من الأوراق المسربة كاشفة الاتجاهات الحكومية: خسائر المودعين يتحمّلها المودعون… والردّ بالليرة!

سابين عويس – النهار

الحكومة في سباق مع الوقت من اجل إقرار مشروع قانون الموازنة العامة للسنة الجارية قبل ان تتحول البلاد الى حلبة انتخابية، تتراجع خلالها الاولويات الاقتصادية والمالية على حساب تقدم الحملات الانتخابية.




وتكمن أهمية إقرار المشروع في تلبيته توصيات صندوق النقد الدولي، وقد بدأت الحكومة المسار التفاوضي الرسمي معه قبل أسبوع، وذلك بقطع النظر عن التوجهات الاقتصادية والإصلاحية التي يأمل الصندوق إدراجها في المشروع، والتي تعمل الحكومة على إدراج ما تعذّر إقراره فيه في خطتها للتعافي الاقتصادي المزمع تقديمها فور إنجازها، علما ان هذا الامر رهن بإنجاز الموازنة أولاً، ليتاح تعديلها او تطويرها انطلاقاً مما سيتم إقراره.

هي موازنة الامر الواقع كما يحلو لبعض الوزراء توصيفها، تفادياً لرفع سقف التوقعات منها، لكنها رغم هذا التوصيف، تبدو اكثر تفاؤلاً لجهة توقعاتها لمستويات النمو التي حددها المشروع بـ 3 في المئة، استناداً الى توقعات متفائلة بتحقيق ايرادات من زيادات ضريبية سيكون من الصعب جداً تحقيقها مع تدهور قيمة العملة الوطنية وانهيار الاقتصاد وتراجع القدرة الشرائية للرواتب والاجور، وسط ارتفاعات مقلقة لمستوى التضخم.

لم يضع المشروع إصبعه على الجرح النازف للمالية العامة او للاقتصاد، ولم يقارب مشكلة الفجوة المالية الناجمة عن خسائر ضخمة في القطاع المالي. ليس لأن الامر ليس من اختصاصه، وإنما لأن لا مقاربة موحدة بعد او توافقاً على مسألة توزيع الخسائر. فبعدما توصّل الفريق الاقتصادي لرئاسة الحكومة مع المصرف المركزي الى توحيد الأرقام، وهذه كانت المشكلة الابرز التي عطلت الجولات التفاوضية مع صندوق النقد وحكومة حسان دياب، لا تزال مسألة توزيع هذه الخسائر تخضع لمقاربات مختلفة حيال النسب التي سيتحملها كل من الأطراف الذين تم اعتبارهم مسؤولين وهم: الدولة، المصرف المركزي، المصارف، والمودعون.

ترتيبٌ كهذا يرتّب بدوره ان تكون النسبة الأكبر للدولة يليها المصرف المركزي فالمصارف وفي الدرجة الاخيرة المودعون. لكن ما تم تسريبه من الأوراق الحكومية في هذا الشأن لا يعكس هذا الترتيب، بل يُبين أن النسبة الأكبر ستكون من حصة المودعين.

في واحدة من هذه الأوراق تحت عنوان توزيع الخسائر بين الأطراف، يُظهر التوزيع ان حجم الخسائر يبلغ 69 مليار دولار موزعة كالآتي: 18 ملياراً على الدولة (الحكومة 10 مليارات و#مصرف لبنان 8 مليارات)، ما نسبته 26 في المئة، 13 ملياراً تُحمَّل للمساهمين في المصارف ونسبتها تعادل 19 في المئة، فيما تشكل نسبة المودعين 55 في المئة بقيمة اجمالية تبلغ 38 مليار دولار منها 10 مليارات ودائع ابدية.

في ورقة اكثر تفصيلاً تتناول توزيع الخسائر على المودعين لما مجموعه 104 مليارات دولار، تتكشف النيات الرسمية الحقيقية لتحميل العبء الأكبر للمودعين عبر اقتطاعات يمكن ان تصل الى 80 و90 في المئة اذا سقطت الرهانات الحكومية على البرنامج مع صندوق النقد لتوفير تدفقات نقدية بالعملة الصعبة، او على استعادة الثقة بالاقتصاد والقطاع المصرفي وتحقيق نسبة النمو المتوقعة بـ 3 في المئة.

