تداعيات الأزمة المالية تطال أطفال لبنان.. تحذيرات ونصائح للمرحلة الصعبة

أسرار شبارو – الحرة

يمضي ساعات بين السكاكر والشوكولا، يبيعها للزبائن وفي قلبه غصة ورغبة بتناول قطعة على الأقل، لكن ثمنها المرتفع يحول دون ذلك… هو اللاجئ محمد، ابن التسع سنوات، الذي دفعته الظروف الصعبة في لبنان إلى دخول سوق العمل والحرمان من أبسط الأحلام.




عدم قدرة محمد على شراء “التشيبس” وألواح الشوكولا والبسكويت لا تختلف عن حال معظم أطفال لبنان، الذين كتب عليهم أن ينالوا نصيبهم من الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلد منذ عام 2019.

وأسفرت الأزمة الحادة في انخفاض القدرة الشرائية للعائلات وسط ارتفاع كبير بأسعار السلع والخدمات، فأصبحت “فرحة” الأطفال مرتفعة الثمن تحتاج إلى ميزانية يعجز عنها الأهل.

وفي تقرير صدر في ديسمبر 2021  بعنوان “بدايات مظاهر العنف: أطفال يكبرون في كنف أزمات لبنان”، أشارت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” إلى أن نحو 1.8 مليون طفل في لبنان يعانون، أي أكثر من 80 بالمئة من الأطفال، “من فقر متعدد الأبعاد” بعدما كان العدد نحو 900 ألف طفل عام 2019.

سبق أن شددت المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في لبنان ومنسقة الشؤون الإنسانية، نجاة رشدي، على أنه “لا يجوز حرمان أي طفل في لبنان، بغض النظر عن جنسيته، من حقوقه الأساسية”، مؤكدة أن الأطفال يجب أن يكونوا “في طليعة خطط وسياسات وممارسات الحكومة للتعافي”.

وكانت الليرة اللبنانية فقدت أكثر من 90 بالمئة من قيمتها، في وقت تتفاوت أسعار صرف الدولار، “ومنذ بداية الأزمة حتى اليوم ارتفعت أسعار الغذاء أكثر من ألفين بالمئة”، بحسب ما أكد رئيس جمعية حماية المستهلك، زهير برو.

ولفت برو، في حديث لموقع “الحرة”، إلى أن “تقارير دائرة الإحصاء المركزي تؤكد هذا الرقم، في وقت يسعّر كل تاجر بضاعته كما يحلو له، الفوضى شاملة والدولة غائبة، البلد متروك للتجار والمصارف، ما ينعكس سلباً على الأسعار”.

أحلام في مهب الأزمات

داخل أحد المتاجر الصغيرة، وقف محمد متسلحا بجاكيت حمراء لمواجهة البرد القارس، هو الذي يحلم أن يكون داخل أربع جدران مع عائلة تمنحه الدفء، لكن ليس في يده حيلة سوى الانصياع لأوامر الأب، بضرورة العمل لمساعدته في مصروف البيت.

وقال: “أعمل من الساعة الثامنة صباحاً حتى السابعة مساء، لأحصل على 60 ألف ليرة في الأسبوع وبعض الإكراميات من زبائن أقوم بإيصال طلبياتهم”.

لم يتناول محمد السكاكر والحلويات منذ مدة طويلة، وقال “أنظر إليها طوال اليوم، أتخيل أني آكل ما يحلو لي، لكن في الواقع أنا مشتاق لمذاق ما كنت اشتريه منها وما لم أتمكن حتى الآن من تذوقه”.

وعن سبب عدم تخصيص ولو جزء من مدخوله لذلك، أجاب “لكي يتمكن والدي من شراء الطعام لي ولأشقائي”.

وانخفضت نسبة شراء الأطفال للسكاكر في محل سعيد في الضاحية الجنوبية نحو 70 بالمئة، فبعد أن كانت الألف ليرة تكفي الطفل لشراء كيس شيبس وعبوة عصير ولوح شوكولا، لا تمكّنه اليوم من الحصول على اختيار واحد، وقال “الشيبس الذي كان سعره 250 ليرة ارتفع إلى 3000 ليرة، والذي كان يسعّر بـ500 ليرة سعره اليوم 6000 ليرة، أما ما كان سعره 1000 ليرة بات يباع بـ 12 ألف ليرة”.

