جنبلاط الغاضب: شهادة على الواقع أم إدانة للذات

بدا وليد جنبلاط غاضبا ويائسا في حديثه عن راهن لبنان وقد بات حزب الله وإيران يتحكمان به في ظل غياب الدور العربي من دون أن يسأل نفسه إن كان هذا الوضع طارئا أم أنه واقع قديم تتحمل مسؤوليته الطبقة السياسية اللبنانية بمختلف مكوناتها بما في ذلك جنبلاط نفسه، في الوقت الذي لم يتضح بعد إن كان كلامه شهادة على الواقع أم إدانة للذات.

وقال الزعيم الدرزي الخميس إن إيران كسبت المزيد من النفوذ في لبنان بسبب تخلي الدول العربية عن هذا البلد، وكثّف الانتقادات لحزب الله، مشددا على أن “العرب تخلّوا عن لبنان بحجة التهجّم الشخصي والسياسي لحزب الله عليهم ونحن ضحية هذا الصراع”.




وأضاف في مقابلة مع قناة “إم.تي.في” أنه لا يمكن لأحد أن يملأ الفراغ الذي سيتركه سعد الحريري “في الساحة العربية السنية”.

وتساءلت أوساط سياسية لبنانية عن المعني باعترافات جنبلاط المتأخرة بشأن تزايد نفوذ إيران وسيطرة حزب الله، في الوقت الذي كان فيه الزعيم الدرزي خلال السنوات العشر الماضية يكتفي بمجرد توجيه نقد خفيف لحزب الله ويراقب سيطرته العسكرية والسياسية والمالية على لبنان، فكيف تتحمل السعودية أو غيرها من الدول العربية مسؤولية ما عجز عنه جنبلاط وغيره من السياسيين في لبنان.

وقالت الأوساط السابقة إن انسحاب الحريري في حد ذاته محاكمة للطبقة السياسية قبل أن يكون فرصة لحزب الله أو ملامة للسعودية، مشيرة إلى أن السياسيين يفكرون بمنطق السلامة لأنفسهم ومصالحهم، ويريدون من دول مثل السعودية أن تتدخل لتواجه نفوذ إيران بمفردها.

ومنذ أيام قليلة أكد جنبلاط، في مقابلة مع صحيفة “لوريان لوجور” الفرنسية، أنه لا يريد الانضمام إلى جبهة سياسية ضد حزب الله، ما يعني أن مهمته تنتهي عند التصريحات أما المواجهة الفعلية فمهمة السعودية والحريري، وهو نفس الأسلوب الذي تعامل به الحريري مع موضوع تصاعد نفوذ حزب الله حين خيّر الاعتكاف في باريس في مرحلة أولى ثم الانسحاب من المشهد السياسي وترك الملعب للحزب وحلفائه للاستمرار بالتحكم في لبنان وقراره.

ويرى مراقبون لبنانيون أن الحديث عن غياب العرب في مواجهة حزب الله ليس سوى حجة لتبرئة النفس سواء بالنسبة إلى جنبلاط أو الحريري، مشيرين إلى أنه في سنوات ماضية كانت السعودية تنفق بلا حساب في لبنان لكن حزب الله ظل كما هو في انتشاره وسيطرته على البلاد، فيما تنقسم الطبقة السياسية اللبنانية بين مستفيد وصامت.

ويعتبر المراقبون أن حسابات المملكة كانت خاطئة وقتها بسبب التعويل على نوعية معينة من السياسيين ساعية للاستفادة من الدعم السعودي السخي دون أن تقوم بأيّ دور في تغيير الواقع، ما دفع السعوديين إلى مراجعة موقفهم بشكل جذري.

ولم تكن السعودية ولا الحريري هما المحددان في التغييرات الواسعة التي جرت في لبنان والمنطقة وصبّت في صالح حزب الله، فهناك عامل الأزمة السورية التي دفعت بأكثر من مليون نازح إلى لبنان، وكلهم من السنة، وتعامل الجميع معهم بتشكك مفهوم بالمقارنة مع تاريخ الوجود الفلسطيني في لبنان، وكان لهذا العامل دور واضح في جعل المزاج الشعبي أقرب إلى أجندة حزب الله وتحالفه مع نظام بشار الأسد.

كما تغيّر وضع إيران في العراق وسوريا، ونجحت في تعبيد الطريق البري بين إيران والمتوسط، ما يجعل آخر ما تفكر فيه إيران أو تهتم بتأثيره هو وجود أو عدم وجود الحريري وغيره من الطبقة السياسية السلبية التي تكتفي بمراقبة الأحداث وإحصاء نجاحات الآخرين.

وينظر جنبلاط إلى توازنات حساسة لوضع طائفته الدرزية خصوصا بعد أن اجتاح حزب الله الجبل واحتل مناطق نفوذ حزب جنبلاط عام 2008.

وكان جنبلاط والحريري جزءا من “تحالف 14 آذار” الذي سعى للوقوف بوجه حزب الله وحلفائه في لبنان بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005. لأجل ذلك اعتبر جنبلاط أن قرار سعد الحريري الانسحاب من الحياة السياسية “يعني إطلاق يد حزب الله والإيرانيين في لبنان”.

وشبّه جنبلاط لبنان في ظل النفوذ الإيراني حاليا بحاله في تسعينات القرن الماضي عندما كان تحت سيطرة سوريا بقيادة الرئيس الراحل حافظ الأسد في ذلك الوقت.

وأضاف أن وجه الاختلاف بين إيران والحكم السوري هو أن الرئيس حافظ الأسد لم يلغ الكيان اللبناني ولم يلغ الدولة.

وقال إنه طلب خلال زيارة في الآونة الأخيرة إلى موسكو من المسؤولين الروس إيصال رسالة إلى إيران باحترام أهمية لبنان، بما في ذلك تنوعه.

وكثف جنبلاط انتقاده لحزب الله، وقال إن لبنان ليس منصة لإطلاق الصواريخ، في إشارة إلى الترسانة الضخمة التي تملكها الجماعة الشيعية.

كما اتهم جنبلاط حزب الله بلعب دور رئيسي في تهريب المخدرات إلى منطقة الخليج. وقال إن من المستحيل على لبنان تنفيذ قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لعام 2004 والذي يطالب بنزع سلاح حزب الله، وهو أيضا واحد من عدة مطالب وضعتها دول الخليج العربية كشروط لتحسين العلاقات مع بيروت. وحزب الله الذي أسسه الحرس الثوري الإيراني عام 1982، والذي يمتلك ترسانة ضخمة من السلاح، هو أقوى فصيل في لبنان منذ فترة طويلة، وقد نجح في بناء تحالفات مكنته من السيطرة على المشهد السياسي وعلى البرلمان والحكومة، وتسبب في تعطيل البلاد لأشهر عديدة سواء قبل انتخاب الرئيس ميشال عون أو بعد استقالة الحريري.