الحريري يستودع بيروت

جويس كرم – الحرة

اعتزال رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري العمل السياسي، ولو بشكل موقت، هو مؤشر عمق على المأزق والأزمة التي يعيشها لبنان، ونهاية حقبة الحريرية السياسية حتى إشعار آخر.




خروج الحريري ليس بالمفاجئ ولا بغير المنطقي إذا أخذنا بعين الاعتبار الحالة اللبنانية، علاقة الحريري المتردية مع السعودية منذ أعوام، الفراغ السني في لبنان والصورة القاتمة انتخابيا واقتصاديا وسياسيا.

أولاً، الحالة اللبنانية الميؤوس منها يتحمل الحريري جزءاً كبيراً من الوصول إليها كونه ترأس ثلاث حكومات أثرت الفاسدين وتحالفت مع سارقي المال العام وأرباب السلاح والميليشيات. غصة الحريري وهو يستودع بيروت لينتقل إلى أبوظبي، لن تعوض على ملايين اللبنانيين تعويضاتهم وجنى عمرهم الذي أهدرته المصارف، فيما الحريري وحلفائه السابقين من جبران باسيل إلى حسن نصرالله ونبيه بري ضاعفوا ثرواتهم.

في بلد تغيب عنه المحاسبة والقضاء المستقل، لن تتم محاسبة باسيل أو بري أو الحريري أو نصرالله أو رياض سلامة وغيرهم حول نهب المال العام، ولن نعرف من هرب أمواله إلى الخارج ومن استفاد واعتاش على التلاعب بسعر الليرة.

الحريري الابن فشل سياسياً في ترجمة رؤية الأب ونسج التوازن الداخلي والإقليمي والدولي الذي أبقى حزب الله خارج الحكومة طوال أيام رفيق الحريري، ولم يوصل لبنان يوماً إلى حالة إفلاس وحضيض اقتصادي.

الحريري الأب كان هو مدير مشروعه ومدير فريقه السياسي وليس العكس. وكان الأب صاحب رؤية سياسية واقتصادية متكاملة، يمكن الاختلاف أو الاتفاق معها، إنما أهدرها الابن بتحالفات سياسية انتهازية أجهضت المشروع الاقتصادي.

الفشل السياسي الأكبر للحريري الابن كان في خسارة الدعم الخليجي وتحديداً المظلة السعودية، وهو سبب رئيسي في تعليق مسيرته السياسية. فالرياض اليوم لن تستثمر في شخصية سياسية توارب في تحالفاتها وغير قادرة على إمساك الشارع السني المتشرذم بين عدة أفرقاء وولاءات مناطقية واقطاعية. الأرجح، وعدا عن زعيم حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، ستحفظ الرياض مسافة من الانتخابات المقبلة في مايو إلى حين أن يلملم الشارع السني جروحه ويستولد زعامة جديدة.

من دون المظلة السياسية والمالية للسعودية في تيار المستقبل، لا يمكن تصور فوز مقنع لسعد الحريري في الانتخابات المقبلة ومن هنا توقيت اعتكافه. أما الدول الخليجية الأخرى فهي لم ولن تتحدى السعودية في السياسة اللبنانية.

الفراغ السني واضح اليوم وخطير. فرئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي لديه الفطنة السياسية إنما سيتفادى بأي ثمن مواجهة حزب الله وزعامته تبقى محصورة في طرابلس. أمًا الباقين من فؤاد السنيورة إلى بهاء الحريري فلن يقبل بهم حزب الله.

خطورة الفراغ هي أيضاً في تنامي مجموعات متطرفة في بؤر طرابلس وصيدا خصوصا مع تردي الواقع الاقتصادي. فحين لا يمكن للمواطن شراء قارورة غاز لتدفئة أولاده في عاصفة ثلجية، لن يكترث إذا جاء الدولار من داعش أو النصرة أو سوريا أو إيران.

لذلك هناك ضرورة اليوم لمشروع اقتصادي لمساعدة لبنان ينظر أبعد من الزعامات العائلية والحزبية الضيقة. فغرق لبنان بين مال التطرف السني والشيعي يعني كارثة داخلية وإقليمية. هناك أيضا ضرورة لحوار عربي-إيراني حول مستقبل بيروت، فهل تريد طهران انهياراً اقتصاديا شاملاً تركب أمواجه خلايا داعش؟ الفوضى ستعزز دور الميليشيات وليس العكس، والأزمة أكبر من سعد الحريري أو نجيب ميقاتي أو فيصل كرامي أو أياً كان اسم رئيس الحكومة المقبل.

خروج الحريري هو نتاج أخطائه وتعثراته من بيروت إلى الرياض، وهو أيضا دليل شؤم على لبنان الجالس على حافة الهاوية وما من جسر لخلاصه.