تقسم الورقة المشار اليها الودائع المقيمة على أساس سعر صرف 20 الف ليرة للدولار، وفق آلية دفع تمتد على 15 سنة، الى قسمين: الاول مجموعه 51 مليار دولار موزعة كالآتي:
– الفوائد المتراكمة منذ العام 2015 ومجموعها 16 مليار دولار تدفع بالليرة على سعر 5 آلاف ليرة للدولار وبنسب شطب (هيركات) تصل الى 75 في المئة.

– الودائع المحوّلة بالليرة الى الدولار بعد تشرين الاول 2019، تدفع بالليرة على سعر 12 ألفا بنسبة شطب تصل الى 40 في المئة.

– القسم الثاني للودائع المتبقية ومجموعها 53 مليار دولار موزعة وفق شريحة تحت 150 الف دولار ومجموعها 25 مليار دولار تُدفع بالدولار، شريحة الوديعة المتبقية بين 150 و500 الف دولار ومجموعها 6 مليارات دولار تدفع بالليرة على سعر 20 الف ليرة للدولار. اما الشريحة الاخيرة المتبقية لما فوق 500 الف دولار ومجموعها 22 مليار دولار، فتقضي الخطة باستبدال 55 في المئة منها بأسهم في المصرف، على ان يتم تحويل 45 في المئة منها الى سندات ابدية مع فائدة.

يختلف مصرف لبنان في مقاربته مع الحكومة لجهة اقتناعه بما بات يعرف بـ”ليلرة” الودائع بنسبة تتجاوز ما قدّرته الحكومة في خطتها لتصل الى 90 في المئة.

ماذا تعني هذه الأرقام اذا اقرت، في كتاب المودعين؟

لا تحتمل هذه الورقة المسربة أي اجتهادات في تفسيرها امام حقيقتين لا ثالثة لهما:

– ان الدولة ستحمّل النسبة الأكبر من الخسائر للمودعين، ليس فقط من خلال اقتطاعات على ودائعهم، وإنما ايضاً من خلال سدادها بالليرة.

– اللجوء الى طبع العملة اللبنانية لتغطية الخسائر في ظل عدم توافر الدولار في السوق، حتى لسداد الودائع المقرر دفعها بالدولار، اذ هي تفوق ما تبقى في احتياطات المصرف المركزي أساساً. وهذا بدوره سيعني مزيداً من التضخم والانهيار في سعر العملة.

تراهن الحكومة على تحسن المناخ الاقتصادي واستعادة الثقة، ولا سيما بالقطاع المصرفي، علماً ان البلاد تخوض اليوم اقسى المواجهات السياسية التي تنعكس في شكل خطير جداً على المناخ الاقتصادي والمالي، ولا توفر الأجواء السائدة أي أفق واضح وسليم للمستقبل.

وتحوط الشكوك كذلك اقتراح الدفع بسندات ابدية على أساس تمكن العميل من تسييرها في السوق الثانوية. وهذا امر يواجه ايضاً تحدي استعادة الثقة بقطاع مصرفي مفلس ومنهار وعاجز عن لملمة اشلائه، في ظل غياب اي خطة واضحة لإعادة هيكلته، كان يُفترض ان يتم اللجوء اليها مع اندلاع الأزمة، وليس انتظار عامين لاستنفاد الودائع وتنزيل الخسائر، في خطة ارتدّت سلباً على القطاع.

في الخلاصة، لا تعالج الخطة الحكومية أزمة القطاع المالي وخسائره بل تعالج خسائر المودعين. وإذا لم تترافق هذه الخطة مع مقاربة جدية وعملية لإعادة هيكلة القطاع، فإن البلاد مقبلة على مزيد من التراجع والتخبط الذي سيعمق الهوة ويقرٓب ساعة الانفجار الاجتماعي.