الحمراء، إضافة إلى اهتمامات ومتابعات شخصية شغوفة بتطورات ثقافية وتاريخية وفنية.

شكل اغتيال كمال جنبلاط انقلاباً دراماتيكياً في حياة هذا الرجل، وقلبها رأساً على عقب، ما وضعه من دون نقاش أو تردد أمام مسؤولية تسلم زعامة ودور والده الشهيد المغدور في قيادة أركان الطائفة والجماعة السياسية والحزبية.

أزاح جنبلاط الإبن أحلامه وعاداته السابقة جانباً، وانصرف نحو إثبات نفسه وقدراته في الموقع الجديد المغمد بالتحدي والدم والحقد والإثارة وكبت الغيظ.

لم تكن تجربة وليد جنبلاط بسيطة أو هينة، حين توجه لزيارة دمشق للاجتماع إلى الرئيس حافظ الأسد، حيث تحولت العلاقة بينهما إلى علاقة مصالح سياسية لمواجهة الصعاب والأعداء وصراع البقاء، وتحالفات وتقاطع في مراحل متعددة.

الواقعية البراغماتية لدى الجانبين، وتقاطع المصالح والحاجة المتبادلة، حولت كلمة جنبلاط في دمشق إلى مسموعة، ولها المكان المعتبر لدى المسؤولين في سوريا في أحيان كثيرة، إلى أن اهتزت وتدهورت العلاقة مع تغير الإدارة السياسية وأهدافها وأساليبها من الأب إلى الإبن، إبان ولاية رئاسة إميل لحود.

نجح وليد جنبلاط بسرعة في التأقلم آنذاك، بفعل انكبابه ومثابرته من جهة، وخبرة وصدق وإخلاص المحيط من المستشارين والأعوان من جهة أخرى، في قيادة السفينة التي أُوكل تحريك دفتها، وكانت تجاربه حافلة ومتدرجة وصعبة، لكنه أثبت زعامته ونجح في أغلب الامتحانات التي خاضها.

الزعيم الثاني الذي تشابهت ظروفه الصعبة مع ظروف الحريري ودُفع من دون استشارة إلى وسط الأتون السياسي، كان سليمان فرنجية الذي كان في عمر الثامنة حين قتل والده في المجزرة الشهيرة التي ارتكبت في إهدن عام 1978.

تربى فرنجية في كنف جده والعائلة الكبرى في زغرتا، وفي ظل الحماية السورية الحثيثة الأمنية والسياسية، التي راح يختصرها فيما بعد، بكلمة “الخط”.

تعلم فرنجية بسرعة أيضاً، ونضج وتأقلم مع أوجاعه تحت الضغط العاطفي الكبير، لكن نجاحه الأكبر، تمثل في إعلانه الانتصار على نفسه وتجاوز التمسك بالثأر العائلي، والانصراف إلى تثبيت الإرث السياسي عبر ممارسة ومتابعة يومية ودؤوبة ومستمرة وغير منقطعة لشؤون الجماعة والعصبية المحيطة.

اعتبر نيكولو مكيافيلي، إنه إذا خيّر الأمير بين محبة جمهوره له أو خشيتهم منه، فعليه أن يختار الدمج بين الحالتين، أي أن يعمل لكي يكسب الاثنين معاً، أي خوف جمهوره منه واحترامهم ومهابتهم لشخصه، وفي الوقت عينه محبتهم له.

إحدى أكبر مشكلات سعد الحريري، أنه اختار أن يكسب محبة جمهوره على الدوام، فبالغ في لعبة المضحّي الدائم، وأم الصبي في العائلة والمحيط السياسي.

وُضع أو وضع الحريري نفسه، أمام تسويات وتنازلات ومساومات في أماكن ومواضيع حساسة ومحرمة أحياناً وخطرة في أحيان كثيرة، بالترافق مع مصادفات فريدة معقدة وصعبة، إلى أن اكتشف أن الصبي ووالدته قد يكونان في الطريق إلى الاندثار والموت والتلاشي.

حين قرر الملك عبد الله بن عبد العزيز السير بمبادرة (السين-سين) أي فتح أبواب الحوار بين سوريا والسعودية، كان الهدف إبعاد سوريا عن إيران وكسبها إلى جانب الصف العربي، فذهب سعد الحريري إلى زيارة بشار الأسد في قصره، فكان ما كان من نتائج، وتسويات، وخسارات، وتراجعات.