وفيما يتعلق بالعصائر، شرح سعيد ” أرخصها بـ3000 ليرة ومنها ما هو بـ6000 ليرة، أما ألواح الشوكولا فارتفع سعرها بشكل كبير، فما كان ثمنه 250 ليرة أصبح بـ3000 ليرة، فيما وصل لوح الشوكولا الذي كان يباع بـ1000 ليرة إلى 10 آلاف ليرة، ما يعني لكي يتمكن الولد من شراء من كان يبتاعه بألف في السابق يحتاج اليوم إلى ما لا يقل عن 15 إلى 20 ألف ليرة”.

وفي الطريق الجديدة بالعاصمة بيروت، معاناة الأطفال والأهل ذاتها، حيث كما قال فادي (مالك متجر صغير) “لا أحد مستثنى من الكارثة التي تمر على اللبنانيين سوى الذين يقبضون رواتبهم بالدولار، هؤلاء فقط لا يتأثرون بارتفاع الأسعار كما البقية”.

وأضاف: “لكي لا يحرم الأطفال من شراء السكاكر والشوكولا اضطر لجلب ما هو سوري الصنع، كونه أرخص وإن بنسبة قليلة، حيث يتراوح سعر القطعة بين 2000 ليرة و2500 ليرة، مع العلم بأن بعض أنواع الشوكولا يصل ثمنها الى 25 ألف ليرة، ما يحصل أقل ما يقال عنه جريمة بحق الأطفال والأهل، فمن كان يتوقع أن يرتفع سعر عبوة العصير من 250 ليرة إلى 3500 ليرة”.

حسام والد لثلاثة أطفال اعتاد يومياً بعد عودته من العمل شراء السكاكر والحلويات لهم، لكنه اليوم يجد نفسه عاجزاً عن إدخال الفرح إلى قلوبهم، شارحاً “كنت أدفع 6 آلاف ليرة، تكفي لتعبئة كيس متنوع بين الشيبس والبسكويت والعصائر، إذ كان سعر القطعة يتراوح بين 250 ليرة وألف ليرة، أما اليوم ارتفع سعر البسكويت من 250 ليرة إلى 3 آلاف ليرة وكذلك كيس الشيبس، أما الشوكولا فأسعاره نار”.

أجبرت الظروف حسام على تغيير عادته، لم يعد بإمكانه جلب السعادة إلى أولاده، وقال “أصبحت أدخل المنزل والحزن يعتصر قلبي، لا أعلم كيف سأجد تبرير يومي لعدم قدرتي على شراء ما يحبونه، هم لا يفهمون أن راتبي لا يكفي لشراء الطعام لهم فكيف بالكماليات، فأكبرهم يبلغ من العمر خمس سنوات، تارة أتحجج أن الدكان مقفل، وتارة أخرى بأني نسيت المال في المنزل، لكن إلى متى سنبقى نعاني وستبقى رواتبنا من دون قيمة، في بلد أصبح كل ما فيه جحيم يحرق مواطنيه”.

اختصاصية التغذية والصحة العامة، ميرنا الفتى، أكدت أن “الحلويات والسكاكر تشكل مصدراً للفرح والتسلية بالنسبة للأولاد كونها ترفع هرمون السعادة لديهم وإن كان لوقت قصير، كما أنها تدخل ضمن عناصر المكافأة التي يمنحها الأهل لأطفالهم وإن كنت لا أحبذ هذا المفهوم، لذلك فعدم تناولهم لها يعني حرمانهم من الفرح والسعادة”.

إذا كانت عدم القدرة المادية تقف فاصلاً بين الأولاد والأطعمة التي يحبونها، إلا أن هناك أهالٍ كثر لا يفضلون كما قالت الفتى لموقع “الحرة” “شراء الحلويات لأولادهم كي لا يكسبون وزناً، على الرغم من أن ذلك غير دقيق علمياً، فحرمان جسم الطفل من السكر سيدفعه إلى إدمانه بمجرد تذوقه، حيث سيزيد من طلبه عليه أضعاف الحد الطبيعي المسموح له به”.

