القادة لا يسمعون – مروان اسكندر – النهار

تؤكد ارقام #الموازنة العامة ان القادة السياسيين لمختلف الاطراف لا يسمعون. سابقًا اعتبرنا انهم لا يقرأون، واليوم نؤكد انهم لا يسمعون، علمًا ان السمع طبيعي ولا يحتاج الى أي جهد من المستمع.

تدّعي ارقام الموازنة ان العجز بين ما يتحصّل من رسوم يُفترض زيادتها بصورة غير قابلة للتطبيق لان الموارد للانفاق اصبحت اقل، وكميات الاستيراد انخفضت بنسبة 50%، وارباح الشركات باتت اقل. فعلى سبيل المثال، كانت ارقام أرباح البنوك تشكل نسبة ملحوظة من حاصلات ضريبة الدخل، وهذه الارباح تبخرت منذ العام 2020، وبالتأكيد خلال عام 2021، وقد انخفضت بحيث ان زيادة رؤوس اموال البنوك التي فُرضت قبل عامين ووفرت 4 مليارات دولار تبخرت نتيجة الخسائر، واستمرار البنوك مع زيادة اضافية على الاموال الخاصة غير مؤكد لمعظمها.




نعود الى ارقام الموازنة التي تبشّرنا على رغم محاولات تقليص الفارق ما بين العائدات والنفقات، بان الفارق يزيد على 15 الف مليار تمثل نسبة عجز في الموازنة بـ31%، ومن ثم هناك تسريب بان سُلف الخزينة، غير المدرجة في ارقام الموازنة، ستبلغ اكثر من 5 آلاف مليار، وبالتالي يرتفع العجز الى 41%.

الامر المفترض معرفته من المسؤولين، وبخاصة رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ووزير المال ونائب رئيس الوزراء الذي يعرف مطالب صندوق النقد الدولي، ان عجزا كهذا لا يشجع صندوق النقد على الإقدام على مساعدة #لبنان. والمتباحثون مع فريق الصندوق يعلمون ان اي مساعدة منه يجب ان تسبقها جدولة الدين العام المتمثل بسندات اليوروبوندز.

لقد نبّه المسؤولون في الادارة الاميركية من ان استمرار عجز الموازنة من دون انجاز اصلاحات جذرية، لن يسمح بمساعدة لبنان، والمسؤول عن مساعدات الامم المتحدة اعلن بصوت واضح وصريح ان المسؤولين اللبنانيين في حالة غياب عن الوعي، وكذلك اعلنت رئيسة صندوق النقد ان اللبنانيين مغيّبون، على ما يبدو، عن ادراك شروط تأمين المساعدات.

بعد انهاء ارقام الموازنة على الشكل المشار اليه، يتجرأ المسؤولون في لبنان على التفاؤل بان المساعدات قريبة والمباحثات مع بعثة الصندوق ستبدأ الاسبوع الحالي، وهذا امر اكيد، لكن المباحثات، وإنْ هي تلمّست حاجات لبنان لاستعادة العافية، إلا ان هذه الحاجات التمويلية لن تقل عن 20 مليار دولار، وهذا رقم بعيد عن استعدادات الصندوق.

صندوق النقد، والبنك المركزي الاوروبي، وبنك الانماء الاوروبي الذي له مشاركات في عدد من البنوك اللبنانية، والهيئات الدولية، كلهم كانوا ينتظرون قبل انهاء ارقام الموازنة، ان تبدأ خطوات جذرية لاستقطاب مؤسسات دولية للاستثمار في منشآت البنية التحتية في لبنان، مثل انتاج الكهرباء وتوزيعها، تشغيل مطار رينه معوض، بدء تطوير مرفأ طرابلس من قِبل هيئات دولية معروفة منها شركات خاصة واخرى حكومية في بلدان راغبة في هذا الدور اذا توافرت الشروط المشجعة على ذلك.

لقد حان وقت استفاقة المسؤولين في لبنان على حاجات تطوير الخدمات الاساسية واستقطاب استثمارات خارجية ترتبط بإدارة موثوق بها من قِبل الهيئات المقبلة على الاستثمار، لكن الموازنة لا تتناول ايًا من المبادرات لاستقطاب الاستثمار في المنشآت القائمة والتي تحتاج الى قيادة مثل مرفأ بيروت، وبالتالي يحتاج لبنان الى ان يبرهن ان مسؤوليه يستوعبون الحاجات الملحّة ويعملون على تأمين نجاح الاستثمارات في مختلف جوانب توفير الخدمات العامة.

لبنان اليوم يعيش من دون اي تخطيط على صعيد الخدمات العامة، يعيش من دون اتصالات دولية مؤكدة، ويعيش خدمات انترنت متقطعة، ويعيش من دون حضور الموظفين في الادارات العامة الى مكاتبهم بسبب غلاء اسعار البنزين وفقدان خدمات النقل العامة مقابل اسعار معقولة. والمسؤولون مغيّبون حكمًا وخيارًا عن حاجات المواطنين. والسؤال هو: لماذا حالة الاغماء هذه؟ وأيمتى نستفيق، وحديث ممثل هيئة الامم المتحدة يضج في اذهان اللبنانيين الذين يستشعرون اهمية معايير توافر الخدمات العامة في المجتمعات الحديثة؟

مبادرات تشجيع رجال الاعمال اللبنانيين وغيرهم على الإقدام على تنفيذ مشاريع مهمة في لبنان مفقودة تمامًا، ودعوة لبنان الى الاصطفاف مع دول الممانعة هي دعوة للانتحار الاقتصادي والمجتمعي، فأين هي دول الممانعة؟ هل هي سوريا، ام هي ايران؟ وهنالك مساع في الدولتين لاستنهاض القطاع الخاص بعد تدهور الخدمات العامة ومستويات الحياة في البلدين.

اخيرًا كلمة صريحة وحقيقية. فخامة الرئيس، حضرة رئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس النواب، الاقتصاد اللبناني غير موجود في لبنان، موجود في نيجيريا، وموجود في دولة الامارات، وموجود في السعودية، وفي الكويت التي طالما اسرعت لنجدة لبنان حتى اصبح امنها معرّضا لأخطار نشاطات مخربين من لبنان، ولبنان المتواجد خارجًا حجمه الاقتصادي اكبر من لبنان داخل حدوده، وانتاج اللبنانيين في الخارج هو سبب استمرار تنفّس اللبنانيين.