وحين اندلعت الثورة في سوريا وسقطت كل خيارات تبديل موازين القوى والمعادلات، اعتبر سعد الحريري أن تسوية لإيصال ميشال عون إلى الرئاسة الأولى قد تجنب لبنان الخراب، وتؤجل الانفجار والانهيار، الذي كان طيفه قد بدأ بالظهور.

بالغ الحريري في عدم التنبه إلى ضوابط إدارة تسيير شؤون التسوية مع التيار الوطني الحر، بسبب ازدياد ضغط وهم أبخرة فائض القوة عند حزب الله من جهة، وتضخم جوع جبران باسيل النزق للسلطة والنفوذ من جهة ثانية.

ظهر الاختلال الواسع في موازين القوى والممارسات الفاضحة الإدارية والدستورية جراء التسوية المزعومة، مما ساهم في إحراج الحريري أمام جماعته السياسية المحلية والإقليمية، بالتوازي مع إفشال محاولة الإسعاف الاقتصادي عبر مؤتمر سيدر وغيره من المحاولات.

تقاطعت في وجه الحريري تشابكات أحداث في المنطقة لم تواجه غيره من القادة. وكانت في غاية الخطورة، والجدة، والحداثة والصعوبة.

اختل التوازن المعروف والثابت في أهم الحواضر العربية المؤثرة في لبنان منذ عقود، وهو التبدل الذي تمثل بتغير وتجدد في القيادة السعودية، بالتوازي مع تبدل في المقاربة وأسلوب التعاطي مع مشكلات المنطقة.

جرى هذا كله، في الوقت الذي اندفعت فيه إيران إلى لعب أدوار جديدة في قلب الإقليم العربي، عبر تحريك أذرعها العسكرية والسياسية للسيطرة والتحكم، من دمشق إلى العراق وصولاً صحن بيت العربية السعودية أي في اليمن.

انقلب المشهد في الخليج العربي وفي المدن السعودية بشكل كلي وصادم ومختلف، حيث باتت الحواضر السعودية تتعرض للقصف الحوثي الموجه من طهران والمدرب من حزب الله، الذي يتشارك الحريري معه في العيش والحكم في لبنان.

السعوديون باتوا أمام حالة جديدة وتحد كبير ومصيري لم يعتادوه من قبل، ولم يقدروا على تفهم واستيعاب كيف أن الحريري المحسوب عليهم والمترعرع في رحابهم هو وعائلته، يتعايش مع حزب يساهم في قصف مدنهم ويحارب قواتهم في اليمن، الذي تحول مستنقعاً لإغراقهم؟!

تسرّع الحريري حين رشح نفسه لتشكيل الحكومة بعد سقوط تجربة مصطفى أديب، التي كانت إشارة كافية بأن العهد الحالي لم يعد يؤمل منه أي فعل إيجابي.

ظن الحريري أن الآخرين سيلتقطون الفرصة للمسارعة لملاقاته إلى الإنقاذ كما اعتقد، لكنه لم يحسب أن هناك من سيكمن له للإجهاز على مسعاه وضربه، حتى لو انهار لبنان كله.

حزب النكاية أثبت مرة أخرى أنه أقوى الأحزاب في لبنان.

ارتاح ميشال عون وانشرح جبران باسيل ولم يخفيا ذلك حين اعتذر الحريري عن تشكيل الحكومة، فيما ابتسم لهما حزب الله وانفرجت أساريره، فقرر الحريري الانتقال إلى مضارب آل نهيان في الامارات العربية المتحدة.

إعلان الحريري تعليق عمله السياسي في لبنان والعزوف عن الترشح وتياره إلى الانتخابات النيابية ليس أمراً عابراً في لبنان. وهو بذلك يخوض تجربة جديدة محفوفة بالمخاطر السياسية والشخصية. وهو امتحان لن نعرف جوابه الآن بالتأكيد، وربما بعد فترة ليست قصيرة، فالتحدي سيكون قاسياً أمام زعامته الناشئة وجماعته المصدومة والقلقة.