ومع ذلك، لفتت الفتى إلى أنه “لا يجب السماح للطفل بتناول أكثر من قطعة واحدة من الحلويات مع حصتين من الفاكهة يومياً، كي يتمكن من التركيز والنوم مدة أطول وعدم الإفراط في الحركة والحفاظ على مناعة جيدة”.

إحراج وإحباط

تعمقت الأزمة الاقتصادية في لبنان مع الأيام، وقد صنفها البنك الدولي بين الأسوأ في العالم منذ عام 1850، حيث تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية لمستويات غير مسبوقة، في وقت يعجز فيه اللبنانيون عن سحب أموالهم من المصارف بسبب قيود ناتجة عن شح السيولة.

الضغوط النفسية والحرمان في مرحلة الطفولة يعدان من أسوأ الأمور التي يمكن أن تترك آثاراً تلازم الطفل بقية حياته على المستويين النفسي والجسدي، بحسب ما قالته إخصائية علم النفس هيفاء السيد لموقع “الحرة”.

وأوضحت السيد أن “الإهمال وحرمان الطفل من إشباع أبسط حقوقه ورغباته في ظل الظروف المادية والاقتصادية الصعبة جعلت بعض الأسر تتخلى عن شراء الحلويات والسكاكر التي يشعر من خلالها الطفل بالمتعة واللذة والذكريات السارة التي تنطبع في مخيلته، والتي قد تترك بصماتها في استقراره العاطفي مستقبلاً”.

طبيب الأطفال، الدكتور جيرار واكيم، أشار، في حديث لموقع “الحرة”، إلى أنه “لا يجب منع أي ولد من تناول الحلويات، وإذا حصل ذلك سيبحث عن وسيلة للوصول إلى ما يصبو إليه سواء عن طريق زميله في المدرسة أو رفيقه وغيرهما”.

وأوضح أن “السكاكر والحلويات مهمة للأولاد على أن تعطى لهم بكمية قليلة وبطريقة منظمة، أي بعد وجبتي الغداء والعشاء لا قبلهما، كي لا تؤثر على كمية الطعام التي يتناولونها كما أن كثرتها تضر بالأسنان”، مشدداً “لا يجب أن تكون الحلويات مكافأة ودافع للطفل للقيام بأمر يطلب منه، فهذا المفهوم خاطئ”.

ويواجه لبنانيون مواقف صعبة ومحرجة عند اصطحاب أطفالهم لمتاجر المواد الغذائية، حين يصر الولد ويبكي لشراء ما يشتهيه، في وقت لا قدرة لوالديه بتحقيق رغباته.

وتقول منال، الوالدة لطفلين، لموقع “الحرة”،  “عدة مرات أحرجت لعدم تمكني من دفع ثمن علبة سكاكر أو حتى بيضة من الشوكولا التي وصل سعرها إلى 36 ألف ليرة، والأسوأ الأسلوب التي تتبعته السوبرماركات بوضعها أمام الصندوق، وحين يتوقف الآباء للدفع يراها الطفل، يحملها بيده وكله أمل أن تصبح له، لتكون الطامة حين يطلب منه إعادتها إلى مكانها بعد معرفة ثمنها”.

توقفت منال عن اصطحاب ابنها، البالغ من العمر 4 سنوات، إلى متاجر الأغذية، مشددة “أحزن جداً وأشعر بالإحباط عندما أجد طفلي يبكي من أجل أمور تعتبر بديهية وحتى من حقه، لكن للأسف بات سعرها خيالي في حين أن راتب زوجي لا يتعدى المليوني ليرة، بالكاد يكفي بدل إيجار البيت وطعامنا من الخضر والحبوب لا اللحم، أما اشتراك المولد فاضطررت إلى إيقافه بعدما عادلت الفاتورة الشهرية الراتب”.

