السنّة في لبنان فقدوا زعامتهم باغتيال رفيق الحريري وليس باعتكاف ابنه

مع إعلان سعد الحريري عن تعليق نشاطه السياسي الاثنين فُتح باب التساؤلات عمّن سيرث زعامة السنّة في لبنان، غير أن أوساطا سياسية تعتبر أن هذه الطائفة فقدت زعامتها بالفعل عند اغتيال رفيق الحريري في الرابع عشر من فبراير 2005 وليس عند خروج ابنه من المشهد السياسي.

ووصف مراقب سياسي لبناني قرار الحريري الابن لأنه لا يستطيع الاستمرار في العمل السياسي وفق المعطيات الحالية، بأنه تشخيص لحالة من الضعف السياسي لتيار المستقبل الذي ورثه الابن عن الأب، وتجسيد لسنوات من التذبذب في المواقف والانقطاع عن التواجد في الساحة اللبنانية من جهة ثانية، ما يعني أن السنّة في لبنان فقدوا زعامتهم منذ رحيل الحريري الأب.




وقطعت السعودية منذ البداية الطريق على طرح شخصيات أكثر حنكة سياسية لأخذ قيادة تيار المستقبل، ولكنها بقيت تتعامل مع سعد الحريري على أنه “تابع” أكثر منه زعيم وطني لبناني.

ثم حسم وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى توجيه القرار السياسي السعودي وضع الحريري الابن بقطيعة شبه تامة معه ومع تركة أبيه السياسية.

وبدا إعلان الحريري وكأنه نتيجة للإخفاق في مواجهة مشاريع حزب الله الموالي لإيران، ما كشف أنه ليس الشخص المناسب الذي يمكن المراهنة عليه لتحجيم النفوذ الإيراني في لبنان.

ويرى سمير سكاف وهو ناشط ومحلل سياسي أن “مشكلة الحريري في الأساس هي عدم مواجهته لمشروع حزب الله والسماح له بمواجهة الدول العربية، لاسيما الخليجية، وهذا ما أدى إلى تكبد الحريري لخسائر تلو الأخرى داخليا وخارجيا”.

وأشار سكاف إلى أن “من الخسائر التي أصابت الحريري رضوخه لضغوط حزب الله لإيصال حليفه ميشال عون إلى سدة رئاسة البلاد بتسوية أبرمها الحريري عام 2016”.

وتابع “كل ذلك جعل الحريري في موقع الضعيف تجاه الرأي العام السنّي، وخسر بذلك الدعم العربي، وأي شخص سيتبع نفس أسلوب الحريري سيصل إلى نهاية مشابهة”.

وتاريخيا، كانت العلاقة بين بيروت والرياض دافئة، خصوصا مع رفيق الحريري الذي تولى رئاسة الحكومة اللبنانية مطلع تسعينات القرن الماضي، وحتى بعد اغتياله عام 2005 استمرت العلاقة جيدة مع ابنه سعد.

لكن هذه العلاقة اهتزت عام 2016 إثر تسوية جاءت بعون حليف حزب الله رئيسا للجمهورية، والحريري رئيسا للحكومة، وفي العام التالي استقال الحريري في كلمة تلفزيونية من الرياض في ظروف غامضة، قبل أن يتراجع عنها من بيروت.

واستبعد سكاف وجود شخصيات سياسية سنّية قادرة على ملء الفراغ بعد الحريري، معتبرا أن “رئيس الحكومة نجيب ميقاتي غير قادر على ذلك، فهو يسلك نفس الأسلوب الذي يتبعه الحريري، وهو مهادنة حزب الله والخضوع له في مواجهة الأخير للدول العربية”.

ورجح صعود نجم بعض الشخصيات على صعيد مناطقي، لاسيما أولئك الذين يرفعون شعار “مواجهة” حزب الله كالنائب فؤاد مخزومي في بيروت، والوزير السابق أشرف ريفي في طرابلس، وبهاء الحريري شقيق سعد الذي عبّر أكثر من مرة عن مواقف صريحة ضد الحزب.

ولا يستبعد مراقبون أن يترشح أحد أشقاء الحريري خاصة بهاء الذي ينتقد بشدة خيارات أخيه إزاء حزب الله المصنف جماعة إرهابية في الولايات المتحدة، غير أن ترشحه وحتى صعوده قد لا يغيران شيئا في المعادلة السياسية في البلاد خاصة في ظل اهتزاز صورة تيار المستقبل بعد التنازلات التي قدمها لحزب الله.

وكان سعد الحريري قد أعلن الاثنين عن تعليق نشاطه السياسي، داعيا حزبه تيار المستقبل إلى اتخاذ نفس القرار وعدم المشاركة في الانتخابات النيابية المقرر تنظيمها في الخامس عشر من مايو المقبل والتي ينظر إليها كثيرون على أنها فرصة لإحداث تغيير ولو ضئيل.

غير أن تداعيات الأزمة الاقتصادية وانفجار الرابع من أغسطس 2020 الذي دمر جزءا كبيرا من بيروت وقتل أكثر من مئتي شخص ساهما في إحباط اللبنانيين تدريجيّا. واليوم يعيش نحو ثمانين في المئة من السكان تحت خط الفقر، وهاجر الآلاف منهم خارج البلد، وتركز غالبية اللبنانيين على تأمين حاجاتها الأساسية ولا تهتم بالسياسة.

وأضاف الحريري أن منع الحرب الأهلية فرض عليه “تسويات أتت على حسابه”، منها زيارته إلى دمشق في 2009، وانتخاب ميشال عون رئيسا للبلاد في 2016، وقد تكون السبب في عدم الوصول إلى حياة أفضل للبنانيين.

الخسائر التي تسبب فيها الحريري لا تقتصر على المستوى السياسي حيث تسبب أيضاً في خسائر شخصية ومالية

وبالتوازي مع كلمته نفذ أنصار تيار المستقبل احتجاجات في بيروت مطالبين إياه بالاستمرار في العمل السياسي والترشح للانتخابات، معتبرين أنه “الممثل السياسي الوحيد للطائفة السنية في لبنان”.

وانتُخب الحريري للمرة الأولى نائبا في البرلمان عن بيروت عام 2005، ثم أعيد انتخابه في 2009، وانتُخب للمرة الثالثة عام 2018، فيما ترأس الحكومة ثلاث مرات أعوام 2009 و2016 و2018.

وجاء إعلان الحريري الإبن الاثنين في وقت يشهد فيه لبنان واحدة من أسوأ أزماته في ظل التدهور الاقتصادي الحاد.

وبالإضافة إلى الخسائر التي تسبب فيها على المستوى السياسي بعد أن تهاوت شعبية تيار المستقبل، فقد تسبب الحريري الإبن أيضاً في الكثير من الخسائر الشخصية والمالية، حيث كان وراء أزمة شركة البناء “سعودي أوجيه” المثقلة بالديون والتي قامت بصرف موظفيها الـ56 ألفا وتوقفت عن دفع رواتبهم.

وفي سبتمبر 2019 أعلن الحريري تعليق العمل في تلفزيون “المستقبل” الذي يملكه بعد أكثر من ربع قرن على إطلاقه. ثم توقفت صحيفة “المستقبل” التي أسسها والده عن الصدور ورقيّا مطلع 2019، بعد عشرين عاما من بدء صدورها.

وكانت مجلة “فوربز” تقدّر ثروة سعد الحريري بـ1.5 مليار دولار، لكنّه خسر الكثير خلال السنوات الماضية. وقال الحريري عام 2020 “لم يعد لديّ ولا أي مليار، بل أقل بكثير”.