بهاء وسعد: الأمين والمأمون وخراب البيت السنّي

منير الربيع – المدن

يُفترض بالدماء أن توحد الخلفاء. أُسقطت هذه القاعدة البديهية في لبنان. سقطت لدى الطائفة السنية، وتحديداً لدى الأبناء والورثة والمؤمنين بنهج ومسيرة رفيق الحريري. لكأن كل واحد منهم، لديه طموح أو حلم، او جموح إلى السلطة، يسعى إلى اكتناز بقعة من دمائه أو ترابه، ليبني مشروعه.
والصورة التي يقدمها بهاء الحريري في تعاطيه مع شقيقه سعد، تشبه إلى حدّ بعيد قصة قايين وهابيل. الأخ الذي قتل أخيه. أو بالعودة إلى الموروث العباسي، تشبه قصة الشقيقين الأمين والمأمون. وهما نجلا هارون الرشيد. فولّى الرشيد عهده للمأمون، وفيما بعد ولّاه للأمين، اللذين دخلا بصراع دام بينهما. الأمين والمأمون ولدا لأب واحد وكل منهم لأم مختلفة. سعد وبهاء من الأم والأب نفسهما.




يعيش السنّة في لبنان حالة بدل عن ضائع. لا مشروع لديهم، ولا رؤية يقدمونها لمناصريهم ولأنفسهم للاستمرار بتأثيرهم السياسي في المعادلة اللبنانية، القائمة دوماً على توازنات طائفية ومذهبية. الصراعات الطوائفية التي اعتاد عليها لبنان، اليوم تنعكس داخل الطائفة الواحدة، وداخل المنزل الواحد. وهي ستؤدي إلى تغيرات عميقة في بنية النظام اللبناني وتوازناته السياسية. المميزات التي اكتسبها السنّة بعد توقيع اتفاق الطائف، تم استنزافها. خسروا في السياسة رهانات كثيرة، وخسروا في ترميم وضعيتهم، فأصبحوا على مشارف خسارة الدور والتأثير.

الممارسة السياسية التي انتهجها سعد الحريري منذ سنوات، وتحديداً بعد انتخابه ميشال عون لرئاسة الجمهورية، أظهرت تراجعاَ كبيراً في الدور السنّي. تنازل الحريري طوعاً عن صلاحياته، راهن على أن اتفاقه السياسي مع عون وحزب الله سيمنحه حظوة أكبر من تلك التي توفرها له الصلاحيات، التي ستدخله في صراعات مع الجانبين. قايض الصلاحيات والثوابت السياسية، بالموقع وبالتسوية واستمراريتها. وما قاله تبريراً، إنه أراد تجنّب الحرب الأهلية. أدى ذلك إلى تفلت كبير في صفوف مؤيديه ومناصريه، وأعاد إبراز خصومه التقليديين في المناطق، من خلال قانون الانتخاب الذي أفقد الحريري عدداً كبيراً من المقاعد السنّية والمسيحية. كما أن سياسته انعكست خلافات كبيرة داخل كوادر تياره ونواب كتلته، دفعت إلى انسحابات كثيرة في صفوفهم.

عندما دخل الحريري في التسوية الرئاسية، أخذ مسؤوليتها على عاتقه. تعهد أمام القوى الإقليمية التقليدية الداعمة له، وتحديداً المملكة العربية السعودية، باستعادة التأثير والنفوذ في لبنان. لم يحقق الحريري ما تعهد به، فكانت أزمة استقالته من الرياض في العام 2017. يومها طُرح شقيقه بهاء لوراثة مشروع رفيق الحريري كبديل من سعد. حالت تدخلات كثيرة، دولية وإقليمية ومحلية، بإجهاض مسعى إدخال بهاء الحريري إلى الحياة السياسية اللبنانية كبديل عن شقيقه سعد. عاد الحريري إلى لبنان وإلى ممارساته السياسية ذاتها، التي لم ترق للسعوديين. وكان حضور السعودية يتراجع في المنطقة، ودور الحريري يضعف في لبنان. في حالات الضعف تبرز المشاريع الجديدة على ضفاف المشروع القديم. أحد هذه المشاريع الجديدة اختار بهاء أن يفتتحه يوم الرابع عشر من شباط 2020، بدعوة بعض مناصريه إلى تنظيم وقفة على ضريح والده. حصل خلاف وصدام يومها مع مناصري ومؤيدي سعد.

قبل هذه المحطة، كان بهاء قد بدأ يتحرك بإقناع من بعض مساعديه أو المقربين منه، تماشياً مع ثورة 17 تشرين. نشرت له زوجته صوراً يؤيد فيها تحركات اللبنانيين وسُربت عنه مواقف تطالب بإسقاط حكومة شقيقه، كما نقلت عنه اتهامات لأخيه بالفساد، وأن سعد قايض كرسي رئاسة الحكومة والصفقات بالسلاح وبالمحكمة الدولية. اليوم يتجدد الصراع على الساحة السنية. لا يريد بهاء الحريري لهذه المناسبة أن تذهب سدى. ستكون فرصته لإثبات نفسه وحضوره شعبياً.

لا يعتبر بهاء أن مشروعه هو عبارة عن وراثة سياسية، علماً ان طريقة تعاطيه تشير إلى محاولته للمطالبة بالميراث. يقدم نفسه بأنه مع مطالب اللبنانيين المنتفضين، الرافضين لسياسات المساومة وصفقات الفساد. ربما لا يزال بعيداً، ويخطاب اللبنانيين إفتراضياً، لأنه لا يمتلك أي مشروع. وهو يؤكد أنه سيأتي ويدخل المعترك السياسي بعد سقوط هذه الطبقة السياسية، كـ”استجابة إلى مطالب الثوار ومطالب الشعب اللبناني”!

لا جهة واضحة تدعم بهاء الحريري. دخل بهاء إلى السياسة من بوابة معارضة مسار شقيقه سعد. ويكمل في قفزة ثانية بالإعلان عن الاستعداد لوراثته. لطالما رفض سعد الحريري الدخول في سجال حول ما يقوم به شقيقه. بقي سعد الحريري على صمته. لكن المشكلة على الساحة السنّية، لم تعد تقتصر على سعد وبهاء، ولن تكون مرتبطة فقط بمسارات ديبلوماسية، إنما ستستمر انعكاساتها على الأرض، مزيداً من الترهل والتشرذم، والذي سينعكس تخريباً في البيئة السنية، وتأثيرها في المعادلة السياسية اللبنانية. وتخريب البيت السنّي في لبنان، هو جزء من تخريب البيت السنّي في كل المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن، وصولاً إلى المس بالأمن القومي الخليجي.