انعكاسات سلبية

موضوع ارتفاع الأسعار أخطر بكثير كما قال برو مما يعتقد البعض، “لذلك يجب دراسة أسباب المشكلة ومعالجتها من قبل المجتمع، وللإعلام دور كبير في ذلك”.

وللخروج من دوامة الانهيار الشامل، دعا برو إلى “إقرار خطة التعافي ووقف خروج العملة الصعبة من لبنان، إقرار قانون المنافسة، جدولة دفع الودائع بالدولار أسبوعياً أسوة بكل دول العالم، بدلاً من دفعها وتهريبها يومياً للسياسيين والتجار المحظيين، وهذا سيؤدي فوراً إلى انخفاض سعر الدولار مما ينعكس ارتفاعاً للقدرة الشرائية للأجور خلال أيام”.

ودعا برو المغتربين اللبنانيين “للتجارة المباشرة مع المناطق والقرى والأسواق اللبنانية لتخطي احتكار عصابة تجار السياسة وعائلاتهم الذين يهيمنون على الأسواق وعلى المعابر”، مشدداً على أن “جمعية المستهلك مستعدة لمواكبة هذه التحولات بالتعاون مع كل الإرادات الصادقة في الداخل والمهجر”.

ويترك حرمان الطفل من أدنى حقوقه، كما قالت الاخصائية النفسية، هيفاء السيد، “انعكاساته النفسية السلبية المباشرة أو بعيدة المدى، على شخصيته وتوازنه النفسي خاصة اذا كان في مرحلة عمرية يفتقر فيها إلى الادراك الكافي بالواقع الذي يعيشه، وقد يعبّر عن ذلك بالصراخ والبكاء وعصيان أوامر الوالدين للحصول على ما يريد، وهذا ما يدفعه للشعور بالخوف والنقص وبالتالي يفقد ثقته بنفسه ويحقّر ذاته، كما قد يفقد صورة الأهل الداعمة وثقته بهم، وقد يتطور الأمر لديه إلى عدم الثقة بالآخرين”.

وأضافت “قد يصل بعض الأطفال إلى مرحلة الانكفاء والشعور بالغيرة والحسد وتعلم السلوكيات السلبية كالسرقة والعصبية والغضب نتيجة شعورهم بالظلم وبأنهم أقل من أقرانهم ولا يستحقون ما يتمتع به الغير”.

وفيما يتعلق بآثار حرمان الأطفال على المستوى الجسدي أكدت السيد أن “الدراسات أثبتت أن ذلك قد يؤدي إلى تغيرات عضوية في الجهاز العصبي المرتبط بتغيير حجم المخ ونموه، الأمر الذي قد يؤدي إلى اصابة بعضهم بأمراض عصبية مثل نقص التركيز وفرط النشاط والمعاناة في سن البلوغ من القلق والاكتئاب، اضافة الى التغييرات الادراكية وتراجع القدرات العقلية والتي تتمثل في خفض معدلات الذكاء، ما يؤثر على مصيره الدراسي وتفكيره وقراراته المستقبلية، كما قد يشعر الطفل بخلل الأمان الاجتماعي وافتقاده القدرة على بناء وتطوير العلاقات الاجتماعية والعاطفية”.

ولمواجهة المرحلة الصعبة، شددت الاخصائية النفسية على ضرورة “نشر الوعي من خلال برامج دعم الأسرة والطفل، وتضافر جهود المؤسسات الحكومية، الخيرية، الأهلية والدولية لمواجهة حرمان الأطفال بكافة أوجهه للتخفيف من آثاره”.

كما نصحت الأهل أن يطلعوا طفلهم على الواقع، “من خلال شرح مبسط إذا كان في سن يسمح له بذلك، على أن لا يشعر أنه أقل من غيره، ليتعلم مواجهة ظروف الحياة وبالقناعة والصبر يرضى بواقع الحال ويتوقع الأفضل في المستقبل، ومن الضروري أن يكون الأهل مصدر دعم معنوي وعاطفي للطفل، فذلك أهم من الدعم المادي، فبالحب والحنان يشعر الأطفال بالأمان، الثقة والرضا”.